أمريكا وانتخاباتها.. من هنا تترسخ السيادة في العالم!

ترامب

الثابت أن أمريكا أهم ديمقراطية في العالم، وانتخاباتها تحظى باهتمام يفوق بمراحل الاهتمام بأي انتخابات في العالم الحر، أما العالم المستبد فلا مجال للمقارنة بينه وبين أمريكا، ومن العيب التفكير في المقارنة أساسا.

والجديد أن انتخابات الكونغرس التي تتسم دوما بالمنافسة القوية بين الحزبين الكبيرين؛ الديمقراطي والجمهوري، صارت تشغل دول العالم مثل الانتخابات الرئاسية، رغم أن الصراع فيها والقضايا المطروحة على أجندة المترشحين تتسم بالطابع المحلي وليس الخارجي.

الديمقراطية الليبرالية والانتخابات المفتوحة والتداول السلمي للسلطة واحترام الدستور ودولة القانون والرقابة والمحاسبة أبرز أسباب قوة هذا البلد وتتويجه قائدا للعالم الحر واستمراره قوة عظمى كونية وحيدة حتى الآن.

الصين وروسيا.. لا قطبية بدون ديمقراطية

وليس من الوارد أن تكون الصين قطبا مكافئا لأمريكا في أجل قريب، أما روسيا فهي لا تزيد على كونها دولة إقليمية، وغرقها في أوكرانيا وفشلها في الحرب ضد بلد صغير منذ نحو 8 أشهر يؤكد أن سعيها لاستعادة مكانة الاتحاد السوفيتي الزائل مجرد حلم ليلة صيف من بوتين الذي يحتكر السلطة بمفرده طوال 22 عاما، بينما تعاقب عليه 4 رؤساء أمريكيين؛ بوش الابن وأوباما وترمب وبايدن حاليا، اثنان منهم انتُخبوا لفترتين (بوش وأوباما).

شرط أن تصير الصين قوة عظمى وصاحبة نفوذ عالمي ضخم مثل أمريكا أن تكون ديمقراطية، لا أن تُحكَم بالرئيس الفرد مطلق الصلاحيات شي جين بينغ الذي يتم تحويله إلى حاكم نصف إله عبر الحزب الشيوعي الذي يجتمع كل خمس سنوات ليصدر قرارات مصيرية ترتبط بنظام الحكم والمناصب العليا وسياسة الدولة وقراراتها الاستراتيجية وحاضرها ومستقبلها، بينما الشعب غائب ولا اعتبار لما يريده وما لا يرغب فيه، وكأن أكثر من مليار و400 مليون إنسان هم سقط متاع في هذا البلد الضخم سكانا ومساحة.

درس أمريكا والغرب وكل بلد حر في أي بقعة من الأرض أن ديمقراطية الحكم وحدها هى الباب الوحيد الذي يقود إلى التنمية والتطور والتقدم والرفاهية والحياة الكريمة للشعوب، ما دون ذلك هراء، فلا استبداد وشموليات وسلطويات وديكتاتوريات نجحت في بناء مشروع تنمية إنساني حقيقي يكرس الحريات الفردية والعامة ويحترم الحقوق الأساسية ويوفر العيش الرغيد، لا حرية وخبز معا إلا في الديمقراطيات الجادة.

السياسة الحرة قبل الاقتصاد القوي

ودَعكم من قصة الصعود الاقتصادي للصين، فهو جناح واحد لطائر لا يستطيع التحليق بحرية وأمان وثقة في الفضاء مثل الطائر الأمريكي الذي ينطلق بجناحَي السياسة الحرة الرشيدة والاقتصاد الحر القوي.

قوة الصين الحقيقية ليست في الصناعة والإنتاج والتصدير والاقتصاد فقط، إنما في السياسة الحرة، وإذا صار هذا البلد ديمقراطيا بما لديه من مورد بشري عظيم وما فيه من طاقات ومواهب وكفاءات لا يُظهرها ويرعاها وينميها ويدفعها إلى الأمام إلا المجال العام المنفتح الليبرالي، فإن هذا البلد لم يكن يدانيه في القوة والنفوذ والتأثير بلد آخر على مدى قرون عديدة.

الجنوب غير الحر الخاضع للحكم المطلق المظلم يظل على هامش الحياة والسياسة، ويبقى بعيدا عن القوى المحركة للعالم وصاحبة الكلمة العليا فيه، أي بلد بدون الديمقراطية والانتخابات الحرة والرقابة والمساءلة والشفافية وتداول السلطة بالطرق الانتخابية السلمية لا شيء، وسيظل تابعا وفي خدمة العواصم الكبرى تتقاذفه كما تشاء، ومعادلة الحرية والرغيف معا يستحيل تحقيقها، أما الرغيف بديلا عن الحرية فإنه سيكون مغموسا بالمعاناة والاستدانة والإذلال.

حرب أمريكية انتخابية شرسة

في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بمجلسَيه؛ النواب والشيوخ، نجد صراعا سياسيا فريدا مدهشا بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري اللذين يتبادلان السيطرة على البيت الأبيض والكابيتول (الكونغرس)، والانتخابات الحالية أشبه بحرب حقيقية لكن من دون جيوش وسلاح، حرب سياسية شرسة، تكسير عظام عنيف غير مسبوق لأجل عدم التفريط في أي مقعد من مقاعد مجلس النواب الـ435 التي يجري التنافس عليها كلها، ومقاعد الشيوخ الـ35، وهى نحو ثلث عدد أعضاء المجلس (100) التي تجري انتخابات عليها، و36 حاكما من الولايات الخمسين التي تشهد استحقاق الانتخابات.

كل صوت له قيمة في حسم فوز هذا المرشح أو ذاك، إذ إن تحقيق الأغلبية والسيطرة على مجلس النواب أو الشيوخ، أو كليهما، للحزب الديمقراطي الحاكم، أو الجمهوري المعارض، له تأثير كبير في مواصلة الرئيس جو بايدن للحكم بأريحية، أو تعجيزه وتحويله إلى بطة عرجاء من الجمهوريين خلال عاميه الأخيرين في رئاسته الأولى.

أفول سريع لـ”الترمبية”

ولهذا اقتحم الرئيس السابق دونالد ترمب ساحة الانتخابات، وروّج أن هناك موجة حمراء ستكتسح، والأحمر هو اللون المميز للحزب الجمهوري، ترمب أراد محاصرة غريمه الرئيس بايدن الذي هزمه في انتخابات 2020، ولم يعترف ترمب بخسارته، ولا يزال يروّج أنها مزورة، وقد أعلن ترشحه في انتخابات 2024، واندفع لدعم أنصاره في الحزب الجمهوري المرشحين للنواب والشيوخ وحكام الولايات ليكونوا سندا له في الانتخابات القادمة، وإيقاف التحقيق معه في الكونغرس بشأن الهجوم على الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021 أثناء التصديق على نتائج انتخابات الرئاسة لقلبها لصالحه أو إفشال الجلسة وإدخال أمريكا في فوضى وتشبثه بالبقاء في البيت الأبيض، وخطته كانت ستجعل أمريكا أضحوكة في العالم المستبد، وتُهين الديمقراطية والدستور، وهما درّة التاج الأمريكي.

تقلَّص المد الأحمر، واحتفظ الديمقراطيون بالشيوخ، وفوز الجمهوريين بالنواب -إذا حدث- سيكون ضيقا جدّا، وبهذا يكون الشعب قد دافع عن ديمقراطيته وحريته عبر الصندوق السحري الشفاف، الذي تكمن فيه حلول أزمات كل البلدان المستقرة والضائعة على السواء.

ديمقراطية أمريكا تفوز للمرة الثانية في انتخابات التجديد النصفي بعد أن فازت في انتخابات الرئاسة الماضية، و(الترمبية) السيئة تواجه الأفول، والتطرف والعنصرية يواجهان الرفض.

كن حرّا، تكن عظيما وسيّدا ومحترما في العالم كله.

المصدر : الجزيرة مباشر