قمة الجزائر بين المتوقع والمأمول

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط

(1) الشارع العربي فقد الأمل والثقة

لم يعد المواطن العربي يراهن على القمم العربية ولا يتوقع منها نتائج يمكن أن تساهم في تحسين حياته. الشعوب العربية كانت تتمنى أن تتمكن الأنظمة العربية من القفز على خلافاتها المزمنة لتحقق وحدة الهدف والرؤية، ليتم وضع استراتيجية تكامل عربي تعود بالنفع والمصلحة على كل مواطن عربي من الخليج إلى المحيط، تحسن أوضاعه المعيشية وتساعده على الاستقرار في موطنه بدلا من الهجرة غير الشرعية بقوارب الموت عبر المتوسط. يحلم المواطن العربي البسيط باتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوربي، يصبح فيه مسمي الوطن العربي الأكبر حقيقة لا مجاز، حيث يمكنه التنقل عبر حدود الدول العربية ببطاقة الهوية الشخصية دون تأشيرة دخول…لكن للأسف ليس كل مايتمناه المرء يدركه.

(2) القمة الثلاثون في تونس

تنطلق القمة العربية في الجزائر يومي الأول والثاني من نوفمبر القادم، وسط تحديات كبيرة وظروف معقدة تشهدها المنطقة العربية، فضلاً عن الوضع العالمي المضطرب بسبب الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة والغذاء. التحديات التى تواجه منطقتنا لم تظهر مؤخرا، لكنها بدأت مع مطلع الألفية الثالثة وتعقدت بعد سقوط بغداد عام 2003، وتفاقمت مع تدخل قوى إقليمية غير عربية وأخرى دولية فى شؤون عواصم عربية لم تعد تملك قرارها السياسي، المتغير الجديد والوحيد في القمة القادمة هو الوضع الدولي الذي يُنبئ بتغيير في النظام العالمي وكذلك في التحالفات القائمة، والبدائل المتاحة أمام الدول العربية لتأسيس تحالفات عربية وإقليمية ودولية جديدة تلائم معطيات الفترة المقبلة.

بالعودة إلى القمة العربية (الثلاثون) السابقة والتى انعقدت فى تونس عام 2019 سنجد أن منطقتنا كانت أيضا أمام تحديات  كبرى وخاصة بعد اعتراف الرئيس الأمريكى السابق ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبمراجعة إعلان تونس سنجد أنه لم يتحقق منه شيء على أرض الواقع، فعلى سبيل المثال لا الحصر رفض الإعلان القرار الأمريكي، وأكد على مركزية قضية فلسطين بالنسبة للأمة العربية، وشدد على أهمية السلام الشامل والدائم في الشرق الأوسط كخيارعربي استراتيجي تجسده مبادرة السلام العربية التي تبنتها جميع الدول العربية في قمة بيروت عام 2002، ولكن حدث عكس ذلك، وتم إبرام اتفاقيات سلام ثنائية بين عدد من الدول العربية وإسرائيل دون أن يواكب ذلك اتفاق سلام شامل وعادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين،  فهل سيتغير الوضع مع إعلان الجزائر؟

(3) الرهان الجزائري على نجاح القمة

تبذل القيادة السياسية الجزائرية جهدا كبيرا لنجاح القمة، استبقته بمبادرة للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك فتح وحماس، وتم الاتفاق على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في غضون عام، وهذه خطوة هامة نحو توحيد الصف الفلسطيني بعد حوالي 16 عاما من الانقسام، ولو تم الالتزام بالمصالحة ستكون خطوة جيدة لصالح الشعب الفلسطيني. سعت الجزائر لحضور أكبر عدد من القادة العرب حيث تم توجيه الدعوة إليهم جميعا، وكذلك تم دعوة العاهل المغربي رغم الخلافات القائمة بين البلدين، لكن أغلب قادة مجلس التعاون الخليجي أعتذروا عن الحضور: ولى العهد السعودي، وملك البحرين، وسلطان عمان، وأمير الكويت ورئيس الإمارات وسيحضر من ينوب عن القادة،  ولكن غيابهم لا يعوضه نواب، وكذلك  لن يحضر الرئيس اللبناني بسبب وضعه الدستوري، كما أن دمشق قررت عدم المشاركة، وهذا القرار رفع الحرج عن الجزائر. غياب عدد كبير من القادة العرب يثير الشكوك فى فاعلية القمة ونتائجها.

تسعي قمة الجزائر إلى معالجة القضايا العربية الكثيرة والمعقدة: النزاعات المسلحة في ليبيا واليمن، وكذلك الأوضاع المضطربة في سوريا والسودان والصومال، معالجة الملفات الإقليمية المرتبطة بالأوضاع في العراق ولبنان وليبيا، وأزمة الفراغ الدستوري في تلك البلدان، وكذلك القضية الفلسطينية، إذ تدعو الجزائر لإحياء مبادرة السلام العربية 2002.

خلال فترة التحضير لعقد القمة، نجحت الجزائر في كسب ثقة روسيا وأمريكا لما لهما من تأثير ونفوذ في المنطقة، حيث أكد الرئيس الروسي بوتين دعم موسكو المطلق للجزائر على المستويين الدولي والإقليمي، وكذلك نائبة وزير الخارجية الأمريكي أكدت على أهمية الدور الذي تلعبه الجزائر في حفظ السلام والاستقرار في المنطقة والقارة الأفريقية.

رغم هذه التصريحات الداعمة للجزائر، يبقى نجاح القمة مرهون بإرادة القادة العرب، ومدى الجدية في إيجاد حلول للملفات الشائكة المطروحة للنقاش، وكيفية التعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية التى تضغط على كل الدول العربية دون استثناء، وهل يمكن التجاوز عن الخلافات بين الدول العربية ومواقفها المتباينة تجاه ملفات محددة وفى مقدمتها تدخلات القوى الإقليمية فى الشؤون العربية؟

قمة الجزائر مثلها، مثل القمم العربية التي سبقتها يمكن أن تكون فرصة جيدة في حال اتفق القادة العرب على أن يتفقوا رغم الصعوبات والمخاوف والشكوك، لأن الخلاف تكلفته باهظة ويعرقل النمو المستدام فى بلداننا العربية، وكذلك له تأثيرسلبي على تحقيق مفهوم الحكم الرشيد المستقر في دول المنطقة العربية، ويمكن أيضا أن تكون قمة الجزائر مجرد رقم يضاف إلى أعداد القمم العربية السابقة والتى تؤكد أن التعاون العربي المشترك مجرد حلم لا أمل فى تحققه.

المصدر : الجزيرة مباشر