تناقض الواقع الاقتصادي المصري مع المؤشرات الرسمية للبطالة

جانب من المؤتمر الاقتصادي

 

تكررت خلال العام الحالي شكوى المسؤولين المصريين من تأثير الحرب الروسية الأوكرانية السلبي على الاقتصاد المصري، من زيادة الأسعار للحبوب والنفط وتأثر خطوط الإمداد وتكاليف الشحن وزيادة التأمين على البضائع القادمة عبر البحر الأسود.

وواكب ذلك تقييد البنك المركزي للواردات، مما أدى لنقص المواد الخام ومستلزمات الإنتاج بالشركات، والتي تعتمد بشكل أساسي على السلع المستوردة كمدخلات للإنتاج، إلى جانب نقص الدولار وارتفاع سعره بالسوق السوداء، الامر مما دفع بعضها لتقليل ساعات العمل أو الاستغناء عن جانب من العمالة أو خفض أجورهم.

وهي الشكوى التي ظهرت على لسان عدد من رجال الاعمال خلال مشاركتهم بجلسات المؤتمر الاقتصادي الذي عقد خلال الشهر الماضي، وهو ما أقرت به الحكومة حين أعلنت عن إجراءات للمساندة الاجتماعية من خلال تبكير صرف علاوة شهر يوليو/ تموز ثلاثة أشهر، كما قامت مؤخرا بمنح العاملين بالحكومة وأصحاب المعاشات منحة ثلاثمائة جنيه شهريا، أسوة بما فعلته دول كثيرة مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا للمساندة المجتمعية لشعوبها، وأعلنت الحكومة المصرية كذلك أنها ستقوم بمعاونة الشركات التي تعثرت بسبب الأزمة الاوكرانية، بمنح العاملين بها إعانات لبعض الوقت وإن كانت لم تبدأ في ذلك بعد.

   5.2 % النسبة الرسمية لبطالة الذكور

وأكد تلك الأوضاع الصعبة بيانات مؤشر مديري المشتريات، الذي واصل أرقامه المشيرة إلى استمرار الركود بالأسواق للشهر الثالث والعشرين على التوالي في أكتوبر/ تشرين أول الماضي، وقام جهاز الإحصاء بدراسة لتقصي أثر الازمة الاوكرانية على الاسر المصرية خلال شهر أغسطس/ أب الماضي، أسفرت عن إعلان نسبة 9% من رؤساء الأسر أن حياتهم العملية قد تغيرت بسبب الأزمة الأوكرانية وتحولوا للبطالة، وترتفع تلك النسبة بالحضر إلى 12.5%.

وأقرت نسبة 59% من الأسر التي انخفض دخلها بسبب الأزمة، أن هذا كان نتيجة لتعطل أحد المشتغلين بالأسرة، ونسبة 23% بسبب خفض صاحب العمل للأجر، ونسبة 8% لتوقف المشروع الذي كانوا يعملون به مؤقتا.

وبعد كل تلك الوقائع أعلن الجهاز المركزي للإحصاء قبل أيام بيانات البطالة عن الربع الثالث من العام الحالي، ليعلن أن عدد المتعطلين الذين أضيفوا لصفوف العاطلين خلال الشهور التسعة الأولي من العام الحالي، قد بلغ 50 ألف شخص فقط، ليرتفع عدد العاطلين من 2.200 مليون شخص خلال الربع الأخير من العام الماضي، إلى 2.250 مليون شخص بنهاية الربع الثالث من العام الحالي.

وتوزعت الزيادة في عدد العاطلين خلال الشهور التسعة والبالغ عددهم خمسون ألف شخص، ما بين 27 ألف من الذكور و23 ألف من الإناث، وهكذا بلغت نسبة البطالة 7.4% خلال الربع الثالث من العام الحالي تنخفض بين الذكور إلى 5.2 %.

وبالمقارنة بمعدلات البطالة بدول أخرى خلال نفس شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، كانت نسبة البطالة 12.8% في إسبانيا و11.8% باليونان و10.1 % بتركيا و8.7 % بالبرازيل و7.9% بإيطاليا، حتى عدد العاطلين بمصر والبالغ 2.250 مليون شخص، كان أقل عن عدد العاطلين بإسبانيا الاقتصاد الرابع عشر على مستوي العالم بنفس الشهر، والبالغ 2.978 مليون شخص رغم أن عدد سكانها أقل من نصف عدد سكان مصر!

كما تزيد معدلات البطالة في دول أخري عديدة عن المعدل الرسمي المصري المُعلن البالغ 7.4 %، حيث بلغت نسبة البطالة في جنوب أفريقيا 33.9 %، ونيجيريا 33.3 % وأنغولا الدولة البترولية 30.2 %، والبوسنة والهرسك 30.2 %، ومن الدول العربية الأردن 22.6 % وتونس 15.3 % والعراق 14.2 %، والجزائر 12.7 % والمغرب 11.4 %.

  عمال توصيل الطلبات يعملون بلا أجر

ولقد تسببت إجراءات تقييد الاستيراد في خفض عدد من أصحاب معارض السيارات للنشاط خلال الشهور الأخيرة، وهو ما أثر سلبا على العمالة لديهم، وعندما يتجول شخص ما في شوارع مدينة دمياط المعروفة بصناعة الأثاث، سيجد الكثير من الورش مغلقة وعلى أبواب العديد منها لافتة للإيجار أو أنها معروضة للبيع، مما يجعل مسألة تصديق أن البطالة قد زاد عددها خلال العام الحالي بنحو خمسين ألف شخص فقط أمرا يصعب تصديقه.

ولعل كثرة طلبات شركات القطاع الخاص للمجلس القومي للأجور، باستثنائها من زيادة الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص إلى 2700 جنيه أحد الشواهد على ظروف العمل بها، وكذلك تشغيل محطات تموين السيارات بالوقود للشباب، بدون أجر نظير ما يتقاضونه من إكراميات من الزبائن شاهد آخر.

وهو ما يتكرر مع عمال توصيل الطلبات في العديد من الأنشطة التجارية كمحلات البقالة والخضر والفاكهة، الذين يعلمون نظير ما يتقاضونه من بقشيس من الزبائن، ولو وجد هؤلاء عملا مناسبا ما تحملوا تلك الظروف الصعبة، بالتجول طوال اليوم بالدراجات النارية بدون فرق بين أوقات الحر أو أوقات المطر.

ولأن جهاز الإحصاء لا يعلن بيانات البطالة بالمحافظات سوى بشكل سنوي، فإن بيانات عام 2021 تشير إلى أن نسبة البطالة الرسمية بمحافظة قنا بجنوب البلاد كانت 1.6% وبمحافظة الدقهلية المشهورة بالهجرة غير الشرعية لشبابها 2.5%، وبمحافظة كفر الشيخ التي ظلت لسنوات طويلة معبرا للهجرة غير الشرعية، عبر البحر المتوسط قبل تشديد الحراسة على الحدود 2.7%.

وبمحافظات سوهاج وأسيوط والمنيا وكلها بجنوب البلاد تدور حول 3%، وبمحافظتي بني سويف والفيوم بجنوب البلاد أقل من 4%، والمعروف أن محافظات الجنوب طاردة للعمالة بسبب قلة فرص العمل بها، مما يدعو للدهشة من تلك النسب المنخفضة لمعدلات البطالة بها.

لكن التدقيق بالأمر يكشف أن جهاز الإحصاء يعتبر من يعمل ساعة واحدة بالأسبوع مشتغلا وليس عاطلا، وبالتالي فهو يحسب العمالة الموسمية والعمالة المؤقتة ضمن المشتغلين، ولهذا تتدنى نسب البطالة الرسمية بالمحافظات..

حتى أنها تصل بين الذكور حسب البيانات الرسمية 1.3% بمحافظة قنا و1.7% ببني سويف، و1.9% بالدقهلية و2.3% بكلٍ من كفر الشيخ وسوهاج، و2.4 % بالمنيا و2.5 % بأسيوط و2.6 % بالفيوم، و3.2 % بالبحيرة و3.6 % بأسوان و3.8 % بمحافظة المنوفية محدودة المساحة الزراعية والطاردة للعمالة.

المصدر : الجزيرة مباشر