عودة قضية الحجاب: أشعلها كيليتشدار أوغلو.. واستغلها أردوغان

لافتة لأردوغان خلال حملة سابقة لاستفتاء على تعديلات في الدستور

 

سعيًا وراء جذب أصوات الإسلاميين والمحافظين الأتراك، الذين يمثلون القاعدة الشعبية، والركيزة الأساسية لحزب العدالة والتنمية في الفوز بالانتخابات، أعلن كمال كيليتشدار أوغلو في إحدى تجلياته السياسية، نيته التقدم بمشروع قانون يهدف إلى ضمان حق النساء التركيات في ارتداء الحجاب، وحماية هذا الحق قانونيا، معتذرا عن سياسات حزبه التي طبقها في الماضي، واصفا إياها بأنها خاطئة، مطالبا الجميع بالتوقف عن إثارة قضية الحجاب، واستغلالها سياسيا، مؤكدا ضرورة تجاوز المرحلة التي تسببت في استمرار هذا الجدل على مدى عقود.

كيليتشدار أوغلو ظن أنه بهذه الخطوة سجل هدفا في مرمى حزب العدالة والتنمية، واقتنص نقطة ثمينة من أردوغان في طريق السباق الرئاسي، ليلتقط الرئيس أردوغان الكرة، ويدعو منافسه إلى الموافقة على تضمين الدستور هذا الحق، وفق التعديل الدستوري الذي سيتقدم به حزبه العدالة والتنمية إلى البرلمان. وقد حدد أردوغان لهذه الخطوة موعدا الأسبوع المقبل إذا كان كيليتشدار راغبا حقا في بدء صفحة جديدة مع التيار الإسلامي، مشددا على أنه في حال فشل البرلمان في إقرار التعديل المطلوب بسبب تقاعس نواب الشعب الجمهوري عن دعمه، فسيتم عرضه على الشعب للاستفتاء.

أزمة داخل الشعب الجمهوري

خطوة كيليتشدار أوغلو أحدثت أزمة لم تكن متوقعة داخل القاعدة الشعبية لحزبه، خصوصا من العلمانيين الذين يرون أن انتشار الحجاب بكثرة في الشوارع، وأماكن العمل المختلفة، يشوه صورة تركيا بوصفها دولة مدنية حديثة، ويعيدها إلى الوراء مئة عام أو أكثر. وهم يريدون استعادة وجه تركيا الأوربي من خلال توظيف الانتخابات المقبلة، لإحداث التغييرات المطلوبة في الأجندة السياسية للبلاد، عبر إزاحة العدالة والتنمية -حامي منظومة الحجاب- عن السلطة، فكيف يطالب زعيم حزب أتاتورك بضمان استمرار وجود الحجاب بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للأتراك، بل يعمل على دعمه من خلال مشروع قانون من شأنه إعاقة تحقيق هدفهم؟

أما على صعيد المكتب السياسي لحزب الشعب الجمهوري، فقد تسبب مقترح زعيم الحزب في إحداث صدع كبير بين قيادات الحزب وحرسه القديم، فمنهم من يدرك ويتفهم الدوافع الانتخابية لهذا المقترح، التي منها على سبيل المثال الرد بالمثل على محاولات التقرب للعلويين من جانب حزب العدالة والتنمية مؤخرا، الذين يمثلون الشريحة التصويتية الأهم لحزب الشعب الجمهوري، واستقطاب من يمكن استقطابهم من ناخبي ندّهم الأبرز على الساحة السياسية.

ومنهم من انتقد الرجل بشدة في وسائل إعلام الحزب، خصوصا تلك المجموعة الداعمة لأكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول، وهي مجموعة مؤثرة داخل الحزب، حيث اتهمت كيليتشدار أوغلو بأنه منذ أن قرر خوض سباق الانتخابات الرئاسية وهو يعمل بمفرده، ولا يقيم وزنا لرأي قيادات الحزب، بل يتجاهل التنسيق معهم فيما يتخذه من مواقف علنية، لهذا سارع بعضهم إلى إعلان رفضهم لمقترح مشروع قانون كيليتشدار أوغلو، ولمقترح أردوغان بتحصين الحجاب بالدستور أو بالاستفتاء، مغلقين بذلك الباب تماما أمام دخول حزبهم بأي صورة من الصور في هذا الملف الشائك، تحت ذريعة أن هذا الأمر يمكن أن يتسبب في خسارتهم لأصوات شريحة من العلمانيين الداعمين للحزب دون مقابل.

رهان خاسر وخطوة غير محسوبة العواقب

ورغم أن كيليتشدار أوغلو حاول توظيف الحجاب في إطار حملته الانتخابية الهادفة إلى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من أصوات الناخبين خصوصا أولئك الذين يوصفون بأنهم تقليديون، أي أولئك الذين يصوتون لأحزابهم بطريقة تلقائية، فإن الرهان على أصوات المحافظين والإسلاميين -وهم أهم شريحة تصويتية لحزب العدالة والتنمية- يبدو في حقيقة الأمر رهانا خاسرا؛ إذ لا يُتوقَّع أن يترك هؤلاء العدالة والتنمية صاحب الفضل الأول في الحرية التي ينعمون بها في تركيا اليوم، ليصوتوا لحزب الشعب الجمهوري الذي طالما ناصبهم العداء، ومارس ضدهم أبشع أنواع التهميش والعنصرية حتى عزلهم تماما عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل تركيا.

أسباب مقترح أردوغان بإجراء استفتاء

لكن هل دعوة الرئيس أردوغان إلى إجراء تعديل دستوري لضمان تحصين الحق في ارتداء الحجاب تدخل هي كذلك ضمن التنافس الانتخابي، ورغبته في الحفاظ على كتلة حزبه التصويتية، وحرصه على إفشال منافسه وإحراجه أمام قاعدة حزبه الجماهيرية، التي تضم إلى جانب العلمانيين والكماليين، اليساريين وشريحة لا بأس بها من الشيوعيين الرافضين لجميع المظاهر الإسلامية داخل تركيا؟

لعل حادثة متنزه جيزي ليست ببعيدة، حيث وقفوا جميعا بكل صرامة ضد إقامة مسجد في المتنزه الذي يتوسط منطقة تقسيم، بحجة الحفاظ على رمزية الهوية العلمانية للدولة التركية التي يمثلها هذا المكان تحديدا، الذي من الغريب أنه يحوي كنيسا يهوديا وكنيسة مسيحية ولا يوجد فيه مسجد يؤدّي فيه المسلمون صلواتهم رغم أنهم الأغلبية في البلاد.

حقائق لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها

الحقيقة أن الرئيس أردوغان يدرك تماما أن المرحلة المقبلة هي أخطر المراحل التي ستمر على تاريخ تركيا الحديث، وأن هناك حربا شرسة يشنها الغرب على الإسلام والمسلمين، وأن الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي تستعد لها تركيا منتصف العام المقبل سيكون لها تأثير كبير في هذا الإطار.

وهو يدرك كذلك أن التغييرات التي طالت الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد والمكتسبات التي تحققت للمواطنين ورفعت من مستوى معيشتهم، سواء زيادة الرواتب، أو توفير الخدمات الطبية للجميع بعد أن أصبحت في مجملها تحت مظلة التأمين الصحي ورعاية الدولة وإشرافها، وتوفير السكن المناسب لمختلف الشرائح، والحق في التعليم، لن يكون في مقدور أحد التلاعب بها، أو المساس بها.

لكن الخوف الحقيقي والقلق الفعلي الذي يشكل الهاجس الأكبر للرئيس أردوغان يكمن فيما يمكن أن يحدث بالنسبة لمسألة حرية ارتداء الحجاب تحديدا، وما تبعه من حرية المحجبات في التعليم والتوظيف، وحقهن في العلاج، ودخول المؤسسات الحكومية، واستخدام وسائل النقل العام، وممارسة حياتهن بصورة طبيعية مثلهن في ذلك مثل السافرات تماما من دون أي فرق.

حرية الحجاب الإنجاز الأبرز لحزب العدالة والتنمية

معضلة ظلت تؤرق التيار الإسلامي والمحافظ داخل تركيا لعقود، قام الحزب بحلها من خلال حزمة من القوانين التي سعى لإقرارها تدريجيا على مدى عدة أعوام، وخاض حربا شرسة لتحقيقها، مما ساهم في نهاية المطاف في عودة المحجبات إلى الحياة داخل تركيا، ليظل هذا الإنجاز أبرز وأهم إنجازات العدالة والتنمية في تاريخه السياسي.

لكن هذه القوانين من السهولة بمكان تعديلها، وإدخال العديد من التغييرات على بنودها، كما يمكن بكل بساطة إلغاؤها تماما من جانب البرلمان، من خلال الأحزاب ذات الأغلبية فيه، حتى وإن كانت هذه التغييرات لا توافق رؤية الغالبية العظمى من الشعب، لأنها في ذلك الوقت ستعبر عن أيدلوجية الأغلبية البرلمانية، ورؤيتها الاستراتيجية لشكل الدولة التركية، وهنا تكمن المشكلة، خصوصا مع إدراك أردوغان لحقيقة أن حزبه العدالة والتنمية لن يظل في السلطة إلى الأبد، حاكما البلاد والعباد، ومن هذا المنطلق كان سعيه لتحصين الحجاب وحماية مكتسبات المحجبات، ووضع العراقيل أمام أي محاولة يمكن أن تُبذل مستقبلا لتقليص تلك المكتسبات أو النيل منها، من خلال تعديل الدستور، بغض النظر عن تأثير ذلك في نتائج الحزب في الانتخابات المقبلة.

المصدر : الجزيرة مباشر