محاولة لبحث أسباب تدني فاعلية أجهزة البيئة المصرية

 

تتعدد الأجهزة المعنية بالبيئة بمصر ما بين وزارة البيئة وجهاز شؤون البيئة، وصندوق حماية البيئة وهيئتي نظافة وتجميل القاهرة والجيزة، وجهاز تنظيم إدارة المخلفات والمجلس الوطني للتغيرات المناخية، والمجلس الأعلى لحماية نهر النيل والمجاري المائية من التلوث، وشرطة البيئة والمسطحات المائية بوزارة الداخلية، وهيئات خدمية أخري تابعة لعدد من الوزارات يتعلق عملها بمجالات البيئة، علاوة على حوالي 71 مركزا بحثيا بالجامعات يتعلق نشاطها بمجالات البيئة، بخلاف الشركات الخاصة العاملة بمجالات البيئة والجمعيات الأهلية المهتمة بالأنشطة البيئية.

وفيما يخص الجهات الحكومية فقد بدأ الأمر بقرار جمهوري بإنشاء لجنة دائمة لمنع تلوث مياه البحر بالزيت عام 1965، ولجنة عليا بوزارة الصحة عام 1969 لحماية الهواء من التلوث، وفي 1971 نشأ مجلس بحوث البيئة بأكاديمية البحث العلمي، وفي 1975 أُنشئت الجمعية المصرية لعلوم البيئة، وفي 1978 أُنشئ المكتب العربي للشباب والبيئة كجمعية أهلية تدرب الشباب على أنشطة تحسين البيئة.

وفي 1979 أُنشئ الجهاز التنفيذي للحفاظ على الحياة البرية بوزارة الزراعة، وفي عام 1981 قرر مجلس المحافظين إنشاء مكاتب للبيئة بالمحافظات، وشهد عام 1982 إنشاء جهاز شؤون البيئة برئاسة مجلس الوزراء، وكذلك إنشاء معهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة عين شمس وصدور قانون لحماية نهر النيل، وفي عام 1983 أُنشئت هيئتا النظافة والتجميل بمحافظتي القاهرة والجيزة، كما صدر قانون المحميات الطبيعية.

وفي عام 1994 صدر قانون البيئة الذي نشأ بموجبه صندوق حماية البيئة لتمويل مشروعات البيئة، وبأواخر العام وافقت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ بعد أكثر من عامين من صدورها، وفي 1997 أُنشأت وزارة الدولة للبيئة، وفي 2002 أُنشئ مكتب الالتزام البيئي باتحاد الصناعات، وفي 2004 نشأ جهاز تنظيم مياه الشرب الصرف الصحي وحماية المستهلك، وفي 2009 نشأ المجلس الأعلى لحماية نهر النيل، وفي 2015 نشأ جهاز تنظيم إدارة المُخلفات وكذلك المجلس القومي للتغيرات المناخية.

 47 مليار دولار سنويا خسائر تلوث الهواء

وحتى لا يتوه القارئ في تلك التفاصيل فقد نشأ بالتوازي مع الجهات السابقة، جهات أخري تابعة لجهات حكومية، مثل المراكز البحثية التابعة لأكاديمية البحث العلمي والمعامل التابعة للمركز القومي للبحوث، ومركز بحوث البيئة بمعهد التخطيط القومي، وجهات أخري تابعة لوزارات الصحة والبترول والصناعة والقوي العاملة والموارد المائية والزراعة والإسكان والداخلية والطيران.

وها هو قانون البيئة يحدد عددا من الجهات المختصة بحماية البيئة المائية، هي: هيئة حماية الشواطئ التابعة لوزارة الري، وهيئة قناة السويس، ومصلحة الموانئ والمنائر التابعة لوزارة النقل، وهيئات الموانئ البحرية، وهيئة البترول وهيئة التنمية السياحية، إلى جانب جهاز البيئة وشرطة المسطحات المائية.

ورغم وجود كل تلك الجهات الحكومية والخاصة والأهلية، فقد ذكر تقرير صدر عن الجهة المعنية بتغير المناخ بالأمم المتحدة في أغسطس / آب من العام الماضي، أن تزايد الانبعاثات بمصر قد أدي إلى ارتفاع درجة الحرارة اليومية بمصر بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عام 1960، وأنه إذا استمرت تلك الوتيرة فإن 80% من الأيام المصرية ستكون شديدة الحرارة بنهاية القرن ارتفاعا من 10% حاليا.

وأضاف التقرير أنه على مدي سنوات شهدت مصر زيادة في حالات الجفاف وتآكل السواحل وتسرب المياه المالحة، وذكر أن المزارعين في دلتا نهر النيل يعانون كل صيف من ري محاصيلهم بسبب الجفاف، وأن مصر ستخسر 2% من أراضيها الصالحة للزارعة كل عشر سنوات، وربط باحثون بين تأثر إنتاجية عدد من المحاصيل بالعام الماضي مثل المانجو والزيتون بدرجات الحرارة المرتفعة.

وحدد البنك الدولي في تقرير له أن تلوث الهواء يكلف مصر سنويا ما لا يقل عن 47 مليار دولار، وأن هواء القاهرة محمل بجسيمات بأكثر من 12 مرة عن المعدل الآمن، بينما لا توجد بيانات عن الأوضاع خارج منطقة القاهرة الكبرى، وأن تلوث الهواء بالقاهرة الكبري تسبب في ضياع 3 مليارات يوم عمل بسبب الأمراض الناتجة عن تلوث الهواء بالقاهرة الكبرى، وعدم توافر المياه النظيفة والصرف الصحي والنظافة بشكل عام في مصر.

وذكر أن عوادم السيارات هي الملوث الأكبر للهواء في مصر، إلى جانب حرق المخلفات بما فيها المخلفات الزراعية والمخلفات البترولية، وذكر تقرير البنك الدولي أن الجزئيات الموجودة بالهواء تسببت في عام 2017 في وفاة مبكرة لحوالي 13 ألف شخص، مثلت أمراض القلب والصدر 59% منها والالتهابات الحادة بالجهاز التنفسي 14%، وأمراض وسرطان الرئة 14% والسكتات الدماغية 13%.

  إحباط الحاملين للضبطية القضائية البيئية

ويظل السؤال حول أسباب ضعف فاعلية تلك الجهات الحكومية رغم تعددها، ونتصور أن منها حالة الإحباط التي يشعر بها العاملون بتلك الأجهزة، خاصة من يحملون صفة الضبطية القضائية لضبط المخالفين، وذلك لشعورهم بأن الحفاظ على البيئة لا يمثل أولوية للدولة.

ويدللون على ذلك ببعض المواقف منها ما حدث عام 2014 مع مشكلة انقطاع الكهرباء، حيث قامت الدولة بخفض كميات الغاز الطبيعي الموردة لعدد من الصناعات ومنها الأسمنت لتوجيهها لمحطات الكهرباء، ودفعها لتلك المصانع لاستخدام أنواع وقود ملوث للبيئة، حيث اتجهت مصانع الأسمنت للتوسع في استخدام الفحم الأكثر إضرارا بالبيئة، وهو ما تكرر بالعام الحالي وبعد توسع محطات إنتاج الكهرباء في استخدام الغاز الطبيعي بالسنوات الماضية، حيث تم إلزامها باستخدام المازوت الأكثر إضرارا بالبيئة للتوسع في تصدير الغاز الطبيعي الي أوربا.

كذلك الإحساس بالتفرقة الاجتماعية مثلما يحدث منذ سنوات بإنشاء مصانع الأسمنت الجديدة بمحافظة بني سويف، ومنع إقامتها بالقاهرة بسبب ما ينجم عنها من درجات عالية من تلويث البيئة، وكأن صحة المواطن ببني سويف أقل أهمية من صحة المواطن بالقاهرة.

والشعور بعدم تقدير الدولة لجهدهم، فهل سمع أحد خلال مؤتمر المناخ العالمي بشرم الشيخ عن اسم رئيس جهاز شؤون البيئة الدكتور على أبو سنة؟ وكيف يكون شعور وزيرة البيئة أمام العاملين بأجهزة البيئة الحكومية والخاصة والأهلية، وهو يرون إسناد الدولة لملف مؤتمر المناخ الي وزير الخارجية؟

كذلك تدني المخصصات المالية المخصصة لأجهزة البيئة بالموازنة العامة للدولة، ففي العام المالي 2021/2022 – حيث لم تنشر البيانات التفصيلية لموازنة العام المالي الحالي بعد -بلغت مخصصات وزارة شؤون البيئة أقل من 15 مليون جنيه أي أقل مما يعادل مليون دولار، اتجهت نسبة 41 % منها للأجور.

كما بلغت مخصصات جهاز شؤون البيئة 725 مليون جنيه، اتجهت نسبة 38% منها للأجور، ونسبة 13% لشراء مستلزمات إدارة العمل اليومي بفروع الجهاز بالمحافظات البالغ عددها 16 فرعا، ليتبق 312 مليون جنيه للإنفاق على المشروعات الاستثمارية الخاصة بالبيئة على مستوى البلاد، لجهاز مسؤول عن حماية المياه والشواطئ وحماية الهواء من التلوث ومن الضوضاء وعن المحميات الطبيعية والمخلفات والمواد السامة وعن الثقافة البيئية.

كذلك صعوبة تطبيق نصوص قوانين البيئة الخاصة بمواجهة تلوث الهواء والضوضاء والسموم ونحو ذلك، بالمقارنة لقلة عدد القائمين بالضبطية القضائية، وكذلك وجود أولويات مجتمعية أخرى، ومن ذلك نص المادة 27 من قانون البيئة بأن يُخصص في كل حي وفي كل قرية مساحة لا تقل عن ألف متر مربع، من أراضي الدولة لإقامة مشتل لإنتاج الأشجار، على أن تتاح منتجات هذه المشاتل للأفراد والهيئات بسعر التكلفة.

 صراع أجهزة الخدمات على أراضي المحافظات

فلو حدث وتوافرت قطعة أرض بإحدى القري أو الأحياء فإن محافظ الإقليم سيكون لديه خيارات أخري لاستخدام تلك الأرض، في ضوء نقص الأراضي اللازمة لبناء المدارس والمستشفيات وأجهزة الخدمات كالبريد والمساجد والمستوصفات وغيرها، خاصة وأن العديد من المدارس والمستشفيات تتوسع في البناء على حساب المساحات الخضراء الموجودة بها، فالمستشفى العام بمدينة دمياط على سبيل المثال كان بها مساحات كبيرة من الحدائق، ومع زحف المباني الطبية عليها تكاد تكون قد انقرضت.

ونتيجة أخري أن عدد الحدائق العامة الموجودة على مستوي البلاد قد بلغ عام 2021 نحو 1262 حديقة، منها 1126 تابعة للمدن والأحياء وثلاثة تابعة لوزارة الزراعة و18 تابعة لوزارة الري و115 تابعة لجهات أخرى، وبعض تلك الحدائق مغلقة أمام الجمهور، أو تم تبويرها وتحويلها إلى أنشطة تجارية كما حدث مع حديقة ميدان العباسية بالقاهرة.

كما يشعر العاملون بالبيئة أن هناك جهات سيادية لا يستطيعون رقابتها فيما يخص التزامها بالقوانين البيئية، مثل شركات التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي رغم إضرارها الواضح والكبير للبيئة، وها هي مداخن حرق الغاز الطبيعي الموجودة بمنطقة الجميل ببورسعيد، والتي تحرق الغاز الطبيعي المصاحب على مدار الساعة منذ سنوات، فهل يستطيع موظف البيئة أن يحرر محضرا للشركة؟

ومثل ذلك عند القيام بحملات لضبط السيارات التي يصدر عنها عوادم كثيفة أو أصوات مزعجة حسب نص المادة 36 من قانون البيئة، حيث لا يستطيع هؤلاء تحرير محاضر لسيارات الجهات السيادية، أو سيارات النقل العام فما بالك بالقطارات شديدة التلويث للبيئة بعوادمها الكثيفة.

كما يتسبب ضعف الأجور وغلاء المعيشة في تساهل بعض العاملين عن الإبلاغ عن المخالفات البيئية مقابل الحصول على منافع، ومن يرفضون تلك الرشاوي منهم لديهم بعض التردد في مقاومة المخالفات، وهم يرون بعض النماذج التي دفعت من حريتها لمقاومتها للفساد مثلما حدث مع رئيس جهاز المحاسبات السابق هشام جنينه الذي تعرض للاعتداء الجسماني والسجن لمجرد ذكره أرقاما لحجم الفساد.

وأتصور أن أسباب تدني العائد المجتمعي البيئي من الأجهزة الحكومية الخاصة بالبيئة، يحتاج دراسة موسعة تقوم بها إحدى الجهات البحثية وليس مجرد مقال رأى، ولكن يظل السؤال هل يستطيع أعضاء هذا الفريق البحثي الدخول لمصانع شركات الجيش لقياس أثرها على البيئة من حولها.

وهل يستطيع دخول الجهات السيادية لقياس حجم العوادم الصادرة عن سياراتها؟ ونفس الأمر بالنسبة لسيارات إدارات وزارة الداخلية. وبعد انتهاء الدراسة هل سيتم الأخذ بتوصياتها أم أن مصيرها سيكون إلى جوار شقيقاتها من رسائل الماجستير والدكتوراه الخاصة بالبيئة -والتي تخطي عددها 900 دراسة- على الرفوف؟

المصدر : الجزيرة مباشر