فرنسا بين التراجع الخارجي والتفكك الداخلي

إيمانويل ماكرون

تقول الأرقام والإحصاءات أن فرنسا، تلك الدولة التي تقع في الغرب الأوربي، تبلغ مساحتها نحو 675 كيلومتر مربع، تحتل بها المركز 46 عالميا، والثالث أوربيا من حيث المساحة، بجانب نحو 600 ألف كيلومتر مربع خارج حدودها الجغرافية تتمثل في مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار، والإدارات الفرنسية في الخارج، وعدد سكانها نحو 68 مليونا، وهي سادس أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري في العالم، وثالث أكبر دولة من حيث مخزون السلاح النووي في العالم، وثاني أكبر دولة من حيث حجم البعثات الدبلوماسية في العالم، وثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوربي بعد ألمانيا، والخامسة عالميا، بجانب كونها واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية التي تتمتع بحق النقض (فيتو) في مجلس الأمن.

التاريخ الاستعماري من بناء الإمبراطورية إلى الإذلال والانكسار

فرنسا صاحبة واحدة من أهم الإمبراطوريات الاستعمارية في التاريخ الحديث، حيث فرضت سيطرتها على مساحات شاسعة من آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وخلال هذه الرحلة الممتدة كانت ثورتها التي اندلعت عام 1789 علامة فارقة في التاريخ الإنساني، على مستوى الشعارات والقيم التي رفعتها.

لكن حكام فرنسا كانوا أول من انتهكوها، وسعوا لبناء إمبراطورية استعمارية على حساب حقوق وكرامة وثروات كل الشعوب التي احتلوا أراضيها، بداية من الحروب النابليونية (1798ـ 1815) وصولا إلى المجازر الفرنسية على الأراضي الجزائرية (1954ـ 1962)، وأخيرا وليس آخرا دعم الانقلابات العسكرية وحروب العصابات وجماعات المرتزقة في دول الغرب الأفريقي رغم حصولها على استقلالها عن فرنسا.

وخلال هذه الرحلة أيضا تعرضت فرنسا للإذلال العسكري مرات عدة، كان أبرزها في الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918) التي سقط فيها نحو مليون ونصف مليون قتيل فرنسي، وأصيب نحو خمسة ملايين آخرين، وكذلك في الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945) عندما احتلت القوات الألمانية كامل الأراضي الفرنسية، وتم تعيين حكومة فيشي لحكم فرنسا تحت إشراف ألمانيا، قبل أن يقوم شارل ديجول بتكوين حكومة منفى في لندن ثم الجزائر ويعود لتحرير بلاده بدعم مباشر من الولايات المتحدة، التى لولا تدخلها بجانب بريطانيا وفرنسا لتغيّر مسار الحرب بدرجة كبيرة لصالح هتلر.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت موجة التراجع الكبرى للإمبراطورية الفرنسية، مع حصول العديد من المستعمرات الفرنسية وخاصة في القارة الأفريقية على استقلالها بين عامي 1946 و1958، خلال ما عُرف باسم “الجمهورية الرابعة”، ومع بداية العام 1958 عاد شارل ديجول إلى الحكم في فرنسا مؤسسا الجمهورية الخامسة، وظل على رأس السلطة حتى عام 1969 حتى تنحى عن الحكم وانتُخب جورج بومبيدو، وشهدت فترة حكم ديجول حصول الجزائر على استقلالها عام 1962، وكانت أهم المستعمرات الفرنسية في القارة الأفريقية، نظرا لما تتمتع به ممن موقع استراتيجي، ومساحة جغرافية ضخمة، وثروات طبيعية متعددة، كما كانت بمثابة العمق الاستراتيجي للوجود الفرنسي في شمال وغرب أفريقيا.

وبين عامَي 1969 و2022، تأرجحت فرنسا بين الحكم الليبرالي والحكم الاشتراكي، حيث حكم بومبيدو حتى عام 1981، الذي تولى فيه فرانسو ميتران (اشتراكي) الحكم، لمدة 14 عاما ليأتي بعده جاك شيراك (ليبراالي) 1995ـ 2007، وبعد شيراك تولي اليميني المحافظ نيكولا ساركوزي حتى عام 2012، حيث سقط أمام الاشتراكي فرنسوا هولاند في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في مايو/أيار 2012، كما فاز حزبه الاشتراكي في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في يونيو/حزيران 2012، وصولا إلى تولي إيمانويل ماكرون (ليبرالي) الحكم من 2017 حتى الآن.

التراجع الخارجي بعد استنزاف قدرات الشعوب

خلال السنوات العشر الأخيرة، تراجع الحضور الفرنسي ليس فقط سياسيا بل واقتصاديا وثقافيا وحضاريا في عدد من دول شمال وغرب أفريقيا، بعد التدخلات العسكرية الفاشلة للقوات الفرنسية وجماعات المرتزقة وشركات الأمن الخاصة التي تتحرك بها في هذه الدول، والتي كان من نتيجتها تعدد الانقلابات العسكرية في تشاد ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، وجميعها كانت مستعمرات فرنسية سابقة، وهنا برزت مجموعة مؤشرات على تراجع الدور الفرنسي في العديد من الفضاءات الإقليمية.

ففي 10 يونيو 2021، أعلن ماكرون أن العمليات العسكرية الفرنسية ضد “المسلحين الإسلاميين” بغرب أفريقيا ستنتهي، وأن القوات الفرنسية ستعمل في إطار جهود دولية أوسع، بعد مشاورات مع أمريكا والدول الأوربية المشاركة في المنطقة ودول الساحل الغربي الأفريقي، وجاء ذلك بعد أن كان ماكرون قد تراجع عن قرار بخصوص خفض القوات، بعد قمة افتراضية في فبراير/شباط 2021.

وكانت عملية “برخان” ضمن ما يسمى الجهود الدولية في إطار مكافحة الإرهاب، في منطقة الساحل الأفريقي، وبدأت في أغسطس/آب 2014، بالتعاون مع بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، وبلغ عدد الجنود الفرنسيين المشاركين فيها عام 2020 نحو 5100 جندي، لكن مع عدم القدرة على الحسم والفشل في إدارة الملفات، وظهور تنافس إقليمي ودولي على المنطقة وخاصة من جانب روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل، فشلت فرنسا في تحقيق أهدافها من هذه العملية.

إلا أن الفشل السياسي ارتبط بفشل استراتيجي كبير، إذ أسهمت السياسات الفرنسية في تمدد روسيا الاتحادية سواء بقواتها العسكرية المباشرة أو بقوات شركة فاغنر في دول المنطقة، وكان المبرر الفرنسي في ذلك هو مواجهة الوجود التركي واحتواؤه، إلا أن الخطر الروسي أصبح يهدد ليس فقط المصالح الفرنسية ولكن المصالح الغربية في المنطقة، حيث تنشط الشركات الروسية في قطاع التعدين والتنقيب عن الماس والذهب والثروات الطبيعية، والأنشطة الاستخبارية، ودعم الانقلابات العسكرية.

وهذا الفشل الفرنسي وتعزيز الحضور الروسي أدى إلى التوتر السياسي بين فرنسا والولايات المتحدة، بما انعكس سلبا على طبيعة ومستويات العلاقات بين البلدين العضوين الرئيسين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وبجانب التراجع الخارجي في شمال وغرب أفريقيا، وفي الشرق الأوسط، وكذلك في جنوب شرق آسيا، بعد إلغاء صفقة الغواصات الفرنسية مع أستراليا، التي كان بموجبها ستحصل أستراليا على غواصات فرنسية من شركة نافال بما قيمته 35 مليار يورو، قبل إلغائها في سبتمبر/أيلول 2021، وتسوية الأزمة في يونيو 2022، ظهر تهديد داخلي كبير يرسّخ للتراجع الخارجي.

صعود اليمين المتطرف ومخاطر التفكيك من الداخل

ويتمثل هذا التهديد في الصعود الكبير لتيارات اليمين المتطرف، التي تتبنى خطابات شعبوية شديدة الخطورة في ما يتعلق بالأقليات والمهاجرين واللاجئين والمسلمين، وهذه الجماعات تشكل كتلا صلبة في بنية المجتمع الفرنسي.

فقد حقق حزب التجمع الوطني اختراقا تاريخيا في الانتخابات التشريعية الفرنسية (19 يونيو 2022) بحصوله على 89 مقعدا داخل الجمعية الوطنية، وأصبح ثالث قوة برلمانية بعد ائتلاف اليسار وكتلة الرئيس إيمانويل ماكرون، إذ حلّ ائتلاف “معا” الذي يقوده ماكرون أولا (245 مقعدا)، يليه ائتلاف “الاتحاد الشعبي الاجتماعي والإيكولوجي الجديد” (131 مقعدا)، ورابعا الجمهوريون بـ61 مقعدا.

يزيد من حجم الخطر أن عدد مقاعد التجمع المتطرف كانت 8 فقط في انتخابات 2017، وهو ما يعني زيادة العدد 11 ضعفا في انتخابات 2022، ويتبنى خطابا عدوانيا شرسا ضد الإسلام والمسلمين في فرنسا الذين تتراوح نسبتهم بين 10 و15% من إجمالي تعداد سكان البلاد.

يدعم هذا التوجه العديد من التشريعات والقوانين والممارسات والإجراءات بل والحرب الإعلامية المفتوحة ضد الرموز الإسلامية، إلى الدرجة التي دفعت العديد من الهيئات والمؤسسات في الدول الإسلامية إلى إطلاق حملة لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وهو ما فاقم من انهيار الصورة الذهنية الفرنسية في هذه الدول.

خلل في السياسات أم القيادات؟

إن تصاعد مؤشرات التراجع الخارجي في الدور الإقليمي والدولي لفرنسا، وكذلك مؤشرات التفكك الداخلي، ترتبط بخلل في السياسات وضعف في القيادات التي حكمت فرنسا خلال العقدين الأخيرين، وهو ما سمح بتمدد تيارات اليمين المتطرف من ناحية، وتمدد العديد من القوى الدولية والإقليمية على حساب فرنسا في مناطق كانت تُعَد تاريخيا عمقا استراتيجيا لفرنسا من ناحية أخرى.

يضاف إلى ذلك غياب البوصلة الاستراتيجية في التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط، وخاصة ما يرتبط بقضايا الحقوق والحريات واتجاه فرنسا لدعم النظم الاستبدادية والانقلابات العسكرية في عدد من هذه الدول، وهشاشة موقفها تجاه الأزمة في سوريا ولبنان، وارتباط حركتها الإقليمية في عدد من الملفات بالسياسة الإماراتية، تنسيقا وتمويلا وتسليحا، مما انعكس سلبا على فاعلية السياسة الفرنسية في هذه الملفات، وبرز هذا بقوة في ملفي مالي وليبيا.

حتى جاءت الأزمة الأوكرانية، وما فرضته من تداعيات -خاصة في قطاع النفط والغاز- على كل الدول الأوربية، لتفاقم من التحديات التي تواجهها فرنسا، ولا سيّما مع اتساع نطاق المظاهرات المنددة بالأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، وبدلا من أن تقوم الحكومة الفرنسية بالتعاطي إيجابيا مع الأزمات الداخلية، نجدها تقوم بإدارة معارك وهمية في مواجهة عدد من الدول العربية والإسلامية مثل قطر وتركيا.

المصدر : الجزيرة مباشر