سجيـن الشـلة.. وخطـر الشـللية

أعجبني تعبير (سجين الشلة) في دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بالإفراج عن السجناء الذين لا ينتمون إلى شلة، ذلك أنني كنت طوال الوقت أشير إلى هذه الحالة باعتبارها متعلقة بالأيديولوجيا، تحدثتُ كثيراً عن أننا نادراً ما نسمع عن نخبة اليسار يطالبون بالإفراج عن سجناء نخبة الليبراليين مثلاً، والعكس صحيح، ولا حتى السلفيين طالبوا ذات يوم بالإفراج عن سجناء الإخوان، ما بالنا بمن لا ينتمي إلى هؤلاء أو أولئك، ما بالنا بمن ليس له شلة، هؤلاء هم المنسيون في غياهب السجون والمعتقلات، لا يتذكرهم أحد، ولن يتذكرهم أحد.

أذكر أحد مرشحي الرئاسة، طالب -حين وجد الفرصة تسمح في الإفطار الرمضاني- بالإفراج فقط عن نائبه في الحزب، أو قُل صديقه، على الرغم من وجود العشرات من أصدقائه بين جدران الزنازين، وعشرات آلاف من الشلل الأخرى يقبعون فيها، هكذا عودتنا النخبة المصرية، هكذا هو حال السياسيين والحزبيين في بلادنا، الشلة أولاً، ربما أولاً وآخراً، بين الحين والآخر نسمع عن مطالب بالإفراج عن قوائم تعد على أصابع اليد، لا أكثر ولا أقل، الآلاف لا يسمع عنهم أحد، بل عشرات الآلاف، إنها ممارسات الشلة.

أذكر أيضاً أحد متصدري النخبة السياسية وقد خرج علينا ذات يوم في برنامج تليفزيوني مستنكرا ومتسائلاً عن كاتب هذه السطور قائلاً: لا أدري هو يتبع أي تيار؟ على اعتبار أنه من العجيب ألا تنتمي لأي من التيارات السياسية أو حتى الدينية، لا يكفي الانتماء للوطن، ولا يكفي أن تكون مستقلاً بذاتك، من المهم أن تتبع شلة، على الأقل سوف تجد من يسأل عنك في الشدة، من سوف يناضل من أجلك، من سيطالب بالإفراج عنك حين الاعتقال.

من ذوي الجنسيات المزدوجة

سجناء الشلة، قد يكونون أيضاً وفي أغلب الأحيان، من ذوي الجنسيات المزدوجة، وقد يكونون من أعضاء الجمعيات الحقوقية الدولية، وقد يكونون من المثليين أو الملحدين، كل هؤلاء يندرجون في الألفية الثالثة بشكل خاص تحت لافتة المحظوظين، أو ذوي النفوذ، سوف تضج وكالات الأنباء بالحديث عنهم، سوف تعج بهم المواقع الإخبارية، سوف يكونون محور المؤتمرات الصحفية للدبلوماسيين، وحتى وزراء الخارجية والرؤساء، سوف يكونون محط أنظار ومناقشات الكونغرس الأمريكي، ومجلس العموم البريطاني، وحتى الأمم المتحدة.

الشلة في بلادنا كانت في سالف الزمان تساعد على اعتلاء الوظائف، الترقيات، انتخابات الاتحادات الطلابية، النقابات، مجالس الإدارات، الآن بدت الشلة واضحة جداً حالة الحديث عن المعتقلين، في مساعي الإفراج والعفو، المبادئ تتراجع خلف الشلة، الأخلاق تتوارى، حتى الشعارات تختفي، الشلة أولاً بعد ذلك يمكن أن يأتي الحديث عن أي شيء وكل شيء.

البعض من جماعة الشلة فطن إلى هذه السقطة متأخراً، أرادوا الخروج من ذلك المستنقع، قرروا علاج الموقف، جمعوا مجموعة من الشلل في بوتقة أو في سلة واحدة، أطلقوا عليها “التيار المدني” الغباء جعلهم لا يفطنون إلى أن هذه أيضاً مجرد شلة، هي شلة كبيرة ليس إلا، ذلك أن هناك تيارات أخرى تم استبعادها، أصبح المطلب ينحصر في المطالبة بالإفراج عن معتقلي التيار المدني، على اعتبار أن الآخرين ليسوا من الشلة، شيئاً فشيئاً بدأوا يهربون من البوتقة أو من السلة، عادت كل شلة تركز على أعضائها فقط، ربما على فرد واحد أحياناً، يعتبرون الإفراج عن شخص واحد أو حتى عدة أفراد انتصاراً، لا مكان هنا للمبادئ، لا مجال للقيم، لا صوت يعلو فوق صوت الشلة.

التطور الأهم في المسيرة الشللية، هو ذلك الإلهاء الذي باتوا جزءًا رئيسيًا منه وفيه، إلهاء عن حقوق الإنسان، عن الحق في الحياة الكريمة، عن الحق في التعبير، عن الحق في مجرد الكلام، بات الحديث قاصرًا على المعتقلات والخروج من المعتقلات، الإفراج والعفو، قائمة من خمسة أو ستة اشخاص هي أقصى ما يتمنون، أقصى ما يأملون، عقب ذلك سوف تسمع التشكرات من كل حدب وصوب، نشكر سيادته وسيادتها، والذي والذين، ومن قالوا نعم ومن قالوا لا، على اعتبار أن ذلك هو قمة الإنجاز.

لم تعد هناك على سبيل المثال مطالبات بتغيير قانون الحبس الاحتياطي، وهو القانون الذي يجيز الحبس عامين متتاليين دون أي مبرر سوى أن صاحب الدكان يريد ذلك، لم تعد هناك مطالبات بمزيد من الحريات، بضرورة فتح المواقع الإخبارية المغلقة، بتفعيل دور الأحزاب، بإعلام أكثر شفافية، برلمان أكثر فاعلية، باختصار: أصبح دور الشلة يقتصر على مصالح الشلة، في الوقت الذي أصبحت فيه الشللية بديلاً واضحاً للنخبجية السياسية والثقافية على حد سواء، لذا كان من الطبيعي أن يتصدر المشهد الآن فئة المحامين، باعتبارهم الأقرب للسجين والسجان في آن واحد بحكم طبيعة العمل، وما أدراك ما المحامون، سواء تعلق الأمر بعالم القانون أو عالم السياسة، أو حتى كل العوالم!!

والأحزاب مجموعات من الشلل

ليست النخبة فقط من تم استبدالها بالشلة، الأحزاب أيضاً أصبحت مجموعات من الشلل تنقلب فيما بينها وعلى بعضها بين الحين والآخر، النقابات كذلك، الاتحادات المهنية، الأندية، حتى المجالس النيابية، هي إذن مرحلة الشلة والشللية، مرحلة التمييز الفئوي والأيديولوجي والطائفي، مرحلة المرض العضال، المرض الخبيث، ورم سرطاني انتشر في الجسم المصري في غفلة من الزمن وبفعل فاعل بهدف الاستقطاب والانقسام والتشيع والتصنيف.

هنا فقط نستطيع القول، أنه يصبح من الخطورة نزول الناس إلى الشارع للتظاهر والاحتجاج لأي سبب، في النفوس الكثير من الضغائن، في القلوب الكثير من الأحقاد، تصفية الحسابات عامل مشترك، هنا فقط يمكن أن نفهم خطورة الشللية وما سببته من جرح يصعب التئامه، نفهم خطورة العمل بمنأى عن مصلحة الوطن والمواطن بشكل عام، تقديم أولويات الشلة على أولويات المجموع، هي الكارثة الأخطر من بين كوارث المرحلة.

كان الله في عون الجميع، من يحتمون بالشلة، ومن هم بلا شلة، الخطر يهدد الجميع، ولكن أكثر الناس لا يفقهون.

المصدر : الجزيرة مباشر