كيف غطت وسائل الإعلام الحرب الروسية الأوكرانية.. ولماذا تجاهلت الدور التركي؟

أردوغان وبوتين

 

شكلت الحرب الروسية الأوكرانية فرصة لمراجعة الكثير من النظريات التي تفسر دور وسائل الإعلام ووظائفها، كما أنها يمكن أن تفتح المجال لمرحلة جديدة من الكفاح ضد السيطرة الأمريكية على النظام الإعلامي العالمي.

ذلك أن هذه الحرب ستؤدي إلى تغيير النظام العالمي كله، وستصيب شظاياها كل الدول التي ينزف الكثير منها الآن دماء ساخنة، دون أن تهتم بذلك وسائل الإعلام التي تركز على التغطية السريعة للأحداث.

إعادة تقييم التغطية

منذ بداية الحرب، قام الكثير من وسائل الإعلام بتعيين مراسليها في المدن الأوكرانية الرئيسية لتصوير الأحداث بشكل مباشر، وشاركت الوسائل الإعلامية (الصحافة وقنوات التلفزيون والمواقع الإلكترونية) في تقديم تغطية مكثفة للجمهور في كل أنحاء العالم.

وفي الوقت ذاته، استخدم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسائل التواصل الاجتماعي -مثل تيك توك وتليغرام وتويتر- في تصوير المذابح التي ترتكبها القوات الروسية، وبطولات الأوكرانيين في المقاومة، وأثّر ذلك في اتجاهات الشعوب الأوربية التي اعتبرت أن الأوكرانيين ينتمون إليها، وافتخرت بمقاومتهم وبطولتهم، وأدي ذلك إلى زيادة الضغوط على الحكومات الأوربية لتقديم السلاح لهم، واستقبال المهاجرين منهم.

حدود التغطية واحتياجات الجمهور

لذلك تزايدت حاجة العالم إلى دراسات علمية لتغطية وسائل الإعلام للحرب الروسية الأوكرانية، فقام معهد رويترز بالاشتراك مع جامعة أكسفورد بإجراء دراسة استطلاعية على عينة شملت ألف مفردة من خمس دول هي المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبولندا والبرازيل خلال الفترة من 29 مارس/آذار حتى 7 أبريل/نيسان 2022.

وكان من أهم نتائج الدراسة أن أغلبية الجمهور يتابعون باهتمام أخبار الصراع لأن له نتائج سلبية على العالم كله، لكن معدل الاهتمام كان أعلى في ألمانيا لأنه يؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين العاديين خاصة بمجال أسعار الطاقة.

مع ذلك كان معدل اهتمام الجمهور بمتابعة أخبار الصراع عاليا حتى في البرازيل البعيدة عنه.

عبر قنوات التلفزيون

أوضحت الدراسة أيضا أن قنوات التلفزيون ما زالت هي الوسيلة المفضلة للجمهور لمتابعة أخبار الحرب في كل دول العالم.

وهذا يعني أننا يجب أن نبحث: كيف نطور تغطية التلفزيون لأحداث الصراع، والوظائف المجتمعية للتلفزيون باعتباره الوسيلة الأكثر تأثيرا.

الحاجة إلى الشرح والتفسير

لقد أوضحت الدراسة أن الأغلبية تري أن وسائل الإعلام قامت بدور مهم في تغطية الأحداث بشكل سريع، ووفرت المعلومات للجمهور عن سير العمليات العسكرية، لكنها لم تقم بشرح أسباب الصراع وتفسيرها، وعرض الأحداث من مناظير مختلفة.

إدانة روسيا

هذه التغطية أدت إلى إدانة واسعة لروسيا، وتشكيل صورة سلبية لها تقوم على انتهاكها لحقوق الإنسان، فهي السبب في مأساة المهاجرين الأوكرانيين في أوربا الذين بلغ عددهم ستة ملايين.

وبمقارنة تغطية وسائل الإعلام للحرب الروسية الأوكرانية بتغطيتها للكثير من الصراعات في العالم -مثل العدوان الأمريكي على أفغانستان والعراق- يتضح أن وسائل الإعلام تعرض المنظور الغربي للأحداث، وأنها متحيزة للرؤية الغربية، وأن الجماهير لا تحصل على صورة شاملة لأحداث العالم يمكن أن تسهم في زيادة وعيها وقدرتها على تحقيق التغيير.

كما يوضح الكثير من الدراسات أن وسائل الإعلام تركز على المصادر الغربية، وهذا يزيد قوة أمريكا وقدرتها على إدارة الصراع العالمي.

العالم يحتاج إلى تغطية جديدة

إن العالم يحتاج إلى نوعية جديدة من التغطية المتعمقة تقوم على عرض المناظير المختلفة وتفسير الأحداث وتوقع نتائجها، فالتغطية التي تحتاج إليها الجماهير يجب أن تكون أكثر وضوحا، وأن لا تقتصر علي المعلومات فقط، وأن تكون من مصادر متعددة ومتنوعة.

كما أن التغطية الحالية التي تقدمها وسائل الإعلام يمكن أن تؤدي في المستقبل إلي زيادة سخط الجماهير على هذه الوسائل لأنها متحيزة للمنظور الأمريكي، وتستخدمها أمريكا في إدارة الصراع.

التعتيم على الدور التركي

هناك الكثير من الأحداث المهمة التي تجاهلتها وسائل الإعلام، مثل الدور التركي في البحث عن حل سلمي للصراع يمكن أن يحمي العالم من التعرض لكارثة نووية. فقد قامت تركيا بجهود متواصلة لإجراء مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين روسيا وأوكرانيا، ونجحت في التوصل إلى اتفاق يضمن تصدير الحبوب لإنقاذ الكثير من الدول من خطر المجاعة، وارتفاع أسعار الحبوب.

فلماذا تجاهلت وسائل الإعلام هذا الدور، ولم تقدّم تغطية تتناسب مع أهمية الحدث وتأثيره العالمي؟!

مخاطر الإدارة الأمريكية للصراع

إن هذا يمكن أن يكشف لنا الكثير من الحقائق، ويطرح الكثير من الأسئلة الجديدة، من أهمها أن هناك من يريد أن يستمر هذا الصراع، وأن يستثمره لتحقيق مصالحه، وأنه لا يهمه أن يتعرض العالم لأزمة اقتصادية أو حتي لكارثة نووية.

والذي يريد أن يستمر الصراع هو من يسيطر على النظام الإعلامي العالمي، ويستخدمه في ادارة الصراع، وفي حرمان الجمهور من معرفة الدور التركي في البحث عن حل سلمي للصراع، وإنقاذ العالم.

وعي الشعوب الأوربية

لكن لماذا يتم تجهيل الجمهور، وعدم تغطية هذا الحدث؟!

إن الشعوب الأوربية أصبحت تدرك خطورة استمرار الصراع، والنتائج الكارثية التي يمكن أن تتعرض لها، ومن أهمها تزايد التضخم، وعدم قدرة الدول الأوربية على الحصول على الغاز، ولذلك فإن هذه الشعوب يمكن أن تضغط على حكوماتها لقبول أي حل سلمي للصراع، كما يمكنها أن تشعر بفضل تركيا على العالم، وتبني لها صورة إيجابية تقوم على أنها تعمل لإنقاذ العالم من الكوارث الاقتصادية والنووية.

رأي عام يفضل الحل السلمي

إن الشعوب الأوربية يمكن أن تشكل رأيا عامّا مؤيدا لأي حل سلمي، حتى لو كان يقوم على تنازل أوكرانيا عن جزء من أراضيها لروسيا.

والشعوب الأوربية تدرك خطورة أن يتعرض بوتين لهزيمة يمكن أن تجعله يشعر بالذل، فهو يمكن أن يستخدمها في تدمير العالم الذي يري أنه لا قيمة له إن لم يكن لروسيا مكان فيه.

حكمة تركيا وقوتها الدبلوماسية

ومن الواضح أن تركيا تستخدم قوتها الدبلوماسية انطلاقا من إدراكها لدورها ومكانتها العالمية ووظيفتها الحضارية، لذلك فإنها يمكن أن تقوم بدور الوساطة، ونقل الرسائل، والبحث عن وسائل لإجراء المفاوضات.

لكن دورها الدبلوماسي يحتاج إلي أن تقوم وسائل الإعلام بتغطيته، وتوعية الجمهور به خاصة في أوربا.

وهذا يوضح أهمية الدبلوماسية الإعلامية، واستخدام الدول لوسائل الإعلام في شرح الأحداث للجمهور وتوعيته، وتشكيل الرأي العام الذي يمكن أن يضغط على صناع القرار للتوصل إلى حلول سلمية للصراعات.

وسائل الإعلام الأوربية تتجاهل الدور التركي.. لماذا؟!

لكن لماذا تجاهلت وسائل الإعلام الأوربية الدور التركي، وجهود تركيا الدبلوماسية على الرغم من أن الشعوب الأوربية كلها صاحبة مصلحة في التوصل إلى حل سلمي لهذا الصراع يجنبها الكثير من المآسي والكوارث التي يمكن أن تتعرض لها خاصة بعد أن فشلت جهود كل الدول الأوربية في الحصول على بديل للغاز الروسي؟!

وهذا يثير سؤالا آخر: ما مدى الحرية التي تتمتع بها وسائل الإعلام الأوربية ؟! فكل دول أوربا تفخر بحرية إعلامها، لكن هل يمكن أن يتفق ذلك مع قيام هذه الوسائل بتجاهل أحداث مهمة يمكن أن تسهم في انقاذ العالم ؟ وهل أصبحت وسائل الإعلام الأوربية تابعة لأمريكا مثل وسائل إعلام دول الجنوب الفقيرة؟!

نظام إعلامي جديد.. لماذا؟

هذه التساؤلات يمكن أن تفتح لنا المجال لمناقشة جديدة حول النظام الإعلامي العالمي، والسيطرة الأمريكية على تدفق الأنباء، والبحث عن وسائل جديدة لحماية حق الجمهور في المعلومات والمعرفة، وضمان حق الاتصال لكل الشعوب.

كما يوضح ذلك أن العالم يحتاج إلى وسائل إعلامية جديدة تغطي له الأحداث من مصادر متعددة ومتنوعة، ومن مناظير مختلفة، وإدارة مناقشة حرة حول هذه الأحداث.

وإذا كانت الشعوب الأوربية هي صاحبة المصلحة في نجاح الدور التركي في البحث عن حل سلمي للصراع، فإنها أيضا تحتاج إلى وسائل إعلامية حرة توفر لها المعرفة عن هذا الدور، وتعبئ الجماهير لمساندته.

ومن حق الجماهير أيضا أن تعرف القادة الذين يمتلكون رؤى ومشروعات حضارية يمكن أن تنقذ البشرية من الكوارث.

والرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائد يمتلك الحكمة والرؤية والمشروع الحضاري، ومن حق شعوب العالم أن تعرفه، وأن تحصل على تغطية إعلامية لجهوده من أجل التوصل إلى حل سلمي للصراع، وإنقاذ العالم.

المصدر : الجزيرة مباشر