لماذا رفض القرضاوي منصب مرشد الإخوان مرتين؟

الشيخ يوسف القرضاوي

انضم شيخنا العلامة يوسف القرضاوي إلى جماعة الإخوان المسلمين في سنّ مبكرة، بعد أن استمع إلى محاضرة للشيخ حسن البنا، وقال قصيدة أمامه تمتدحه عبر بعدها البنا عن إعجابه بالقرضاوي الشاعر، فقال: “إنه لشاعر فحل”، وظل القرضاوي في الإخوان إلى أن طلب إعفاءه من التنظيم في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وخلال هذه الفترة مر القرضاوي بمواقف تنظيمية كثيرة، لعل أهمها: عرض أعلى منصب في الجماعة عليه، وهو منصب المرشد العام للإخوان المسلمين، مرتين في زمنين مختلفين، وظروف مختلفة أيضا.

عرض بعد وفاة المرشد حسن الهضيبي

أما المرة الأولى، فقد كانت بعد وفاة المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي، فقد ظل المنصب شاغرا فترة طويلة وصلت إلى ثلاث سنوات أو أكثر، إلى أن تم اختيار الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، ولكن قبل اختياره كانت هناك لجنة تدير شؤون الجماعة خارج مصر، وكان من أقواها: صالح أبو رقيق، وهارون المجددي، ومحمود أبو السعود، وكان الأخير أكثرهم نشاطا، وأكثرهم تواصلا مع الجهات التنظيمية بالداخل والخارج، وقد التقى سنة 1976م بالقرضاوي في مؤتمر الاقتصاد الإسلامي الأول في السعودية، وعرض عليه هذا العرض.

فقد أخبره بأن اللجنة الثلاثية التي تدير الإخوان فكرت فيمن يحمل عبء إدارة الجماعة، واستقرت كلمتها على اختيار القرضاوي، ففوجئ القرضاوي بالعرض، وطلب أن يمهلوه شهرين ليقرر.

وبعد طول تفكير انتهى به الأمر إلى الاعتذار لسببين رئيسين لديه، الأول: أنه لا يرى نفسه أهلا لذلك، وأنها مسؤولية كبرى لا يقوى على تحملها. والثاني: أن منصب المرشد ليس هيّنا، وبخاصة في جماعة بحجم وتاريخ الإخوان، وهي جماعة تجمع بين العمل الدعوي، والنشاط السياسي، وعلى من يتولى أمرها أن يكون ملمًّا أو قادرا على إدارتها في الأمرين، أما الدعوة فهو خبير بها، وماهر بوسائلها وأهدافها، وأما السياسة والإدارة فليس كفئا لهما، وعندئذ إما أن يقبل القرضاوي المهمة وهو يرى نفسه ضعيفا إداريا، ومعناه ذلك أنه قبل تولي مهمة لا تناسبه، وهو يرى في ذلك إثما شرعيا.

وإما الحل الآخر، وهو أن يترك أمر إدارة الجماعة لغيره، يديره من خلف ستار، وهو ما لا يقبله لنفسه، كما صرح بذلك في رسالة خاصة أرسلها إلى الإخوان قال فيها: “إن دعوتنا -وإن كانت دينية المصدر والغاية- فهي سياسية من حيث الوسيلة والمواجهة، ولذا تحتاج إلى رجل يعرف السياسة وألاعيبها وأغوارها بجوار معرفته للدين ومصادره، وأنا لا أحسن هذا الفن، إلا في خطوطه العامة، ولم أتمرس به، ولا أظن طبيعتي تصلح له، ولا أرضى لنفسي -ولا ترضى لي أنت أيضا- أن أكون جهازا في أيدي آخرين، يحركونه فيتحرك، ويوقفونه فيتوقف!”.

القرضاوي يقترح الغزالي مرشدا للإخوان

وانتهى القرضاوي إلى رفض العرض، ولكنه رشح لهم شخصية أخرى، فقد دار هذا الحوار بينه واللجنة الثلاثة التي تدير الجماعة، فقال لهم: “هل لكم في رجل خير مني، وهو أصلح مني بكثير؟ فقالوا: من؟ قال القرضاوي: شيخنا محمد الغزالي، فسكتوا، ثم قالوا: الغزالي عالم جليل، ولكن بينه والإخوان شرخ قديم، لم ينته أثره بعد، ولا نظن أن النفوس قد صفت تماما لقبول هذا الأمر”. وظل يحاول إقناعهم بالغزالي، وأنه الأكفأ من حيث الفكر والدعوة والعطاء، والفهم السياسي، لكن لم يرق لهم الاقتراح، كما أخبرني شيخنا بذلك.

مأمون الهضيبي يتنازل عن المنصب للقرضاوي

أما المرة الثانية، فقد كانت من مرشد الجماعة وقتها، وهو المستشار مأمون الهضيبي، الذي لم يمكث طويلا في المنصب، فقد توفاه الله بعد عام وشهرين تولّي منصبه. وبعد تقلده المنصب بشهور، فوجئ القرضاوي بعرض كان مفاجئا أكثر من المرة الأولى، فالمرة الأولى كان المنصب شاغرا، أما الآن فهناك مرشد موجود يمارس مهامه بالفعل، وليس مريضا، ولا عليلا، ولا في حالة حرجة.

كان القرضاوي في ندوة (اقرأ) الإعلامية في رمضان في جدة، فقد كان يحرص كل عام على أداء عمرة رمضان سريعا، أثناء حضوره لهذه الندوة، وكانت (البركة) تعقد ندوتين: اقتصادية وإعلامية، وكان القرضاوي يعتذر عن الأولى، ويحرص على الثانية (الإعلامية)، وكان من الحاضرين الدكتور المفكر الراحل محمد عمارة، وبعد انتهاء الجلسة، طلب عمارة لقاء القرضاوي منفردين، فلما التقيا قال له عمارة: لديّ رسالة خاصة من المرشد لك.

يقول لك المرشد مأمون الهضيبي: إنه يعرض عليك أن يتنازل عن منصب المرشد، ويتخلى عنه تماما، مقابل أن تتبوأ أنت هذا المنصب، فالجماعة تحتاج إلى شخصية بحجمك وتأثيرك وعقلك وفقهك، لتقودها في هذه المرحلة، وهي أحوج ما تكون إلى ذلك، وأما الصعوبات التنظيمية التي يمكن أن تواجهك، فسوف أذللها لك تماما، وستجدني عونا لك وظهيرا في كل ما تقوم به في الجماعة، وأرجو أن تأخذ الأمر بتفكير جدي، فالأمر جلل، وقد استخرت الله في ذلك، ولم أخبر أحدا به سوى الدكتور عمارة، وبمجرد قبولك، سوف أنهي الأمر بطريقتي، وأسعى لذلك دون صعوبات تواجهك.

اعتذار القرضاوي بعد استشارة المقربين

عاد القرضاوي من مكة المكرمة، وحكى لي ما عرضه عليه عمارة على لسان الهضيبي، فسألته: وما رأي الدكتور عمارة؟ قال: هو متأرجح بين القبول والرفض، وأكثر ميلا إلى القبول، بحكم الحالة الراهنة في الجماعة، وأهمية قبولي للعرض، فقال لي شيخنا: وما رأيك؟ قلت له: لا تقبل طبعا، لأنك الآن رمز وشيخ للأمة، فكيف تنتقل من الأمة إلى فصيل رغم أهميته وفضله، وكنت وقتها في الإخوان، وفهمت من سؤال الشيخ لي أنه قصدني لعدة اعتبارات: الأول: لأني من الإخوان تنظيميا وقتها، والثاني: لقربي الشديد منه، ولما بيننا من علاقة أبوية وتلمذة، والثالث: لما يراه من تمثيلي لشريحة من الإخوان والشباب.

ثم قال لي: لن أستشير أحدا في الأمر سوى الدكتور أحمد العسال، وهو صديق عمره، ورفيق كفاحه، ورغم صلته بالإخوان لكنه سيكون -كعادته- مخلصا في النصح، وكانت هناك مناسبة للقائه، فأشار عليه العسال رحمه الله، بعدم القبول، وبالاعتذار، لنفس الأسباب التي ملت إليها ومال إليها عمارة كذلك فيما بعد، فاجتمعت كلمة من استشارهم على الاعتذار، مع تقدير موقف الهضيبي، فهو موقف يدل على تجرد الرجل، وحبه الخير لجماعته، ولو كان على حساب نفسه. وبعد هذا العرض بشهور قلائل، توفي مأمون الهضيبي، بعد فترة مرض قصيرة جدا لأيام، وقد كان عرضه قبل مرضه.

القرضاوي مرشح من جمهور الإخوان

وهناك مرة ثالثة، لا تعتبر ترشيحا من قيادة الإخوان، بل كانت ترشيحا من جماهير الإخوان، وذلك بعد وفاة الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله، وقبل أن يتم اختيار محمد المأمون الهضيبي. فقد وصلت إلى قيادة الإخوان اقتراحات من قاعدتها، وفوجئوا بأن اسم القرضاوي مطروح بقوة، وبخاصة في محافظة القاهرة والجيزة، كما حدث الدكتور حلمي الجزار شيخنا القرضاوي بذلك بحضوري، وعلى الرغم من أن اسمه لم يكن مطروحا لدى القيادة، ومن أننا نعلم أن الاختيار لا يكون للقاعدة فيه دور للأسف، فإن هذا الاقتراح دل على شعبية القرضاوي داخل التنظيم، وداخل التيار الإسلامي بوجه عام.

خطاب الاعتذار ومبرراته

 

المصدر : الجزيرة مباشر