رباعيات جاهين.. الحب قارب النجاة

صلاح جاهين

 

فتحت شباكي لشمس الصباح

ما دخلش منه غير عويل الرياح

وفتحت قلبي عشان أبوح بالألم

مخرجش منه غير محبة وسماح

عجبي

اختصرت الرباعية الذكية والعبقرية التي أبدعها صلاح جاهين مساحات كبيرة من الكلمات التي يمكن أن يستخدمها الإنسان للتعبير عن حالة إنسانية داخله عندما يمر بأزمة في علاقة تربطه بشخص يمتلك جزءا كبيرا في مشاعره، وربما تتعدى علاقته بآخرين بما فيها علاقته بمحيطه كاملا.

حينما يمتلك الشخص قدرته على التسامح الداخلي قبل أن يعبر عن آلامه وأناته، يمتص الغضب من أعماقه ويحوله إلى طاقة للمحبة والعفو، هذه القدرة التي لا يتمتع بها سوى المحبين بإخلاص ووعي تصل هذه الأيام ندرته إلا في بعض المتصوفين، الذين يتمتعون بقدرة على المحبة مهما بلغت قسوة أيامهم ومحيطهم.
فرغم الألم يأتي الفجر الجديد ونداه ليغسل القلب الذي عاش ليلا مظلما، يجعل الإنسان ساهرا ليله يصرخ، يريد أن يؤذن ليلا ليوقظ الجميع من سباتهم: ” لقد ظُلمت من الأحباب والمعارف” بينما هو في تلك الحالة يغسل ندى الصباح قلبه فيخرج منه الجمال والمحبة والسماح للجميع.

هكذا استطاع صلاح جاهين بعبقرية شعرية أن يقدم لنا رباعيات من أربعة أبيات شعرية، وكلمة واحدة تعد ملخصا لحالة إنسانية كاملة تستغرقنا أياما بل شهورا.
قدم جاهين هذه الرباعيات في مربعه بجريدة الأهرام وعلى صفحات مجلة روزا اليوسف خلال الأعوام من 1964 حتى 1969، وتم تجميعها في ديوان شعري طُبع عدة مرات.

كان لهذه الرباعيات نصيب في تقديمها موسيقيًا حينما استطاع الموسيقار سيد مكاوي عرضها بعبقرية فريدة كعادته في ألبوم خاص بها. ورغم أن على الحجار قدمها بألحان مكاوي إلا أن أداء الأخير يظل تعبيرا أقرب لحالة جاهين الإنسانية والنفسية.

أنا اللي بالأمر المحال اغتوى

شفت القمر نطيت لفوق في الهوا

طالته ما طلتوش إيه أنا يهمني

وليه مدام بالنشوى قلبي ارتوى

عجبي

لا أذكر كم مرة اقتنيت ديوان الرباعيات لصلاح جاهين إذ كنت عندما أريد أن أعطي صديقا لي هدية، أشتري رباعيات جاهين أو نسخة من ألبومها سواء بصوت جاهين والحجار أو بصوت سيد مكاوي، وكان المعنى الكامن في كل إهداء هو التجارب التي يقدمها جاهين في كل رباعية، هذه التجارب التي تجد نفسك جزءا من أحداثها في كل رباعية.

الرباعية المقدمة هنا تعبير عن رحلة السعي التي يمضي فيها الإنسان ليصل إلى غاية له، متعة المحاولة للنجاح وتحقيق الذات لدى كل شخص على مدار فترات من عمره. هدف يبدو قريبا في أحيان وبعيدا في أحيان آخرى.
قد يكون من الصعب تحقيق ما نسعى إليه فنردد الجملة الشهيرة: ” يكفينا شرف المحاولة”، أو بيت الشعر: “ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة.. ليمر النور للأجيال مرة”.

في رحلتنا تلك تمر أمامنا لحظات انتصار نشعر بلذاتها ومتعتها، تلك اللحظات التي نستعيدها بعد التجربة فنجد ” أن قلبنا قد ارتوى بنشوتها”، ورغم أننا لم نحقق الهدف الذي سعينا له في بداية المشوار، لكن يظل المشوار يحمل متعة التجربة والمحاولة.

مشوار طويل قد يمتد سنوات وقد نمضيه أياما قصيرة، نرهق فيه أو نعاني اختصره جاهين في رباعية هي فلسفته في الحياة القصيرة عمرا، والطويلة الخبرة، خبرة تنقل فيها بين الرسم الكاريكاتوري الأشهر على مدار سنوات طويلة سواء في رزوا اليوسف، وصباح الخير التي كان أحد مؤسسيها، وفتح فيها بوابات الأمل لأجيال جديدة من رسامي الكاريكاتير، وتجربته في الأهرام أهم الجرائد المصرية في العصر الذي عاشه جاهين، وتجربته كشاعر عامية من الآباء في هذا الفن.  وقدم جاهين الأغنية وسيناريوهات لأفلام سينمائية عديدة. تجارب عاشها سنوات قدم عصارة خبرته في تجربة أقرب إلى فلسفة الحياة في الرباعيات، ويقال إن الرباعية السابقة تعبيرا عنه، وهي تعبير حقيقي عن جزء موجود لدى كل منا.

يا مشرط الجراح أمانه عليك

وأنت في حشايا تبص من حواليك

في نقطة سودة بدأت تبان

شيلها كمان والفضل يرجع ليك

عجبي

لا يريد الشخص الذي يحمل نقاءً وحلما كبيرا أن تؤثر أي آلام على سلوكه الإنساني، أو يعكر صفو محبته صغائر تجعله يحمل شرا بين جوانبه، لا يريد أن يشعر بقلق وألم الكراهية محل الإخلاص والحب للكون، الطبيعة، البشر، والعالم الذي يحيط به، ورغم أنه تحت معاناة المرض وبين يدي الطبيب الذي يجري جراحة في قلبه إلا أنه لا ينسى أن يوصي الطبيب أن يزيل أي آلام بداخله.

يمضي جاهين كتلة المواهب المتحركة على أرض مصر متغنيا بكل أحلام جيله داعيا وداعما للحب، لا يجد طريقا لإنقاذ العالم والبشر من الحروب التي يعاني منها، والآلام إلا الحب والمحبة الحلم والسعي. إنها فلسفته التي أقرها في حياته وعاش بها.
فما من مبدع أو فنان طرق منزل جاهين أو مكتبه إلا وجد الحب والمساندة ووجده يقف بجواره حتى يشق طريقه، ونجد في تجربة جاهين مع أحمد زكي أكبر مثال على اتساع قلبه ومنزله للجميع.
آمن جاهين بموهبة زكي كما آمن بموهبة سيد حجاب والأبنودي كشاعرين، وسعاد حسني كممثلة فريدة، كان قلب جاهين مكانا آمنا لجيل من المواهب.

بحر الحياة مليان لغرقى الحياة

صرخت خش الموج حلقي ملاه

قارب نجاة صرخت قارب نجاة

قالوا مفيش غير بس هو الحب قارب نجاة

عجبي

الإبجار في عالم رباعيات جاهين إبحار في خلاصة تجربة شعرية ممتدة منذ بداية الخمسينيات حتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، لم يكتف بتقديم شكل واحد من أشكال التجربة الشعرية أو الغنائية بل تجول في تجارب متعددة كانت للرباعيات واحدة من قمم تجليات إبداعه الشعري.

المصدر : الجزيرة مباشر