التعليم.. الكنز المفقود

مركز للدروس الخاصة

لا نهضة حقيقية في أي بلد إلا بالتعليم، ولا تطور في سلم الصعود الحضاري إلا بالعقل المتعلم.

التعليم هو صنع إنسان قادر على التفكير والبحث والابتكار والانطلاق بمجتمعه وبلده إلى الأمام.

الوعي والثقافة والفكر وصواب الرأي والرؤية فروع تنبت من جذر شجرة التعليم.

التعليم والتعلم هما ضرورة بناء دولة جادة في التخطيط ليكون لها موقع تحت شمس العالم المتقدم.

الجهل ارتداد للخلف، ردة عن التحضر والتقدم، هو دخول في نفق من الظلام الدامس والضياع.

أمة متعلمة هى أمة قوية صامدة لا تهزها العواصف، ولن تجد مجالاً لتغلغل الفقر والجوع والعري والاستكانة في جسدها العفي المحصن ضد هذه الفيروسات المدمرة.

أمة جاهلة ستكون بلا ذكر، هى أوهن من بيت العنكبوت، في حضورها غياب، وفي حياتها ممات.

أقوال دون أفعال عن تطوير التعليم

ما أكثر الكلام في بلادنا عن التعليم باعتباره قضية إستراتيجية كبرى، قضية أمن قومي أولى، قضية الإنسان وسر بقائه ومناعته، قضية المجتمع والوطن، لكن ما أقل الفعل والعمل، بل ربما الفعل منعدم، فلا التصريحات الكثيرة من نظام لآخر، ومن حكومة لأخرى، ومن وزير إلى وزير، نجحت في أن تجعل التعليم جاداً ومتميزاً ومتطوراً ومنتجاً في مصر.

التجريب مستمر من الأمس إلى اليوم، لكن بلا فائدة أو نتيجة سوى مزيد من التشتيت والتراجع والانحدار لأنها تجارب فردية بلا خطة ابتكارية وبلا إرادة لصياغة نظام تعليمي حداثي متطور.

لا علم ولا بحث .. بالأمس واليوم

قديماً كان في مصر تعليم، مع ذلك لم يكن هو النموذج الذي يتخرج فيه نوابغ العقل العلمي والعقل الإنساني، ولا يعني أن أجيالاً أجادت القراءة والكتابة والحساب وظهر فيها بعض النوادر من الشخصيات أن مشروع التعليم كان تقدمياً أو مذهلاً أو هو ما يجب أن يكون عليه، أبداً، فلم نجد أثراً لمخرجات هذا التعليم في العلم والبحث والتكنولوجيا والإنتاج الذي يقود إلى دخول نطاق العالم باني الحضارة الحديثة.

كم باحث وعالم ومبتكر ومخترع، وكم حاصل على جوائز علمية عالمية نزيهة، وكم فيلسوف ومفكر، وكم عظيم، ظهر بيننا وسجل لنا صفحات رائدة في تاريخ وحاضر المجتمع العلمي والإنساني؟ لا شيء.

كان التعليم متواضعاً، تقليدياً، يتخرج منه أصحاب شهادات وموظفين لكن مستواهم لا يساير مستويات أقرانهم في منظومات التعليم التي تمتلك ناصية العلم.

تراجع مريع

المشكلة الداهمة أن التعليم تراجع اليوم بشكل مريع عما كان عليه قديماً، المستوى الذي نعتبره متواضعاً لم يبق على حاله.

حتى مدرسة الماضي وفصولها ومدرسها وسبورتها وحصصها وكتبها ومناهجها لم تعد كما كانت اليوم، فلا مدرسة حقيقية، إنما مبانٍ كئيبة شبه فارغة من الطلاب ولا مدرسين في الفصول، ولا سبورة هى وسيلة التعليم الأقرب لطبيعة وشخصية ونفسية الطالب في مصر، ولا كتب ممسوكة باليد، والكتاب الإلكتروني ليس وحده الحل فلا غنى عن الكتاب الورقي.

المدرسة الرسمية اختفت لصالح المدرسة البديلة وهو التعليم خارج المدرسة، فالفصول الجديدة هى مراكز الدروس الخصوصية، والمدرسون ينشطون فيها ويقبضون بالحصة والشهر وجيوبهم منتفخة بأموال الطلبة التي تدبرها الأسر بالكاد على حساب ضروريات حياتهم التي أصبحت هى الأخرى معاناة في تدبيرها بسبب قسوة الحياة والغلاء الفاحش والسياسات العامة المرتبكة التي لا تعالج الأزمات الكثيرة المتزايدة المركبة المعقدة.

التعليم البديل والتعليم الرسمي

بدأ العام الدراسي قبل أيام وذهب نحو 25 مليون طالب وطالبة إلى مدارسهم وجامعاتهم.

هذه عناوين ومتون الأخبار في الصحف والمواقع الموجهة لكن الواقع غير هذا، شرائح من الطلاب لا يذهبون لمدارسهم فلا حاجة لهم بها، هم بدؤوا عامهم الدراسي قبل شهرين في دروسهم الخصوصية.

وهم على وشك الانتهاء من مقررات التيرم الأول، فلماذا يذهبون ويتكدسون أكداساً فوق بعضهم بعضاً في فصول غير مناسبة ومدارس لا تسر.

لدينا تعليم شكلي، تجده في تصريحات الوزير المختص، لكن في الواقع لا تعليم مقنع، ولا نتائج ذات قيمة حتى لمن يحصلون على درجات كبيرة فهم يذهبون لكليات القمة وما دونها ويتخرجون فيها دون أن نجد من بينهم مشروعات العلماء والباحثين والمفكرين.

التعليم مظهري، أقرب لتأدية واجب أو دور، وهكذا في مجالات أخرى، فلا تخطيط ممنهج منظم واقعي مجتمعي يعالج الأزمة من جذورها.

دراسة التجارب الناجحة في العالم

من الحتمي دراسة تجارب التعليم بالدول التي نهضت بعد دمارها وعلى رأسها ألمانيا واليابان، والدول التي كانت أقل منا بمراحل ثم نهضت وسبقتنا بمراحل مثل ماليزيا وإندونيسيا وتركيا بل وفيتنام ورواندا، ودراسة تجارب العالم الحر وكيف انطلق سريعاً في مضمار البناء والتقدم والخروج من نفق الجهل والتخلف والظلام.

نعم الحرية والانفتاح السياسي لهما دور في منحنى التطور الصاعد لأن البيئة العامة عندما تكون منفتحة وحرة وآمنة فإنها تغري على الحوار والنقاش الصريح وبالتالي طرح المشاكل بوضوح وإبداع الحلول لها.

بيئة الانغلاق والخوف تغري على النفاق والتزييف وبالتالي تتفاقم الأزمات وتتعمق الأمراض وينخر الفساد في المجتمع من الداخل، الاتحاد السوفيتي انهار وتفكك بسبب ذلك وعوامل أخرى تتعلق بنمط الحكم الشمولي وسياسة الحزب الواحد والرجل الواحد، وبالمقابل بقيت أمريكا وتسيدت بفضل الحريات والتعددية السياسية والمراقبة والمحاسبة وتغيير الحاكم والحكومات بإرادة شعبية.

مجلس وزاري مصغر لإنقاذ التعليم

التعليم بحاجة لما يمكن اعتباره مجلس وزاري مصغر يظل في حالة طوارئ وانعقاد دائم و يتشكل من خبرات متنوعة نادرة مخلصة نزيهة في هذا المجال دون النظر لتصنيفاتها وخلفياتها سوى أنها تبتغي وضع نهاية حاسمة للتخبط المتواصل في هذا الملف الخطير ووضع الخطة المنتظرة التي تحظى بالتوافق المجتمعي والوطني ويكون فيها الخروج من هذا الليل الطويل المظلم من تعليم يقدم شهادات دون أن يقدم متعلمين وعلماء ومفكرين.

التعليم كنزنا المفقود رغم أنه أمام ناظرينا لكننا نتجاهله أو نتعامى عنه أو لا ننشغل بالاستفادة مما به من جواهر لبناء الإنسان والتنمية.

المصدر : الجزيرة مباشر