كسر الحاجز النفسي وحروب الوعي الإسرائيلية

الطيران الحربي يحلق فوق ميدان التحرير بمصر في احتفالات بانتصار أكتوبر (2013)

 

منذ الإعلان عن قيام دولة للاحتلال الإسرائيلي الغاصب على أرض فلسطين عام 1948، والعداء لإسرائيل مستأصل في نفوس العرب.

وقد تشكل الوعي العربي وترسّخ الحاجز النفسي تجاه الاحتلال الإسرائيلي عبر مراحل متتالية، منذ نكبة فلسطين، ومرورا بهزيمة يونيو/حزيران 1967، ثم نصر أكتوبر المجيد 1973 الذي انتشل الأمة من كبوتها، ثم حروب إسرائيل في لبنان، وحروبها على غزة، وجرائمها التي لا تتوقف ضد الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا.

وعلى مدار عقود لم تحظ إسرائيل يوما بقبول شعبي منذ نشأتها، رغم المحاولات المستميتة على الأصعدة كافة، ومحاولات العبث المستمرة بالوعي العربي لكسر الحواجز النفسية لدى الشارعَين المصري والعربي.

فالعداء لإسرائيل في الشارع المصري تحديدا صنعته أربع حروب خاضتها مصر خلال القرن العشرين ضد إسرائيل، راح ضحيتها آلاف الشهداء من المصريين، ولم يستطع سلام نظام الحكم وتطبيعه إطفاء جذوته المستعرة، فالمصريون ومعهم عموم الشعوب العربية ما زالوا ينظرون إلى إسرائيل على أنها العدو الاستراتيجي، والتهديد الأكبر للأمن القومي العربي، رغم تطبيع الأنظمة.

أفيخاي أدرعي وتغريدة ذكرى حرب أكتوبر

منذ سنوات، ومع حلول ذكرى حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، يُعيد “أفيخاي أدرعي” الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي باللغة العربية وللإعلام العربي كل عام كتابة التغريدات نفسها بهذه المناسبة على صفحته الشخصية في تويتر وفيسبوك، إذ يقول فيها “السادس من أكتوبر: الحرب التي بدأت بمفاجأة كبيرة وانتهت بنصر عسكري إسرائيلي وفتحت أبواب السلام مع أعظم دولة عربية”، حسب قوله. ويواصل أدرعي بعد ذلك تغريداته التي يدعي فيها انتصار الاحتلال الإسرائيلي.

وقد كان حجم المتابعين العرب والمصريين كبيرا، وردّوا بتعليقات ساخرة على أفيخاي أدرعي. ورغم أن ردود وتعليقات المتابعين لصفحة أدرعي تعكس وعي قطاع كبير منهم ورفضهم لما يكرر كتابته، فإنها -من جانب آخر- عكست بوضوح أن صفحة المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي يتابعها كثير من العرب والمصريين، بل وتتناول وسائل إعلام مصرية وعربية أخبارا عنها.

حضور إسرائيلي على مواقع التواصل الاجتماعي

لقد كان لافتا تمدّد صفحة المتحدث الإسرائيلي باللغة العربية، وغيرها من الصفحات الإسرائيلية الموجهة بالعربية، بين أوساط المتابعين العرب والمصريين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وإن كان من ملاحظة حول هذا العدد الضخم من المتابعين المصريين والعرب لصفحة المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي وغيرها من الصفحات الرسمية الإسرائيلية، فإنه يمكن القول إن إسرائيل نجحت عبر وسائل التواصل الاجتماعي في طرح نفسها وتعظيم حضورها على الساحتين المصرية والعربية، وحققت ما لم تستطع تحقيقه عبر الوسائل التقليدية، وشنت حروب وعي على المصريين والعرب، مستخدمة في ذلك أحدث وسائل الحرب النفسية عبر الإعلام الرقمي.

الحرب النفسية الإسرائيلية

وفي محاولة لتفكيك استراتيجية إسرائيل للإقناع وشن الحروب النفسية، أشارت الباحثة المتخصصة في تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الدكتورة رانيا فوزي محمد حسن، في كتابها “الحروب النفسية الإسرائيلية استراتيجيات الإقناع في الإعلام الرقمي” الصادر عن العربي للنشر والتوزيع، إلى أن دوائر صُنع القرار الإسرائيلية استثمرت ظهور الإعلام الرقمي في أواخر القرن العشرين لتطوير استراتيجية إسرائيل لاختراق الشعوب العربية والإسلامية، إذ وظفت مواقع التواصل الاجتماعي للتأثير في وعي الجماهير العربية المستهدَفة، وتغيير قناعاتها العدائية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وشرعنة وجوده في المنطقة. ونتيجة تأكد إسرائيل من عدم نجاعة الدبلوماسية التقليدية بمفردها في تحقيق الأهداف الإسرائيلية المرجوة بالتواصل مع الشعوب العربية وتحسين الصورة، وظفت دوائرُ صنع القرار الدبلوماسيةَ الرقمية لتحقيق هذا الغرض.

الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية

وأكدت الباحثة رانيا فوزي في كتابها أنه بعد اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، عمدت إسرائيل إلى وضع استراتيجية إعلامية جديدة تقوم على توظيف علم الهندسة الاجتماعية للتأثير في الجمهور المستهدَف من العرب عامة والمصريين على وجه الخصوص، نتيجة للدور المهم الذي أدته مواقع التواصل الاجتماعي في اندلاع ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011.

وأوضحت أن الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية لا تعتمد لتحقيق هذا الهدف على وزارة الخارجية فحسب للتأثير الثقافي والفكري في حياة المجتمعات العربية، بل إن المساهمة الأكثر فعالية فيها تقع على عاتق الجيش الإسرائيلي، إذ تمكنت صفحة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للعالم العربي على فيسبوك من جذب أكثر من 1.3 مليون متابع عربي.

وذكرت الباحثة أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أُدرِجت في المركز الرابع عالميا من حيث فرص التواصل معها، بعد حصولها على ما لا يقل عن 220 مليون تعليق عبر منصاتها العربية المختلفة.

كسر الحاجز النفسي

وحول كسر الحاجز النفسي تجاه إسرائيل، لفتت الدكتورة رانيا فوزي في كتابها إلى أن الصفحات الرسمية الإسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي استخدمت استراتيجيات إقناعية في خطابها الإعلامي، تعتمد الاستمالات العاطفية تارة والعقلانية والترغيب تارة أخرى، لدفع الأجيال الصاعدة من الشباب المصري إلى نسيان الحروب الماضية، خاصة حرب أكتوبر المجيدة، وتشكيكهم في انتصار الجيش المصري على الجيش الإسرائيلي، واعتبار السلام مصلحة مشتركة قد تجلب عليهم نفعا اقتصاديا في المستقبل، والتأكيد أن الحرب بين البلدين هي التي أفضت إلى السلام ووضعت نهاية للحروب الكبرى بالمنطقة، بهدف إقناع الشباب المصري من رواد الشبكات الاجتماعية بنسيان فكرة احتمال تجدد الحرب مستقبلا بين إسرائيل ومصر، بما قد يدفعهم إلى كسر الحاجز النفسي مع الإسرائيليين، والقبول بفكرة التطبيع والذهاب إلى إسرائيل واستقطاب البعض منهم وتجنيدهم عملاء للموساد.

 

ذاكرة الصراع التي يجب أن تُشحذ

مما لا شك فيه أن عنصر الزمن وتباعد الأجيال له تأثيره على ذاكرة الأحداث، ولذلك فإن ذاكرة الصراع مع العدو الإسرائيلي في حاجة إلى أن تشحذ، فهناك كثير من أبناء مصر والأمة العربية لم يعايشوا حربا من حروب الأمة ضد إسرائيل، ومنهم من لا يعرف شيئا عن نصر أكتوبر المجيد.

وإذا أضفنا إلى ذلك تراجع المنظومة التعليمية في مصر وكثير من الدول العربية، وتدني وشُح ثقافة بعض الشباب من الجيل الحاضر حيال الصراع الإسرائيلي العربي، وميلهم إلى الازدواجية في المعايير، ناهيك عن المعاناة من الإحباط والتراجع الاقتصادي وغياب الحريات، فإنه يمكن القول إن بابا مفتوحا على مصراعيه لتحقق إسرائيل أهدافها، ولخلخلة وعي أبناء هذه الأمة وهويتهم، وإفقاد الأمة ذاكرتها الحية تجاه الصراع مع إسرائيل، وهدم الحواجز النفسية تجاه العدو الاستراتيجي، وضرب الأمن القومي المصري والعربي في مقتل.

ختاما

إن كسر الحاجز النفسي وخلخلة الوعي تجاه العدو الاستراتيجي يُعَد أخطر ما يمكن أن تتعرض له الشعوب العربية، لأن ذلك يعني هزيمة للأمة ونصرا لعدوها. وإن الواقع يؤكد أن حربا جديدة غير تقليدية تدار منذ عقود ضد الأجيال المتعاقبة في هذه الأمة لكسر الحاجز النفسي تجاه الاحتلال الإسرائيلي. إن العدو لم يتراجع عن تنفيذ مخططاته وتحقيق أهدافه، ولا بد من النزال ضده على الوعي في معركة محتدمة، لأن الأمة أصبحت في موقع الخطر المباشر.

المصدر : الجزيرة مباشر