لماذا يحقد ماكرون على تركيا؟!

ماكرون وأردوغان

يبدو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكأنه يتصيد الفرص في التجمعات الدولية لتوجيه سهام حقده وكراهيته لتركيا، التي أصبحت رمزا لصورة العالم الإسلامي المتقدم، فالرجل يسعى بكل قوته لمهاجمتها بمناسبة وبدون مناسبة، ومؤخرا فاجأ ماكرون الحاضرين في مؤتمر المناخ المنعقد بمدينة شرم الشيخ المصرية بتوجيه انتقادات لاذعة لكل من تركيا والصين وروسيا متسائلا: “هل يُبلي الصينيون والروس والأتراك وآخرون أفضل منا؟ إنهم يفعلون أمورا أسوأ مما قمنا به عشرات المرات”.

ورغم أن المؤتمر يبحث مشاكل البيئة الناجمة عن الممارسات الخاطئة للدول الغربية، والأسلوب الأمثل لحلها قبل أن تنهار الحياة على كوكب الأرض، وهو أمر لا علاقة للدول الثلاث به، فإن ماكرون شن هجوما حادا على تلك الدول، مختتما كلامه بوصفها بأنها إمبريالية.

وبغض النظر عن الرد التركي، الذي جاء حاسما وحازما، حيث طالب المسؤولون الأتراك الرئيس الفرنسي بالاعتذار عما بدر منه، فإن ما قاله ماكرون كشف عن حجم الغضب والكراهية اللذين يحملهما ضد الأتراك، نتيجة دأبهم على كشف الوجه الحقيقي لفرنسا الاستعمارية، وإصرارهم على فضح ماضيها المشين، حيث سعى في تصريحه إلى تصدير هذه الاتهامات -التي تثير غضبه وحنقه- إليهم حينما حاول المقاربة بين ماضي فرنسا الاستعماري، وما أذاقته للدول التي خضعت لها وما تقوم به تركيا فيما يعرف بمناطق النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط.

الخلاف التركي الفرنسي ليس وليد اليوم، وليس بسبب التصريحات اللاذعة التي تصدر من هذا الجانب أو ذاك بين الحين والآخر، فالمسألة أعمق من هذا بكثير، وتدخُل فيها ملفات كثيرة، تؤجج الصراع بين الدولتين الأمر الذي يؤكد أن المصالحة بينهما أمر ليس واردا على الإطلاق لا في المنظور القريب ولا في المنظور البعيد.

رفض فرنسا المطلق لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي

تتصدر هذه الملفات مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، حيث تقود فرنسا الجبهة الرافضة لعضوية تركيا عضوية كاملة في المنظومة الأوربية، لكونها دولة مسلمة لديها 84 مليون نسمة أغلبهم يدين بالدين الإسلامي، بل ينضوون تحت مظلة عدد من الجماعات الإسلامية والصوفية، والاتحاد الأوربي هو في الأصل نادٍ مسيحي.

وترى فرنسا والدول الداعمة لموقفها أن الأنسب هو إيجاد صيغة للتعاون المشترك، يمكن من خلالها استمرار ضمان التعاون بين الجانبين من دون أن يكون لتركيا الحق في الحصول على عضوية كاملة داخل الاتحاد الأوربي، وهو ما ترفضه أنقرة تماما، التي رفعت شعار: إما عضوية كاملة أو لا شيء.

قضية شرق المتوسط ودعم فرنسا لموقف اليونان وجنوب قبرص

يزداد التوتر بين البلدين ويتصاعد بسبب قضية استغلال الموارد الطبيعية من غاز ونفط في منطقة شرق المتوسط، وهي الموارد المتنازع عليها بين كل من تركيا وشمال قبرص (قبرص التركية) من جهة وبين اليونان وجنوب قبرص (قبرص اليونانية) من جهة أخرى، حيث سعى كل طرف منهما إلى جذب أطراف أخرى لجبهته دفاعا عن موقفه ورؤيته، فمن جهة قامت اليونان بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع كل من مصر وإسرائيل لترسيم الحدود بينها وبين هاتين الدولتين، وتنازلت مصر بموجب تلك الاتفاقيات على 12 كيلومترا مربعا من مياهها الإقليمية لصالح قبرص اليونانية بما فيها من ثروات وكنوز هيدروكربونية، كما قامت تركيا بتوقيع معاهدتين هامتين، إحداهما لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، والثانية للقيام بعمليات التنقيب عن البترول والغاز في المناطق البرية والحدودية البحرية المشتركة.

الخطوة التركية أزعجت فرنسا، التي تدعم بقوة موقف اليونان وجنوب قبرص، مستنكرة خرق تركيا لمبدأ المنطقة الاقتصادية الخالصة المنصوص عليها في الاتفاقية الخاصة بالقانون الدولي للبحار، وهو أمر لم توله تركيا أدنى اهتمام باعتبارها غير ملزمة بهذا القانون، لكونها لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بهذا الشأن.

موقف فرنسا مما يسمى “مذابح الأرمن”

ونكاية في تركيا، قام ماكرون بالاعتراف بما يسمى “مذابح الأرمن” التي تزعم فرنسا أن الجيش العثماني قام بها ضد الأرمن في الحرب العالمية الأولى، بل قررت إعلان يوم الرابع والعشرين من أبريل/ نيسان يوما وطنيا في فرنسا إحياءً لهذه الذكرى، وهو أمر أغضب تركيا التي رفضت بصورة قاطعة وصف الأحداث التي وقعت خلال هذه الفترة التاريخية بـ”الإبادة”، مؤكدة أن هؤلاء الضحايا سقطوا خلال حرب أهلية تزامنت مع حدوث مجاعة أدت إلى مقتل ما بين 300 و500 ألف من الأرمن وعدد مماثل من الأتراك في حين كانت القوات العثمانية والروسية تتنازعان السيطرة على هذه المناطق في الأناضول، وأعلنت تركيا استعدادها لفتح أرشيفها وتشكيل لجنة محايدة تقوم بالتحقيق في هذه القضية، إلا أن أرمينيا بإيعاز من فرنسا رفضت المشاركة في هذا التحقيق.

وهو ما دفع تركيا إلى اتهام الرئيس الفرنسي بالتلاعب بالتاريخ لمواجهة مشاكل بلاده السياسية، بهدف إلهاء الشعب الفرنسي عن فشله، ووضعه المتأزم داخليا، مذكرة إياه بالمجازر التي ارتكبتها فرنسا ضد الشعوب الأفريقية التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، خصوصا في الجزائر ورواندا، مطالبة ماكرون بالاعتذار عما فعلته بلاده خلال وجودها على أراضي هذه الدول.

الخلاف بشأن العراق وسوريا وليبيا

لم يقف الصراع التركي الفرنسي عند هذه الملفات وحدها بل تعداها إلى ملفات عسكرية وأمنية ترتبط بكل من ليبيا والعراق وسوريا، حيث تتهم تركيا فرنسا بدعم التنظيمات الإرهابية الموجوده في الشمال السوري لتنفيذ أجندة تقضي بتقسيم الأراضي السورية، خصوصا بعد أن قامت فرنسا بنشر قوات لها في مناطق سيطرة هذه التنظيمات عام 2016، بحجة المساعدة على ضمان الأمن والاستقرار ومنع عودة تنظيم داعش إليها مرة أخرى.

وفي ليبيا تدعم فرنسا بصورة علنية الجنرال حفتر، في حين ترى أنقرة أن حكومة الوفاق هي الحكومة الشرعية المنتخبة في ليبيا، ولذا تقدم لها كافة أشكال الدعم العسكري والأمني، الأمر الذي غير المعادلة على الأرض تغييرا كبيرا، مما أدى إلى توسيع شقة الخلاف بين باريس وأنقرة.

أما في العراق، فقد تلقى ماكرون ضربة قاصمة لمشروعاته التوسعية، عقب استبعاد الشركات الفرنسية من مناقصة إعادة إعمار مطار الموصل الدولي لصالح شركات تركية بعد صراع مرير دام عدة أشهر، إذ رأى العراقيون أن القرب الجغرافي للموصل من المناطق السياسية والاقتصادية في تركيا، إضافة إلى التكلفة الأقل التي عرضتها الشركات التركية، مرجحان لكفة تركيا، خصوصا أن هناك مخاوف نشأت لدى المسؤولين العراقيين بسبب رغبة ماكرون في ملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الأمريكية، وسعيه لتعزيز النفوذ الفرنسي في العراق والشرق الأوسط.

الوجود التركي في أفريقيا أخطر الملفات الخلافية مع فرنسا

أما أخطر الملفات وأكثرها إزعاجا للرئيس الفرنسي فهو التوسع الذي تشهده العلاقات التركية مع الدول الأفريقية، وهي المنطقة التي تراها فرنسا منطقة نفوذ فرنسي بامتياز، كسرتها تركيا من خلال تنامي علاقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في عمق القارة السمراء، حيث تتنوع مشاريع الشركات التركية العاملة هناك من إنشاء الموانئ، إلى تشييد الطرق والسدود، وإعادة تأهيل البنى التحتية، إلى جانب حضورها المتزايد في قطاع الطاقة، وعقدها اتفاقات على إنشاء عدد من القواعد العسكرية داخل عدة دول، منها النيجر والصومال.

وفي مواجهة تغلغل الثقافة الفرنسية داخل أفريقيا، سعت تركيا لنشر اللغة التركية على نطاق واسع بين الأفارقة من خلال معاهد “يونس إمرة” المتخصصة في نشر اللغة والثقافة التركية في العالم، وقامت باستقطاب الطلاب الأفارقة للدراسة في جامعاتها عبر منح كثيرة تقوم وزارة التعليم التركية بتقديمها لهم كل عام.

هذا الوجود المتميز والمتصاعد دفع العلاقات التركية الفرنسية إلى حافة الهاوية، إذ ترى باريس أن أنقرة تسعى لمنافستها وتعمل جاهدة على إزاحتها عن مناطق كانت تاريخيا تقع في قبضتها وتحت سيطرتها.

المصدر : الجزيرة مباشر