الثورة والإصلاح.. أيهما أنسب عربيا؟

لم تكن موجتا الربيع العربي، التي انطلقت أولاهما في العام 2011 وثانيتهما في العام 2018، هما أولى الموجات ولن تكونا آخرها، فقد سبقتهما موجة ثورات عربية في الربع الأول من القرن العشرين، وموجات ثورات تحرر من الاستعمار منتصف القرن الماضي، وغالبا ستحدث ثورات جديدة عند الحاجة إليها.

لا تندلع الثورات عادة إلا حين تفشل كل سبل الإصلاح والحلول السياسية، ساعتها تبدو الثورات مثل بركان نضجت عناصر انفجاره، فلا يستطيع أحد منعه، ويكون ممكنا فقط مواجهة آثار الانفجار، ومنع المزيد من التداعيات.

الثورات ليست عملا مرغوبا في ذاته، ولكنها حالة اضطرار، إذ يجد المضطرون إليها أنفسهم مندفعين بلا تفكير في المآلات، بعد أن يكونوا قد يئسوا من كل سبل الإصلاح الأخرى، وبعد أن تتساوى لديهم الحياة مع الموت، فلا يرهبون سجنا أو حتى قتلا.

ثورات عربية ناقصة

كل شعوب العالم مرت بثورات كاملة أو جزئية عبر تاريخها، ولم تكن منطقتنا العربية والإسلامية بمنأى عن ذلك، فواحدة من أهم ثلاث ثورات عالمية كبرى كانت هي الثورة الإيرانية (الأخريان كانت الفرنسية والروسية)، والعديد من دولنا العربية شهدت ثورات أيضا، مرة أو مرات عبر تاريخها، لكن الملاحظة الرئيسية هنا أن كل الثورات العربية كانت أنصاف أو أشباه ثورات، ولم تكن ثورات كاملة، ولم تحقق كل ما قامت من أجله بل جزءا منه، ناهيك عن الانقلابات السريعة عليها، ودعك بطبيعة الحال من الانقلابات العسكرية التي حملت ظلما اسم الثورات!!

في الربع الأول من القرن العشرين، اندلعت ثورات عدة في منطقتنا، كانت بدايتها بالثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية بعد أن تولى قيادتها قوميون أتراك أزاحوا مبادئ الأخوة الإسلامية مع العرب، وأحلوا محلها سياسات “تتريك”، وتجنيد إجباري ومصادرة الأملاك والأرزاق مما تسبب في مجاعة 1915، وقاد تلك الثورة أشراف الحجاز عام 1916، ومنه انتقلت إلى الدول العربية الأسيوية الأخرى، لا ننكر الدور الاستعماري الأوربي خاصة البريطاني في تأجيج تلك الثورة للانتقام من الدولة العثمانية، لكن لا يمكن أيضا إنكار السياسات التركية القومية الغشيمة التي وفرت البيئة المناسبة لذلك الانفجار الذي انتهى بانسحاب الأتراك من تلك الدول، ولكن حل محلهم الاستعمار الأوربي للأسف الشديد.

بين الأعوام من 1919 حتى 1925، شهدت المنطقة العربية موجة ثورات شعبية بدأت بالثورة المصرية في مارس/آذار 1919 بقيادة سعد زغلول ورفاقه، ونجحت “جزئيا” وبعد 3 سنوات من اندلاعها في تحقيق شعارَيها المعلنَين، وهما الاستقلال والدستور، فقد صدر تصريح من المستعمر البريطاني في 28 فبراير/شباط 1922 يمنح مصر استقلالا منقوصا احتفظ فيه المستعمر ببقاء قواته في بعض المناطق، وحقه في التدخل عند اللزوم، كما نجحت الثورة في إنجاز أعظم دستور في حينه وهو دستور 1923، ولكنه لم يعمر كثيرا، إذ تم إلغاؤه عام 1930 (وإن أعيد العمل به بعد 1935 حتى قيام حركة 23 يوليو/تموز 1952). وفي موازاة ثورة 1919 المصرية أو تأثرا بها، شهد العام التالي 1920 أربع ثورات في فلسطين وسوريا والعراق والريف المغربي، كما تأثرت بها ثورة السودان 1924، والثورة السورية الكبرى 1925، وكل تلك الثورات كانت انفجارات شعبية في وجه الاستعمار البريطاني والفرنسي بشكل أساسي، ولكنها لم تحقق الاستقلال المنشود رغم ما قدّمته من تضحيات، لكنها على كل حال رفعت الوعي الشعبي بحق الاستقلال، الذي ظل هدفا واضحا حتى تحقق لاحقا.

ربيع عربي في موجتين

في الموجة الأشهر للربيع العربي عام 2011، التي بدأت بالثورة التونسية ثم المصرية فالليبية واليمنية وأخيرا السورية، تنوعت نتائج تلك الموجة، إذ نجحت سريعا في تونس ومصر بسبب عنصر المفاجأة، وتمكنت من إطاحة رأسَي النظامين المصري (مبارك) والتونسي ( بن علي) في حين استمرت وقتا أطول في ليبيا حتى تخلصت من القذافي، وفي اليمن حتى تخلصت من عبد الله صالح، لكنها تعثرت في سوريا حتى هذه اللحظة، وفي المجمل فإن تلك الموجة تعرضت جميعها لثورات مضادة قضت على ما تحقق من مكاسب، في مجال الحريات العامة والتداول السلمي للسلطة، وأدخلتها في حروب أهلية داخلية كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا.

تكرر الأمر مع الموجة الثانية التي انطلقت من السودان في ديسمبر/كانون الأول 2018، ثم الجزائر في فبراير/شباط 2019، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019 بكل من لبنان والعراق، وقد نجحت أولاها في إطاحة نظام البشير ولا تزال متعثرة في إرساء حكم مدني حتى اللحظة، في حين نجح حراك الجزائر في إنهاء حكم الرئيس السابق بوتفليقة، مع تحسينات سياسية شملت إنتاج دستور جديد، وانتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، لكنها لم تُنهِ تحكّم الجيش في العملية السياسية.

الإصلاح قرار والثورة اضطرار

الإصلاح قرار، يحقق التغيير المطلوب بشكل سلمي، ويجنب البلاد والعباد الكثير من الأخطار، أما الثورة فهي اضطرار، يقوم بها طيف واسع من الشعب، ممن يشعرون بمظالم، وانسداد الأبواب أمامهم لاقتضاء حقوقهم، هذه الفئات تشمل ناشطين سياسيين، وفئات اجتماعية مختلفة مهمشة وغير مهمشة. وحين تندلع الثورة فلا يستطيع الساسة -وهم أعقل فئاتها- التحكم فيها، فتحدث أعمال سرقة ونهب، وتحطيم للمنشآت، بدافع الثأر، أو التخريب أو السرقة، أو تحرير سجناء سياسيين أو جنائيين إلخ، والمسؤولية في هذا كله تقع على عاتق السلطة المستبدة التي أغلقت المجال السياسي، وأغلقت كل منافذ التعبير السلمي عن الرأي، ودفعت الناس دفعا إلى الانفجار.

الطريق الأسلم للتغيير في المنطقة العربية هو الإصلاح السياسي الجذري، ويمكن عقد مؤتمرات حوارات وطنية حقيقية في الدول العربية تضم ممثلي الشعب من قوى سياسية واجتماعية ونقابية ودينية وثقافية وشبابية ونسائية إلخ، مع ممثلي القوة الصلبة والحاكمة في تلك الدول سواء كانت عائلات حاكمة أو جيوش، وقوى أمنية للوصول إلى خارطة طريق للإصلاح السياسي وفق جدول زمني مقبول ينتهي بالوصول إلى حكم مدني رشيد، يخضع للمساءلة، والتداول السلمي للسلطة.. وإلا فإن البديل الحتمي هو الانفجارات الثورية.

المصدر : الجزيرة مباشر