كارثة منجم أماسرا ليست الأولى.. فهل ستكون الأخيرة؟

مراسم تشييع الضحايا

 

{وما تدري نفسٌ ماذا تكسِبُ غدًا وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت}

تابعنا جميعا عن كثب أخبار الكارثة المدوية التي حدثت إثر انفجار منجم الفحم في منطقة أماسرا بولاية بارتين على البحر الأسود شمالي تركيا. وقد خيّم الحزن والأسى على الأمة بجميع طوائفها منذ اللحظة الأولى للحادث الأليم الذي أودى بحياة 41 شخصا، وخلَّف وراءه جراحا لا تندمل داخل قلوب الشعب كله لا سيما داخل بيوت الضحايا وذويهم.

وقد كان لهول الكارثة أثر سلبي على معنويات الأمة وطاقاتها، كما أن الانتشار السريع لصور ومقاطع الفيديو للحادث والضحايا، كان له أبلغ الأثر في بيان مقدار التماسك بين أفراد الأمة، وكأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر.

ولا شك أن مثل تلك الحوادث المؤلمة تستنزف شباب الأمة وتسبب كثيرا من الأحزان وربما قسطا من اليأس، لكن تكاتف الأمة ووقوفها مع ذوي الضحايا ومشاركتهم أحزانهم وآلامهم، وإن لم يرفع عنهم تلك الآلام والهموم، فإنه يساعد على تخفيفها والحد من المعاناة التي تثقل أكتافهم. وكما هو معلوم، فإن النار لا تحرق سوى من يعاينها ولا يؤلم الجرح إلا مَن به ألم، لكن مثل هذه الحوادث بمثابة ألم للأمة بكل طوائفها وتأتي في أولويات الدولة بكل مؤسساتها، ولذلك من الأفضل مواجهة الأمر وتقبّله في سبيل الوصول إلى معرفة أسبابه والحيلولة دون تكرارها.

إلى متى ستستمر آلام الناس تحت وطأة الحياة التي لا تتوقف بل تزداد سرعة ووحشية كل لحظة، والعالم لا يكاد يخرج من أزمة حتى تأتي أختها أشد ضررا وأكثر فتكا؟ إذا لم نكن ننسى بسرعة هذه الأحداث وما تخلّفه من مشاكل وأضرار، ولولا أن ريمة كل مرة تعود إلى عادتها القديمة فتنشغل بالجديد وتنسى ما مرَّ دون أن تأخذ العبرة، لكانت لديها الفرصة في منع تكرار الأمر نفسه من حين إلى آخر، لكنها كعادتها تنشغل بالأعراض عن الأسباب الحقيقية.

لا يشعرون بالمعاناة

ماذا حدث بعد كارثة منجم صوما 2014 في مانيسا الذي ترك وراءه أكثر من 300 حالة وفاة؟ ماذا تغيّر بعد فاجعة منجم إرمينيك جنوبي تركيا التي وقعت بعد كارثة منجم صوما بستة أشهر فقط؟ ما الإجراءات التي اتُّخذت بعد حادثة منجم شيرفان في مدينة سيرت عام 2016؟ لا شيء سوى معاناة العائلات في المناطق التي اندلعت فيها النيران وأودت بحياة ذويهم. ولا شك أن الحياة لم تتوقف بعد ذلك، بل استمرت كما هي عادتها، لا تبكي على أحد. لكن هل يعلم أيٌّ منا ماذا حدث لأهالي ضحايا هذه الكوارث، لأمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم وإخوتهم؟ وكيف قضوا أوقاتهم وكيف عاشوا آلامهم؟

وقعت كارثة منجم شيرفان قبل 6 سنوات، وقد كتبت عن الحادثة حينها: “لقد شاهدنا نهاية العالم (القيامة) على نطاق صغير في منجم شيرفان”. أثناء تلك الطامة الكبرى التي عايشناها، يشعر الإنسان بمدى دونية ما يحدث في بقية العالم، وكيف يتحول إلى أشياء جوفاء لا معنى لها.

بينما كان عدد من الناس محاصَرين ويعانون وسط هذه الكارثة الكبيرة، فإنه حتى أقرب الأشخاص إليهم لا يكادون يشعرون بهذه المعاناة. نعم هي فكرة يمكن قبولها، لكنها في الحقيقة لم تضع في الحسبان مقدار الألم الذي شعر به ذوو الضحايا أثناء انتظارهم خروج أحد أقربائهم من تحت الأنقاض، وهو يأمل أن يراه حيّا مرة ثانية، رغم ضعف ذلك الأمل مع هول الكارثة.

وفي كل مرة يتم التأكيد على التدابير الاحترازية اللازمة وعلى الأمن الصناعي، ولكن مرة أخرى لا نتجاوز إحصاء عشرات الأشخاص الذين لقوا حتفهم ودفعوا حياتهم مقابل تدابير احترازية وإجراءات أمن صناعي لم تُتخذ في كل مرة، ونحزن عليهم ثم يتحولون إلى مجرد أرقام، ثم يستمر إهمالنا وعدم الحرص على التدابير اللازمة لمنع مثل تلك الكوارث أو الحد منها على الأقل.

في الواقع، فإن الحذر لا يمنع القدر، وربما تم اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة. وقد نص التشريع على جميع التدابير الضرورية بالتفصيل تبعا لنوع النشاط والظروف المحيطة به، لكن اتباع تلك التشريعات لا يخلو من إمكانية حدوث خلل بشري أو إهمال أو تقصير غير متوقع في مكان ما أثناء اتخاذ التدابير. وقد يأتي ذلك الإهمال والتقصير على أساس أنه لن يحدث شيء إن لم أفعل هذا، وأنه لم يحدث أي شيء حتى الآن رغم أننا لم نتخذ التدابير التي نراها روتينية دون حاجة إليها. فقد يحدث ما هو غير متوقع في تلك اللحظة بالذات، ولأنه لم يحدث حتى الآن أي مشكلة أو حادث فلا يعني ذلك أننا محصَّنون من الحوادث. حتى إذا لم نرتكب أي خطأ، فعلينا التعلم من أخطاء الآخرين وأخذها في الاعتبار.

التجاهل

إن ثقافة التجاهل والتفريط في أخذ الاحترازات والتدابير من أجل الراحة، مستمرة بيننا بنفس درجة اللامبالاة، ليس فقط في مناجم التعدين ولكن أيضا في حركة المرور وغيرها من مجالات الحياة.

ما زالت التحقيقات لمعرفة سبب الانفجار مستمرة، وفي الحقيقة لا أحد من الذين أدلوا بتصريحات عن الحادث يعرف ما حدث بالضبط، والتعدين هو مجال لا يمكن الإلمام بكل ظروفه واحتمالات وقوع حوادث فيه، وبالتالي لا يمكن منع المخاطر المحيطة به تماما والوصول بها إلى درجة الصفر. ولكننا نفترض أننا وصلنا إلى مستوى متقدم نسبيّا من الوعي بشأن اتخاذ التدابير اللازمة لدرء المخاطر. نحن نُعَد بلدا أكثر تقدما من الناحية الفنية، وأكثر ثراء وتطورا مقارنة بالماضي، لذلك من الصعب قبول أن تودي حوادث مناجم التعدين هذه بحياة العديد من الأشخاص، ولعل السخط الشعبي والغضب من مثل هذه الحوادث نابع من عدم توافقها مع ادعاء التنمية.

بالطبع، إن حساب الله تعالى فوق كل الحسابات، وقدَره فوق كل شيء، ولكن ذلك لا يعني إهمال اتخاذ التدابير اللازمة والرضا بالحد الأدنى فيها، فمن الضروري أن نعرف أنه لا يحق لأحد أن يعفي نفسه ويلقي بالمسؤولية على الله سبحانه وتعالى أو على القدَر. ولا شك أن ذلك ليس هو المعنى الحقيقي للإيمان بالقدَر. ولو كان الأمر كذلك، فسيكون من المستحيل تحميل أي شخص المسؤولية عن أي حدث قد يقع، ولن تكون هناك جريمة ولا عقوبة، ولكن إذا كان هناك خطأ ما وقع فهناك مسؤول يتحمل وقوعه ويحاسَب على تقصيره، وحيث لا توجد مساءلة ومسؤولية لا توجد عدالة.

ومن الصور المضيئة في هذا السياق، الأمثلة العظيمة للبطولات التي ظهرت بعد كل حادث من حوادث انفجار المناجم، تلك النماذج التي تخبرنا عن الأخلاق النبيلة والصفات الكريمة التي جمعت بين هؤلاء الأشخاص الذين ربطتهم وظائفهم وتخصصاتهم في وحدة المصير تحت الأرض. وتتجلى هذه الأمثلة بعد كل حادث انفجار أحد المناجم تقريبا، حيث يتسابق كل عمال المناجم في التضحية بأنفسهم من أجل أصدقائهم، ويحاولون ألا يكونوا عبئا على الآخرين، ويتحملون أعباء بعضهم بعضا وحتى عبء الإنسانية كلها، ويقومون بتضحيات كبيرة، فهم حقّا يحملون بين ضلوعهم قلبا شجاعا وأخلاقا نبيلة.

وفي الختام، أدعو نفسي وإياكم إلى محاسبة أنفسنا وأداء أدوارنا المنوطة بنا على أكمل وجه دون إهمال أو تقصير أو إلقاء اللوم على الآخرين للتملص من المسؤولية، وأن نتخذ العبرة والعظة من تلك الأمثلة النبيلة الطاهرة لاسترجاع أخلاقنا وفضائلنا التي كادت تتلاشى من حياتنا، فهؤلاء الضحايا والشهداء وذووهم يطوّقون أعناقنا بكثير من الديون والمسؤوليات الجسيمة.

المصدر : الجزيرة مباشر