مصالحات فلسطينية شكلية إرضاء للوسطاء

 

لم يكن اتفاق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية الموقّع في الجزائر يوم 13 أكتوبر تشرين أول الجاري هو الأول من نوعه، ولن يكون الأخير أيضًا، فقد سبقه العديد من الاتفاقات المشابهة التي فشلت قبل أن يجف مدادها، والتي تحطمت على صخرة تباين حقيقي في المواقف بين من يقبل الحلول الجزئية وفقًا لاتفاق أوسلو، وما أنتجه من استحقاقات القبول بجزء يسير من الأرض تحت حكم ذاتي منقوص والتعاون الأمني الكامل مع دولة الاحتلال، ومن لا يزال متمسكًا بتحرير فلسطين وإقامة دولة مستقلة كاملة السيادة عاصمتها القدس.

اتفاق الجزائر كان ترضية للرئيس عبد المجيد تبون الذي يسعى للعب دور قيادي عربي غابت عنه الجزائر كثيرًا بسبب مشاكلها الداخلية، والذي يستعد لاستضافة القمة العربية مطلع نوفمبر تشرين أول المقبل، وبجانب الترضية للدولة المضيفة فإن الأطراف المشاركة في جلسات الحوار تريد الحفاظ على علاقة ودية مع الجزائر، وهي الدولة الأكثر تعاطفًا مع القضية الفلسطينية في الوقت الحالي رغم أنها ليست من دول الجوار، كما يأمل كل من طرفي التفاوض الفلسطيني أن يحافظ على مصادر الدعم الواردة من تلك الدولة.

هل تجري الانتخابات خلال عام؟

قراءة سريعة لنص إعلان الجزائر تشي بأنه مجرد توصيات شكلية روتينية تضمنتها الاتفاقات السابقة كلها تقريبًا، وحتى النص العملي الوحيد الخاص بتحديد سقف لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال عام لن يتحقق، ولن يحرص طرفا المصالحة فتح وشركاؤها من ناحية وحماس وشركاؤها من ناحية أخرى على تنفيذ هذه الانتخابات، ففتح وشركاؤها في منظمة التحرير يخشون أن تأتي الانتخابات بحماس وشركائها مجددًا كما حدث في انتخابات 2006، وحماس وشركاؤها يدركون أن الانتخابات فخ لإنهاء المقاومة، والدخول في مساومات ودهاليز السياسة التي لم تأت بخير للقضية الفلسطينية.

نصوص اتفاق الجزائر هي نفسها التي تضمنتها الوثائق كلها منذ العام 2005، مثل التأكيد على أهمية الوحدة الوطنية أساسًا للصمود والتصدي، ومقاومة الاحتلال لتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني، واعتماد لغة الحوار والتشاور لحل الخلافات على الساحة الفلسطينية، بهدف انضمام الكل الوطني إلى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتكريس مبدأ الشراكة السياسية بين مختلف القوى الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك عن طريق الانتخابات، وبما يسمح بمشاركة واسعة في الاستحقاقات الوطنية القادمة في الوطن والشتات، واتخاذ الخطوات العملية لتحقيق المصالحة الوطنية عبر إنهاء الانقسام، وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها وتفعيل مؤسساتها بمشاركة الفصائل الفلسطينية جميعها كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بمكوناته كافة ولا بديل عنه، وتوحيد المؤسسات الوطنية الفلسطينية وتجنيد الطاقات والموارد المتاحة الضرورية لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار ودعم البنية التحتية والاجتماعية للشعب الفلسطيني بما يدعم صموده في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وتفعيل آلية للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، ومتابعة إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية والشراكة السياسية الوطنية، والالتزام بتطوير المقاومة الشعبية وتوسيعها، وحق الشعب الفلسطيني في المقاومة بأشكالها كافة (وربما هذا هو النص الوحيد المفيد في الإعلان الذي يجدد الشرعية للمقاومة) بجانب النص الخاص بانتخابات المجلس الوطني في الداخل والخارج والانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال عام، مع توجيه التحية لجماهير الشعب الفلسطيني، وللشعب والرئيس الجزائري.

اكتسبت الفصائل الفلسطينية قدرات وخبرات تفاوضية عالية في علاقاتها البينية، مع تعدد جولات التفاوض التي بدأت منذ وقت مبكر، بعد أن ولدت حركة حماس من رحم الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987، وبعد أن عززت حضورها المقاوم ومعها حركة الجهاد التي سبقتها في الظهور، وقد مكنت تلك القدرات التفاوضية الفصائل كلها من المناورة، والخروج من جولة التفاوض بما يرضي الدول المضيفة حتى وإن لم يقدم شيئًا للقضية الفلسطينية نفسها، وقد تنافست العديد من العواصم العربية على استضافة مفاوضات المصالحة الفلسطينية، لكن الملاحظ أن بعض تلك العواصم استهدف ترويض الفصائل الفلسطينية، وإغراءها باللحاق بمسيرة السلام، بينما استهدفت عواصم أخرى مثل الجزائر وقبلها اليمن والسودان تمتين جبهة المقاومة، ومنحها المشروعية السياسية والأخلاقية.

خلافات عميقة بين الفصائل

الخلافات جادة وعميقة وهي المانع الرئيس لتحقيق المصالحة، وقد كادت تطيح بجولة الجزائر الأخيرة حين أصرّ الرئيس محمود عباس على إلزام الفصائل كلها بقبول شروط الرباعية الدولية بما تتضمنه من الاعتراف بالكيان الصهيوني، ووقف المقاومة التي تصفها الشروط بالعنف والإرهاب، شرطًا لقبوله فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم فصائل المقاومة أيضًا، ولم يجد الوسطاء بدًا من إلغاء البند كاملًا لتجنب انفجار المصالحة قبل إعلانها.

مشكلة الاتفاق الأخير أنه جاء مواكبًا لصعود جديد للمقاومة في الأراضي المحتلة، وخاصة الضفة الغربية التي غابت طويلًا عن العمل المقاوم بسبب تضييقات السلطة الفلسطينية، حيث ظهرت بعض كتائب المقاومة الجديدة مؤخرًا مثل كتيبة جنين، ثم عرين الأسود اللتين نفذتا سلسلة عمليات استهدفت جنود الاحتلال، وأربكت حسابات الكيان الذي كان قد اطمأن للضفة الغربية، وفرّغ جهوده لمواجهة العمليات من غزة، وبالتالي فإن ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم هو دعم هذه المقاومة الوليدة، بالإضافة إلى كل الأعمال المقاومة الأخرى في ربوع فلسطين كلها، وليس ترويض الفصائل الفلسطينية لتقبل بالاستسلام لشروط العدو وداعميه الدوليين.

المصدر : الجزيرة مباشر