ماذا لو تحرّينا الصدق باسم تركيا.. باسم الإنسانية.. باسم علم الاجتماع؟!

قال صحفي ينتمي إلى منظمة غولن للبريطانيين “إنه في اللحظة التي تغرد فيها على تويتر تنتقد أردوغان، ستجد نفسك في السجن مباشرة”.. سألت هذا الشخص الذي أعرفه “عفوا، ولكن ماذا تفعل أنت هنا الآن؟”

على مدار سنوات عديدة لم تتوقف الأبواق عن الصراخ باسم التنوير وباسم التقدمية وباسم الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وحتى ذلك لم يكن كافيا. ورغم كل هذا فإن الطامة الكبرى للبشرية كلها هي أنها بعد كل تلك الصولات والجولات وما وصلت إليه فإنها على مستوى التفكير لم تتقدم قيد أنملة عما كان عليه مستوى تفكير الإنسان البدائي. وخير دليل على ذلك ما نراه من ردود أفعال الناس في الآونة الأخيرة -على شتى انتماءاتهم- على الأحداث المختلفة. فذلك النمط من التفكير ورود الفعل لا شك يطبع في الأذهان هذا المعنى. فمُدّعو الثقافة الذين يرددون على مسامع بعضهم في المحافل العامة شعارات دون أثر لها في الواقع، وما ذاك إلا من آفات السياسة والسياسيين الذين لا يتورعون عن إلقاء التهم جزافا، وكأنهم لو سكتوا يخشون أن ينسوا الكلام فلا يتوقفون عن الثرثرة.

وعند وضع المجتمع تحت عدسة التحليل السياسي الاجتماعي، نكتشف مشهدا يبعث على الأسى والأسف حين يعبث المتصدرون لهذه المشاهد بأمل البلاد ومستقبلها من أجل مطامع شخصية، فيستخدمون فيه قوالب آلية جوفاء دون روح أو معنى حقيقي، ليس لشيء إلا لأخذ اللقطات وتهييج الجماهير عبر شعارات رنانة وتعبيرات وجه زائفة. ورغم كل ذلك السراب لكننا نقول الحمد لله رب العالمين ورجاؤنا فيه سبحانه لا ينقطع أبدا، فهو الذي يكشف لنا زيف هذه المشاهد لتكون آية لأولي الألباب لنميز بين الحقيقة والسراب حين تنقطع السبل وتكاد القلوب تبلغ الحناجر ويوشك اليأس أن يتملكنا.

اتهام القوات المسلحة

ما الذي يخوِّل لـ”شبنام كورور فِنجانجي” الطبيبة التي تفيض كراهية أن تتكلم باسم الجمعية الطبية التركية ولأنها رئيسة اتحاد الأطباء الأتراك؟ ما الصلاحيات التي تؤهلها وتجعلها تدعي استخدام القوات المسلحة التركية للأسلحة الكيماوية دون أن تذكر أي دليل بل دون أن تبالي بما يمكن أن يحدث جراء مثل تلك التصريحات غير المسؤولة والعارية تماما عن الصحة؟ والعجب أنها تصدر في ذلك كله عن كراهية لا تستطيع إبقاءها داخلها. وقد تلقَّف تصريحات فنجانجي أحدُ الفنانين بعاطفية، وصرّح بأنها تتعرض للمحاكمة ظلما وافتراء وما ذنبها -حسب زعمه- إلا أنها تريد السلام فقط، ويصرح لوسائل الإعلام أنها اعتُقلت لأنها قالت السلام.

إن هذه الكلمات لا علاقة لها بكونك طبيبا أو محبا للسلام أو فنانا، ولذلك فإن الغرض غير السوي والهدف الحقيقي وراءها لا يخفى على ذي عينين. ولكن هل هناك من سيصدق هذه التلفيقات والأوهام؟ مع الأسف سيحدث ذلك، لأنه في الوقت الذي يكون فيه عدد الراغبين في التصديق أكبر من المصدقين أنفسهم، فإن ما نطلق عليه اليوم بيع الوهم والهذيان ما هو إلا خطوة خبيثة في طريق نشر الأكاذيب وسرقة العقول عمدا. ونتيجة لتلك التحركات ظهر مرتزقة مسلحون يتصرفون فقط بدوافع أيديولوجية ضد تركيا التي تخوض أكثر المعارك عدلا ونجاحا ضد الإرهاب. وفي هذه المعارك هناك بالفعل سبع دول وراء هؤلاء المسلحين، ولا علاقة لدولة منها بالحقيقة أو الاستقامة أو الحق أو العدالة. إنهم جميعا مشتركون في حرب، ولذلك فإنهم مستعدون للدفع من أجل كل أنواع الافتراءات بخصوص تركيا، والإغداق في الإنفاق على كل أنواع الشائعات التي تساعد في ضياع حق تركيا وتُفقدها قيمتها وتأثيراتها ومبرراتها في هذه الحرب.

ألا يعلم هؤلاء المخادعون أنه لم يتم إلقاء القبض على أحد في تركيا لمجرد قوله السلام، ولم يتعرض أحد لأدنى محاكمة على أثر التعبير عن رأيه، وأن تركيا ليست هذا البلد الذي قد يفعل ذلك؟ إنهم يعرفون بكل تأكيد، لكن الأمر لا يتعلق بالمعرفة. من المهم تأثير هذه المعرفة في حربهم القذرة ضد تركيا، أليس كذلك؟

ماذا تفعل أنت هنا الآن؟

في مأدبة عشاء دُعي إليها ممثلو الاتحاد الأوربي بعد فترة وجيزة من أحداث 17-25 ديسمبر/كانون الأول 2013، بوصفهم برلمانيين في تلك الفترة، دُعينا أيضا مع مجموعة من البرلمانيين في ذلك الوقت. وبلا خجل قال صحفي ينتمي إلى منظمة غولن الإرهابية للبريطانيين “إنه في اللحظة التي تغرد فيها على تويتر تنتقد أردوغان في هذا البلد، ستجد نفسك في السجن مباشرة”. سألت هذا الشخص، الذي أعرفه والذي كنت أعرف أنه لم يترك شيئا من النقد إلا وقاله لأردوغان في الصباح والمساء “عفوا، ولكن ماذا تفعل أنت هنا الآن؟” “كيف ذلك؟”، واختتمت كلامي “على حد علمي، لا أعرف أي شخص ينتقد أردوغان أكثر مما تفعله أنت، ورغم هذا لست في السجن، أنت هنا، كيف يمكن أن يكون ذلك؟” ومع ذلك، بقدر ما أستطيع أن أرى في ذلك الموقف، كان السياسيون الأوربيون المجتمعون هناك متحمسين بما فيه الكفاية لدفع ثمن باهظ في سبيل كذبة قصة “أردوغان الديكتاتوري”.

هكذا تسير الأمور، ففي بعض الأحيان يكون من المتوقع أن يصل الحال بهؤلاء حتى خلع ستراتهم وإعطائها مقابل كذبة رغم أن ذلك يكشف سوءاتهم، ولما تنقشع الغشاوة وتحين لهم فرصة لرؤية الحقيقة وستر عوراتهم، فإنهم يتغافلون عن الحقيقة ليظلوا منتشين ومتلذذين بالكذبة رغم موقفهم الشائن أمام متابعيهم.

ليس من المدهش أن يقع السياسيون غير المؤهلين بل ويغرقون بما يكفي في مثل هذه السطحية والأكاذيب والشعارات، فقد أنكروا الشمس في وضح النهار ومشوا خلف السراب. لكن من العار أن نجد أحد من وصلوا إلى درجة الأستاذية في علم الاجتماع يعتمد في مناقشاته وحواراته السياسية، على الشعارات والعبارات المبتذلة والقوالب الجاهزة. فإذا رأيت الأستاذ الدكتور “أمرا كونغار” أثناء حديثه عن كيفية استقطاب السلطة للناس وتأثيرها عليهم، تعتقد أنه سيقدم تحليلا علميا مفيدا من خلال ما لديه من مكتسبات اجتماعية أكاديمية، وأنه سيضع بين يديك طريقا للتغلب على هذا إذا كانت السلطة مستقطِبة حقّا، لكن ذلك لم يكن!

فهو لا يزيد على استخدام عبارات وقوالب مبتذلة مسبقة الصنع، صارت -رغم غموضها وخفاء مصدرها- ذات شهرة طاغية على مواقع التواصل الاجتماعي، عبارات لصيقة بمشاغبي السياسيين ومكذوبة على السلطة. ومن أمثلة تلك العبارات نسبها كذبا لي أنا ياسين أقطاي، فقال على لساني ما لم أقله “أوجلان يقرأ مستقبل العالم جيدا”، ورغم أني لم أقل ذلك فليس المهم هنا حقّا قلته ذلك أم لا، بل أين قلته وكيف وفي أي سياق ورد ذلك على لساني؟! إن هذا الأكاديمي بهذه الأكاذيب يهتم بتغذية آرائه وما آمن به من فكر قاصدا الهروب من الحقيقة إلى السراب حيث يستريح باله وتهدأ عاطفته بعد أخذ جرعة من أقراص أرض النفاق والأخلاق المستعارة. لقد قلت ذلك يقينا. هناك حيث يتحدث الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك يقف المتلقفون راغبو الظهور ومثيرو المشاكل أنصاف المثقفين الذين لا يعقلون ليصبغوا ما يريدون كما يريدون. ولكن أليس من الأحرى بالسيد الأكاديمي كونغار أن يكون مختلفا بعض الشيء عن هؤلاء.

في المسألة الكردية

وكي لا أتركك أيها القارئ الكريم في مهب الريح تميل بك حيث مالت، فسأعيد عليك ما ذكرته مرارا من قبل، فأصل تلك الكلمات التي اجتزأها كونغار ومن على شاكلته، هي أنه أثناء عملية الحل والتسوية للمسألة الكردية عام 2013 كان المتوقع من حزب العمال الكردستاني أن يترك السلاح ويغادر البلاد، ومن أجل الوصول إلى ذلك فعل أوجلان شيئا استثنائيا للغاية، حيث وجّه دعوة غير متوقعة إلى حزب العمال الكردستاني وناشده أن يلقي السلاح وألا يكون أداة بأيدي أعداء تركيا ويتوقف عن خدمة هؤلاء الذين لا يريدون الخير لتركيا. وتفاعلا مع دعوته هذه ورؤيته في ذلك الحين، أكدت صوابها وقراءته للواقع وقلت إنها كانت قراءة جيدة من زاوية العودة إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولذلك لم نعمم الحديث عنه بل أشدنا بما رأيناه صوابا حين قال أوجلان إن الأسلحة لم تعد هي الحل، وإن الأكراد يجب أن يركزوا على النضال السياسي. ورفضنا ما يقع فيه من خطأ في نظرته إلى العالم ودعمه للإرهاب ودعوى كفاحه. لكن بالطبع الحديث مع الجاهل ومحاولة مناظرته أمر لا يُنال كما قال الشافعي “ناظرت مئة عالم فغلبته وناظرني جاهل فغلبني”. فما بالك لو كان ذلك الجاهل يزيد على جهله تعصبه الأعمى، وتلقفه لكل واردة وشاردة. ففي هذا السياق لا يمكن قول أي شيء للمشاغبين المتصيدين الذين يحترفون قطع الكلام من سياقه ثم صبغه بما يناسب تطلعاتهم، فيتركون فقرة كاملة ويخرجون منها بجملة لا تتجاوز 6 كلمات فقط وينشرونها، وما حالهم إلا كمن جاؤوا على قميص يوسف بدم كذب ثم قالوا “وإنا لصادقون”، وحالهم هذه ميؤوس منها. لكن بالعودة إلى الأستاذ الأكاديمي عالم الاجتماع الذي اطلع على كثير من المعلومات والمؤلفات والمصادر العلمية والمهنية المنهجية ونهل منها ليصل إلى هذه الدرجة العلمية العالية ثم لا يلبث أن يهوي في القاع مع أولئك المشاغبين المتصيدين لما لا معنى له خارج سياقه. فإني أشعر بالأسى لاحترافهم الكذب، وأقول للجميع: لنكن صادقين ولو قليلا باسم تركيا وباسم الإنسانية وباسم علم الاجتماع؛ حتى لا نكون كمثل من يحمل أسفارا ولا يعي ما بها، أو كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول!

المصدر : الجزيرة مباشر