ربما ضل كيليتشدار أوغلو طريقه حقًّا.. ما يدريكم؟!

كمال كيليتشدار أوغلو

 

زيارة زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، جاءت مليئة بالأحداث الغريبة من بدايتها إلى نهايتها، فسرعان ما تحولت إلى حدث مؤسف لم يكن في الحسبان. فمن الواضح أنها كانت زيارة تفتقر إلى التخطيط المناسب بل كانت أقرب إلى العشوائية، ولم تكن مدروسة من حيث التوقيت والظروف وترتيب اللقاءات. وربما يشعر كيليتشدار أوغلو الآن بعد تلك التجربة الفاشلة، بالاستياء الشديد تجاه الذين أقنعوه بتلك الزيارة ورتبوها له، لأنهم وضعوه في موقف سيئ للغاية لا يُحسَد عليه.

وجدير بالذكر أنه ليس من السهل على زعيم حزب معارض مقابلة مسؤولين كبار بالحكومة الأمريكية، ولكن كان بمقدوره مقابلة أعضاء عدد من مراكز الثقافة ومؤسسات المجتمع المدني على الأقل، إلى جانب فرصة عقد مزيد من اللقاءات مع أفراد الجالية التركية هناك، إذ تمثل الجالية التركية في الولايات المتحدة كتلة لا يستهان بها من المواطنين الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المرتقبة. وكان لقاؤه معهم لعرض رؤيته للانتخابات المقبلة أمرًا ليس عليه أي غبار، ولا يمكن لأحد أن ينتقده على ذلك. ولقد كان بمقدوره في تلك الزيارة الخروج بنتائج أكثر تأثيرًا، لو تمكن الفريق المنظم للزيارة من توفير عدد من اللقاءات مع السياسيين الأمريكيين، بدلا من البحث عن مشروعية له لدى الولايات المتحدة، لا سيما بعد فشله في الحصول على ذلك من المواطنين الأتراك.

الساعات الثماني الغامضة

وبغض النظر عن كل هذا التخبط، فإنهم لم يتمكنوا من المحافظة على الاجتماع المخطط له مسبقًا مع السياسي الأمريكي اليساري السيناتور بيرني ساندرز، والحيلولة دون إلغائه. وليس ذلك فحسب، فإن مسافة الساعات الثماني الغامضة في رحلة كيليتشدار أوغلو ثم إلغاء تذكرة الطائرة التي تم حجزها له بناء على ترتيبات مسبقة، وتخطي الصحفيين وعدم السماح لهم بحضور الاجتماع، قد تحولت إلى القصة الرئيسية المصاحبة للرحلة المخيبة للأمل. وفي الحقيقة، فإن ما ينبغي أن يثير قلق كيليتشدار أوغلو ويثير اهتمامه هو تسرب خبر اختفائه عن الأنظار لمدة 8 ساعات ووصوله إلى الصحافة بسرعة.

كل تلك التخبطات -بجانب سوء التخطيط والتسريب السريع- تدل على وجود مؤامرة حقيقية ضده، وأن هناك جهودًا حثيثة لتشويه سمعته. ويبدو أن هناك مشكلة داخل حزبه أكثر ضراوة وغليانًا مما بينه وبين رفاقه في الأحزاب المشاركة في الطاولة السداسية، الذين لم يستطع إقناعهم بترشحه، ولم يستطيعوا هم إقناعه بالعدول عن مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، ويجب على كيليتشدار أوغلو ألَّا يتجاهل هذا الأمر.

والآن يتساءل الجميع عن حقيقة هذه الساعات الثماني الضائعة من زيارة كيليتشدار أوغلو إلى الولايات المتحدة، وحتى الآن لم تلاقِ تعليقاته وتوضيحاته عن ذلك أي رضا. فمهما قال، فهناك الكثير من السيناريوهات والتصورات التي يمكن أن تكون وراء اختفائه عن الأنظار، وكلها تنطلق من زوايا مختلفة تبعًا لفكر صاحبها ورؤيته.

وقد ذكّرني ذلك الموقف بقصة مماثلة رواها أحد الأصدقاء من قبل، وربما تساعد هذه القصة كيليتشدار أوغلو في التعبير عما يريد بيانه حول ذلك الموضوع. ولا بأس فلنقدّم له شيئًا من الدعم في هذا الصدد لعله يجد مخرجًا يحفظ ماء وجهه:

من أجل رؤية الحقائق بوضوح، في بعض الأحيان، قد نحتاج إلى أن ننحي جانبًا ما نعتقده من نظريات ومفاهيم وحتى الانطباعات التي اكتسبناها من تجاربنا السابقة، لأن نظرياتنا ومفاهيمنا حول الأشياء والأفكار وتفسيرها غالبًا ما يكون هو المانع من رؤيتنا للحقيقة، إذ تمثل تلك المفاهيم والنظريات ساترًا بيننا وبين الواقع، وتُظهِر الحقيقة لنا على غير صورتها.

السر في رفع المدفأة!

هيا بنا إلى القصة التي تتحدث عن فريق من العلماء المتخصصين في العلوم الاجتماعية بشتى فروعها، حينما ذهبوا إلى مدينة أرضروم لإجراء بعض الدراسات حول العلوم الاجتماعية في هذه المنطقة. وكان من شروط الدراسة أنه على كل فرد من أفراد الفريق أن يشرح ويفسر ما يراه من ظواهر انطلاقًا مما تعلّم من النظريات في إطار تخصصه العلمي.

ويا لها من مغامرة، فما أن وصل أعضاء الفريق إلى أرضروم حتى كان في استقبالهم يوم شتوي قارس البرودة كالزمهرير، والثلج يغطي جميع الأرجاء كما هو معهود في الشتاء بتلك المدينة. وصل هؤلاء العلماء بعد عناء شديد إلى أحد المنازل المزودة بمدفئة بالفحم ينبعث منها دخان، فاستقبلهم المضيف في منزله، وأول ما لفت انتباه الجميع بمجرد دخولهم إلى المنزل، هو وجود مدفأة في منتصفه تم إعدادها لتكون مرتفعة عن الأرض، ووُضعت تحتها دعامات لرفعها. وبمجرد حصولهم على قسط من التدفئة، بدؤوا جميعًا تفسير هذا الموقف الغريب الذي جذب انتباههم وحاول كل منهم تقديم تفسير له بطريقته الخاصة بناء على معطيات تخصصاتهم. وتظهر غرابة الموقف في السبب وراء رفع المدفأة عن الأرض، لأن جزءًا من الحرارة المنبعثة من المدفأة يُفقد نتيجة رفعها عن الأرض، وهذا أمر بدهي، فلماذا رفعها؟

بدأ عالم الاجتماع بالفريق توضيح وجهة نظره عن هذا الأمر، فذكر أن أرضروم متأثرة بالتاريخ والثقافة الفارسية بسبب قربها الجغرافي من إيران، وبالتالي فإن إبقاء النار عاليًا هو تعبير عن احترام النار وتقديسها. وعلى أي حال، فإن ذلك التفسير يُعَد منطقيًّا إلى حد كبير، لأنه من المعتاد في الثقافة الإسلامية وضع الأشياء المقدسة عاليًا.

أما عالم الأنثروبولوجيا (الإنسان) فرغم اتفاقه مع هذا الرأي، فإنه ذكر أن الناس يطورون الثقافة التي تناسب وضعهم عن طريق تفاعلهم مع الطبيعة، وأضاف أن هناك انسجامًا بين المواد المستخدَمة للبناء في هذه المناطق واستخدام النار. لذلك، يؤكد رأيه أنه لا ينبغي لنا ربط عادات استخدام الموقد أو التدفئة التي اعتدنا عليها بالثقافات الأخرى.

وقدَّم العالِم المتخصص في تاريخ الأديان تفسيره، وأوضح الخبير الاقتصادي بالفريق تفسيرًا آخر من وجهة نظر تخصصه، وصاحب البيت يقف مشدوهًا ينظر إليهم في حيرة من وقت إلى آخر، وسرعان ما يبادر أحد أعضاء الفريق بطرح سؤال منطقي في هذا السياق على صاحب البيت، قائلًا “ممّن تعلمت هذه الطريقة لتثبيت المدفأة؟ وعن أي ثقافة أخذتها؟”، ويبدأ صاحب البيت جوابه بخجل وبنبرة من التردد والقلق أمام تلك التفسيرات التي وإن كانت مألوفة بين المتخصصين في الموضوعات العلمية فإنها في غاية الغرابة، فقال “أيها السادة، لا أعرف ماذا أقول لكم، فعندما كنت أستمع لحديثكم، كنت مرتبكًا للغاية، وسألت نفسي لماذا قمت بإنشاء المدفأة على هذا النحو، لكن الحقيقة هي أنه عند تثبيت المدفأة، لم يكن طول الأنبوب الذي يصلها بالمدخنة كافيًا، ولهذا السبب وضعت دعامات لها من الأسفل لترفعها فأستطيع إيصالها بالأنبوب”.

في غاية البساطة

بالطبع، هذا هو المثال الأكثر طرافة وكوميدية للوضع الذي يمكن أن تقع فيه جميع التفسيرات النظرية أو التآمرية لموقف ما من وقت إلى آخر. ففي بعض الأحيان يكون الأمر في غاية البساطة، إذ لم يكفِ طول الأنبوب فقط، ويكون ذلك سبب حدوث الأشياء بكل وضوح.

ربما يكون زعيم المعارضة كيليتشدار أوغلو قد ضل طريقه حقًّا وبكل بساطة، وربما استغرق طريقه وقتًا أطول من اللازم بسبب حادث ما في الطريق أو أزمة مرورية، وربما رآه مواطن تركي وتبادل معه أطراف الحديث لمدة ما في مطعم للهامبرغر أو غيره، وخاصة إذا كان الموضوع يتعلق بالرئيس رجب طيب أردوغان، فحينها يتحدث كيليتشدار أوغلو ساعات دون كلل ودون أن ينتبه إلى الوقت، أو ربما يكون الشخص أو الأشخاص الذين التقى بهم في طريقه أو في أحد مطاعم الهامبرغر لديهم الكثير من القصص التي يرغبون في الحديث عنها معه. وباختصار، ربما لم يكن طول الأنبوب كافيًا، أو أن كيليتشدار أوغلو قد ضل طريقه حقًّا، وطوال هذه الساعات كان يحاول إيجاد طريقه.. ما يدريكم؟!

المصدر : الجزيرة مباشر