فتوى القرضاوي ليوسف إسلام بحل ماله من الغناء

يوسف اسلام

 

كات استيفنس، هو المطرب وكاتب الأغاني الإنجليزي العالمي المشهور، حققت مبيعات ألبوماته ما يقارب من 60 مليون نسخة، والذي أسلم وغير اسمه إلى يوسف إسلام، وبعد إسلامه، كشأن كل من يسلم، ويكون في ماله شبهة المال الحرام، وخاصة من كانت ثروته من ريع العمل الفني، سواء كان غناء أم تمثيلًا، وهو ما يبدأ بطرحه كل من يترك الفن، أو يسلم ويترك الفن، أو يغيّر خطه، فيبدأ بالسؤال عن تاريخه الفني من قبل، وما نتج عنه من مال، هل يحل له أم أنه حرام؟ وعليه أن يتخلص منه، ولا يحق له الانتفاع به، كما يفتي كثير من الشيوخ.

توجهت مجلة (الأمة) القطرية، بالسؤال عن طريق الداعية الإسلامي: حيدر قفه، ليطلب من فضيلة العلامة يوسف القرضاوي -رحمه الله- الإفتاء في أسئلة يوسف إسلام، في العدد الصادر في شهر شعبان سنة 1402هـ، وكانت صيغة الأسئلة والفتوى كالتالي:

يوسف إسلام يسأل القرضاوي:

ما حكم المال الذي أمتلكه قبل اعتناقي للإسلام، ولم أكن أعرف حكم الغناء شرعًا، فما حكم المال الذي عاد عليَّ من الأغنيات التي سجلتها بعد اعتناقي للإسلام؟

تركت الغناء نهائيًا بعد أن اطمئن قلبي لتركه، وعلمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقره، ولكن ريع أغنياتي السابقة ما زال يأتيني كلما طبعت هذه الأغاني، فما حكم هذا المال؟

إذا كانت الآلات الموسيقية محرمة، وقد بعت آلاتي في مايو سنة 1981م، فما حكم المال الذي عاد عليَّ من بيعها؟

القرضاوي يجيب:

وقد أجاب القرضاوي عن أسئلة يوسف إسلام، فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فللإجابة عن الأسئلة المذكورة أحب أن أوضح النقاط التالية:

جواز الانتفاع بثروته قبل الإسلام:

أولًا: إن الثروة التي كوّنها الأخ قبل إسلامه لا حرج عليه في الانتفاع بها، لأنه جمعها في ذلك الوقت بالطرق المشروعة حسب القوانين والتقاليد المرعية، دون أن يظلم أو يغش، أو يخوّن أحدًا، فهي بذلك مال حلال له.

ومن المعلوم أن الإسلام يجب ما قبله، وقد أسلم كثير من الصحابة بعد كفر وشرك، وكانت لهم أموال كسبوها في الجاهلية أو ورثوها من آبائهم وأهليهم، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدًا منهم أن يتجرد من ماله، ويبدأ من الصفر.

الغناء والموسيقى مختلف في حكمهما:

ثانيًا: نعلم أن الغناء والموسيقى ليسا من المحرمات القطعية كالخمر والربا والسرقة والرشوة وغيرها، بل هما من الأمور التي اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، ما بين محرم بإطلاق، ومبيح بإطلاق، وقائل التفصيل.

وعلى هذا لا نستطيع أن نقول: إن المال المكسوب عن طريق الغناء والموسيقى مال حرام، كالمال المكسوب عن طريق الخمر والربا، وخصوصًا إذا كان الغناء بعيدًا عن إثارة الغرائز والتحريض على الفواحش، وأقصى ما فيه أن يكون في موضع الشبهات.

بيع الآلات الموسيقية ليس حرامًا:

ثالثًا: إن الآلات الموسيقية التي باعها الأخ وقبض ثمنها، ليست من الأعيان المحرمة التي نص الشرع على تحريم بيعها كالميتة والخمر والخنزير والأصنام ونحوها، بل قد أجاز بيعها الظاهرية وغيرهم.

على أنه لم يبعها لمسلم، بل باعها لغير المسلمين ممن يعدّها مالًا نفيسًا، وثروة قيمة، وقد اشتراها من اشتراها راضيًا طيّب النفس.

وأعتقد أن بيع هذا لغير المسلم جائز، على مذهب من يرى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة إلا بعد الإيمان بالإسلام، وهذا إذا سلّمنا بحرمة هذه الآلات.

ومما يشهد لذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث إلى عمر حلة من حرير، كان قد سمع منه قبل قوله: “إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة”، فعجب عمر -رضي الله عنه- كيف يرضى له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يلبس حلة الحرير، وقد قال في نظيرتها ما قال؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لم أبعثها إليك لتلبسها، ولكن لتبيعها أو لتصيب بها مالًا..”.

ولو لم يجز للأخ بيع هذه الآلات والانتفاع بثمنها، لكان عليه أن يكسرها أو يحرقها، وفي ذلك إضاعة لقيمتها عليه وعلى المسلمين، وظلت سوق الغناء والموسيقى نافقة عند القوم كما هي.

التخفيف في الفتوى للمسلمين في الغرب:

رابعًا: إن المسلم الذي يعيش في غير دار الإسلام، ينبغي أن يخفف عنه، وييسر عليه، ولا سيما إذا كان حديث عهد بالإسلام، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى جواز أخذ الربا من الحربيين في دار الحرب، وتصحيح كل عقد أو معاملة تعود على المسلم بنفع ما دامت قائمة على التراضي، وليس فيها غش ولا خيانة.

وبناء على هذه الأمور أقول:

إن الثروة التي كوّنها الأخ المسلم من أغانيه السابقة على اعتناق الإسلام، أو من أغانيه التي سجلها بعد الإسلام، لا أجيز له أن يتركها لغير المسلمين ينتفعون بها، من أصحاب الشركات والمؤسسات التي تذيع هذه الأغاني أو تبيعها، وربما كانوا يهودًا أو أعداء محاربين للمسلمين، وربما تحول هذا المال إلى رصاص في صدور المسلمين.

ويستطيع الأخ أن يأخذ ما يأتيه من هذا الريع وينفقه -كله أو بعضه- في نشر الدعوة إلى الإسلام، ونصرة قضاياه، وهداية الحيارى إلى الله، وتثبيت المهتدين وتعليمهم حقائق الإسلام، وقد أُمر المسلمون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وهذا ضرب من الجهاد بالمال إن شاء الله، وبالله التوفيق.

الفقه بالفهم لا الحفظ:

وقد كتب الدكتور عبد الله العبادي أحد الشرعيين في دولة قطر، وتلميذ القرضاوي في المعهد الديني، ردًا على فتواه، وقد رد القرضاوي عليه، بأن النقول التي نقلها كلها نقول معروفة، ولكنها ليست من الفقه والمعتمد في الفتوى في هذه الحالة، وأن الفقه ليس حفظًا لنصوص، ولكنه ملكة تكون لدى الفقيه، يستطيع بها أن يخرج بالفتوى المناسبة للحالة، مع حسن الاستدلال لها.

تعقيب على فتوى القرضاوي:

لقد كانت فتوى القرضاوي ليوسف إسلام بإباحة انتفاعه بثروته قبل الإسلام، بناء على أنها أتت من الغناء، وهو مختلف فيه، وفي الحقيقة إن الغناء الرومانسي ليس حرامًا في فقهنا الإسلامي، بل جمهور العلماء على إباحته، ما دام ليس في شخص معين، وأجازه الأحناف لو كان في معين ولكنه ليس حيًا، وبذلك يعد المال الذي يأتي منه يأخذ حكمه، وهو الإباحة، كما نص على ذلك الفقهاء، ويبدو أن شيخنا -رحمه الله- لم يرد أن يدخل في معركة فقهية، تتعلق بشخص أسلم، وأراد أن يترك ماله، أو يتصدق به، بناء على البناء الفقهي الأسهل، وهو: الإسلام يجب ما قبله، وإن كان الباب سيظل مفتوحًا للرد والاعتراض عليه.

فتوى ابن تيمية بالانتفاع بالمحرم بعد التوبة منه:

وكنت أود من شيخنا، أن يتبنى موقف ابن تيمية -رحمه الله-، وله رأي ذكره في مجموع الفتاوى (22/22،21)، حيث إنه ذكر أن مبدأ الإسلام يجب ما قبله، ليس خاصًا بمن كان غير مسلم ثم أسلم، بل امتد رأيه ليشمل المسلم الذي تاب من الحرام الذي ليس له صاحب، كمن تاب من مال حرام، ولا صاحب له، ولا يتعلق بحق أحد معلوم، وأن التوبة تجب ما قبله، وعليه أن يكثر من الصدقات والعمل الصالح، وفي ذلك يقول ابن تيمية:

(مسألة من لم يلتزم أداء الواجب، وإن لم يكن كافرًا في الباطن، ففي إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة، فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة يصلي ولا يزكي، وقد لا يصوم أيضًا، ولا يبالي من أين كسب المال: أمن حلال؟ أم من حرام؟ ولا يضبط حدود النكاح والطلاق، وغير ذلك، فهو في جاهلية، إلا أنه منتسب إلى الإسلام، فإذا هداه الله وتاب عليه، فإن أوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات، وأمر برد جميع ما اكتسبه من الأموال، والخروج عما يحبه من الإبضاع إلى غير ذلك صارت التوبة في حقه عذابًا، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام، الذي كان عليه؛ فإن توبته من الكفر رحمة، وتوبته وهو مسلم عذاب.

وأعرف طائفة من الصالحين من يتمنى أن يكون كافرًا ليسلم فيغفر له ما قد سلف؛ لأن التوبة عنده متعذرة عليه، أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة، ثم هذا منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة، وهو شبيه بالمؤيس للناس من رحمة الله، ووضع الآصار ثقيلة، والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله، فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين).

ومثل هذا الرأي يفتح الباب أمام من يريد التوبة من الحرام، وخاصة من يدخل في الإسلام، وتكون عنده ثروة أو مال فيه شبهة الحرام، وفي هذا الرأي توسعة على التائبين من الحرام الذي لا يتعلق بشخص، أو جهة معلومة، يطالب برد الحق لها، وهي مسألة موضع نقاش طويل بين فقهائنا قديمًا وحديثًا، والمفتي يراعي حال الفتوى وظروفها، بما يعين صاحبها على طاعة الله، والدخول في مرضاته.

المصدر : الجزيرة مباشر