المقاومة في فلسطين.. إلى متى يستمر الاحتلال الإسرائيلي؟

 

مع تصاعد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، تتصاعد حدة المقاومة، وتشتعل جذوتها التي لم تخمد لحظة، منذ اغتصاب فلسطين عام 1948.

ومع استمرار قطار الشهداء الذي لا يتوقف يوما، يعلن الشعب الفلسطيني ويؤكد للمحتل الإسرائيلي والعالم أجمع، أنه مخطئ من يظن أن الفلسطينيين قد انتهوا.

“الويل لمن يعتقد أننا انتهينا”، كلمات سطرها عدي التميمي (أيقونة الشهداء) على صفحته، وأكدها على أرض الواقع.

عرين الأسود

على مدار عقود، حاول الكيان الإسرائيلي الغاصب -منذ نشأته- القضاء على كل أشكال المقاومة، لكنه لم يفلح في ذلك، رغم ممارسته شتى الانتهاكات، وارتكابه جرائم حرب غير مسبوقة، ومساندة أمريكية غربية، وصمت رسمي عربي، بل وتواطؤ من البعض ضد المقاومة والقضية الفلسطينية.

ويأتي الإعلان عن قيام مجموعة “عرين الأسود” التي تنشط في نابلس -وما واكبه من محاولات إسرائيلية مستميتة للقضاء عليها- ليؤكد حيوية الشعب الفلسطيني، وتحديه للاحتلال الصهيوني، وأن كلمة الاستسلام لا وجود لها في قاموس الفلسطينيين أو حتى في مخيلتهم.

رعب إسرائيل القادم

مجموعة عرين الأسود وأخواتها من المجموعات والتشكيلات المقاومة، هي رعب إسرائيل القادم، ومما لا شك فيه أنها أربكت حسابات الاحتلال وأجهزته الاستخبارية، خاصة أنها ولِدت من رحم غير تنظيمي، ويصعب معه الوصول إلى أعضائها والمنتمين إليها، مما يمثل تحدّيا للاحتلال الإسرائيلي والمتعاونين معه.

إضافة إلى ذلك، فقد أحدث ظهور هذه المجموعة حالة من الحراك والالتفاف الشعبي غير المسبوق في نابلس والضفة الغربية، وعبّر عن ذلك مشهد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في جنازة مهيبة لتشييع شهداء نابلس الخمسة الذين ارتقوا برصاص الاحتلال.

إلى متى سيستمر الاحتلال الإسرائيلي؟

اشتعال جذوة المقاومة وظهور تشكيلات مقاومة جديدة، خلافا للفصائل الفلسطينية الأخرى، إضافة إلى المعادلات الجديدة التي فرضتها حماس وفصائل المقاومة الإسلامية في غزة، وأفرزتها المواجهات الأخيرة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، تثير سؤالا عن مستقبل إسرائيل، وهو: إلى متى سيستمر الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين؟

فمنذ ولادة الكيان الإسرائيلي اللقيط وسؤال الاستمرار يلاحقه، فهذا الكيان حصيلة كذبة على حد تعبير الصحفي الإسرائيلي “آري شبيط” في مقاله (إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة) بصحيفة هآرتس العبرية، إذ قال “الإسرائيليون منذ مجيئهم إلى فلسطين، يدركون أنهم حصيلة كذبة ابتدعتها الحركة الصهيونية، واستخدمت خلالها كل المكر في الشخصية اليهودية عبر التاريخ”.

لماذا لن تستمر إسرائيل؟

مع كل ما تملكه إسرائيل من تفوّق عسكري بدعم ومساندة غربية، إلا أن سؤال الاستمرار والوجود يلاحقها، والقلق يكتنف مستقبلها، ومن وجهة نظرنا هناك العديد من الأسباب التي تدفع نحو زوالها، منها:

إسرائيل -كما عرّفها عالم السياسة الدكتور مجدي حماد في مقدمة الجزء الثاني من كتابه “السلام الإسرائيلي” الذي نورد تعريفه مع التصرف- هي: كيان استيطاني استعماري إحلالي، قام على أيديولوجية صهيونية، وقد أخذ هذا الكيان شكل دولة زُرعت في فلسطين، وليس لها أدنى ارتباط بالثقافة والحضارة العربية، وهي تمثل قاعدة للاستعمار الغربي، وعلاقتها به هي التي تمكنها من الوجود والاستمرار. إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل كيان يهدف إلى إجلاء الفلسطينيين عن أرضهم، ذلك أن الشعب الفلسطيني يمثل التهديد الأكبر لاستمراره. إسرائيل دولة تستمد وجودها من العامل الخارجي، فهي كيان موجود بغيره وليس بذاته، وظلت وستظل مدينة بوجودها لعامل خارجي، انطلاقا من ضعف قواها الداخلية عن مواجهة نبذ الشعوب العربية لها. على الصعيد الإقليمي، ورغم حالة التطبيع الرسمي التي سيقت إليها النظم العربية، فإن هناك فجوة كبيرة بين الموقف الرسمي العاجز والموقف الشعبي، تزداد اتساعا مع كل خطوة رسمية عربية تجاه الكيان الصهيوني، وتصب في ترسيخ القناعات بأن إسرائيل كيان لا ينتمي إلى المنطقة، وأن استمراره سبب مباشر لانعدام السلام في المنطقة.  ما زالت القضية الفلسطينية حية في نفوس العرب والمسلمين، فهي القضية الوحيدة التي تلتف حولها الأمة العربية والإسلامية، وما زالت الشعوب تناهض إسرائيل وتنظر إليها على أنها العدو الغاصب لأرض فلسطين. في ظل استمرار المقاومة وحيوية الشعب الفلسطيني الذي يقاوم بشتى الوسائل، فإن مستقبل إسرائيل يبدو غامضا، فالمقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها تتصاعد، ولا تتوقف قوافل الشهداء بنيران الاحتلال الإسرائيلي، ورغم كل الانتهاكات والمحاولات يحرز الفلسطينيون انتصارات متتالية، في مقابل إخفاقات لجيش الاحتلال الإسرائيلي. من ناحية أخرى، فإن أعداد الفلسطينيين تواصل الزيادة في مقابل أعداد اليهود، وعلى مدى سنوات عديدة، تشير تقارير إلى تقارب أعداد الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية، وأن أعداد الفلسطينيين في طريقها إلى التفوق الفعلي، مما يعني أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس حكم أقلية على أكثرية. إسرائيل مجتمع يعاني من الانقسامات الداخلية، ويواجه أسئلة وجودية صعبة، ولا يتمتع بهوية جماعية متجانسة لهؤلاء الذين جاؤوا واحتلوا فلسطين، وهو مجتمع أقرب إلى الزوال منه للاستمرار.

إسرائيل كيان لا يمكن أن ينجح في الاندماج بالمنطقة، رغم كافة الادعاءات والمحاولات، لأنها لا تريد أن تدفع ثمنا لهذا الاندماج المزعوم، المتمثل في الاعتراف بالحق الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية، وما يحدث مما يسمي مفاوضات للسلام ما هو إلا وسيلة تمديد للوقت لفرض واقع دائم، ويكفي للتدليل على ما نقول النظر إلى موقف إسرائيل وداعميها الغربيين من مقررات الشرعية الدولية.

إضاءة مهمة عن الصراع العربي الإسرائيلي

إن المقاومة في فلسطين تقود صراعا وجوديا، يحمل بعدا تاريخيا وحضاريا نيابة عن الأمة العربية.

فعلى مدار العقود السابقة، ومنذ عام 1948، تم اختزال الصراع العربي الإسرائيلي على أنه “صراع حدود لا صراع وجود” على جزء من أرض فلسطين، وهذا في حد ذاته يصرف النظر تماما عن القضية الأساسية ويقود إلى تصفيتها، ويمحو آثار الجريمة الأصلية المتمثلة في اغتصاب أرض فلسطين، ويتغافل تماما عن الأصل التاريخي للصراع القائم.

إن الصراع العربي ضد إسرائيل والصهيونية، الذي تقوده الآن المقاومة في فلسطين، هو في حقيقته صراع عربي- غربي، يمثل الصراع العربي الإسرائيلي الصراع المباشر له على الأرض، وينطلق من بعد تاريخي، ويمثل صراعا حضاريا طويل الأمد.

الخلاصة

إن جذوة المقاومة الفلسطينية لا تنطفئ، والشعب الفلسطيني بات يحارب وحده، وما حدث على الأرض في غزة والضفة يتجاوز أي اتفاقيات مع العدو الصهيوني، سواء أوسلو أو غيرها، ويؤكد أن الشعب الفلسطيني لن يستسلم، ولن يتنازل عن تحرير أرضه مهما بلغت التضحيات.

إن الشعب الفلسطيني في غزة وسائر الأرض المحتلة يقود تصحيحا للبوصلة العربية، ويحمل عبء مواجهة تخلفت عنها الأنظمة الحاكمة، ولن يُعدم وسيلة لتحرير فلسطين.

إن المقاومة في فلسطين تمثل الصف الأول لمواجهة مع الاحتلال الصهيوني، تندرج تحت الصراعات الكبرى، ضمن مبارزة تاريخية تتحدد فيها النتيجة ليس بمقدار ما يملك الطرف الأقوى، ولكن بمقدار ما يقاوم الطرف الأضعف.

وإن سلاح الإرادة هو أمضى سلاح يملكه الفلسطينيون، وهو ما لا تملكه إسرائيل عدو الأمة الاستراتيجي، ومن يملك الإرادة سيبقى، ومن لا يملكها فهو إلى زوال.

المصدر : الجزيرة مباشر