الإخوان والسلطة: قراءة أولية في وثيقة إخوانية

 

في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2022، نشر أحد المواقع الإلكترونية تقريرًا بعنوان “وثيقة سياسية لإخوان مصر تقر تجاوز الصراع على السلطة”، عما ذكر أنه نص وثيقة “داخلية” أصدرتها جماعة الإخوان المسلمين المصرية بشأن أولوياتها السياسية للتعاطي مع ما وصفته باللحظة الحرجة من تاريخ مصر.

وبالعودة إلى النص الأصلي للوثيقة، نجد أنه مؤرخ في 18 سبتمبر/أيلول 2022، أي قبل نحو شهر من تاريخ نشرها على الموقع، وتضمّن النص -بعد التمهيد العام- عددًا من المحاور جاءت على النحو التالي (وفق نص الوثيقة): (1) موقع السياسة في مشروع الإخوان الإصلاحي (2) غاية مهمتنا السياسية ليست طلب الحكم (3) ثلاث أولويات سياسية للإخوان في المرحلة القادمة (4) طريقنا لتحقيق هذه الأولويات.

وهنا يكون السؤال: ما المضامين الأساسية لهذه المحاور؟ ومن الأطراف التي تستهدفها داخليًّا وخارجيًّا؟ وما التناقضات التي وقعت فيها؟ وكيف يمكن التعاطي مع هذه المضامين وتلك التناقضات؟

مشروع إصلاحي

نصت الوثيقة على “إن مهمة الإصلاح المتكامل التي نؤمن بها لا يمكن أن تتجاهل إصلاح الحكم، خاصة وأن قوة الدولة التنفيذية وهيمنتها بات بمقدورها إذا أسيء استخدامها أن تجعل جهود المصلحين صرخة في واد”. وأضافت “ننظر للسياسة باعتبارها واجبًا إسلاميًّا ووطنيًّا لا يجوز التفريط في أدائه”.

الحكم بين الغاية والواقع

نصت الوثيقة على “إن غاية مهمتنا السياسية العامة ليست مجرد الوصول للحكم وإنما ضمان حق الشعب في ممارسة سيادته على الحكام”. وأضافت “منذ عقود طويلة وإصلاح الحكم يمثل عند الإخوان المسلمين جانبًا واحدًا من ثمانية جوانب للإصلاح الشامل.. كما أن موقف الإخوان معلن وصريح في بيان مبادئ الحكم الحديث الذي يريدون لبلادهم والذي يعتقدون أنه يوافق تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم”.

كما نصت الوثيقة تحت هذا المحور على “إذا كانت مهمتنا السياسية لا تتمثل في الوصول للحكم لذاته فإننا لا ندين من يسعى إلى ذلك لأنه حق دستوري وسياسي لكل القوى الوطنية، من كافة الأطياف الأيديولوجية، التي تسعى للإصلاح من خلال برامجها السياسية وخططها التنفيذية”.

أولويات وأدوات

نصت الوثيقة على “إن مسؤوليتنا السياسية تحتم علينا مواصلة العمل مع شركاء العمل الوطني دون إقصاء عبر ائتلاف وطني واسع، لتحقيق أهداف العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”. وفي هذا الإطار ذكرت أن لديها أولويات ثلاثًا: “(1) بناء شراكة وطنية واسعة تتبنى مطالب الشعب في تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي (2) إنهاء ملف المعتقلين السياسيين (3) تحقيق المصالحة المجتمعية.

أدوات التنفيذ وموقع السلطة

نصت الوثيقة على أن “هذه الأولويات تتطلب من جماعة الإخوان تجاوز الصراع على السلطة في ظل بيئة سياسية يُخيم عليها الاستقطاب والتحريض، وفي ظل مجتمع يواجه شبح الانقسام؛ لأن ذلك سيُحوّل أي تنافس على السلطة إلى صراع واضطراب لا يخدم مصلحة الوطن ولا مصلحة الشعب، لذلك؛ فإن مسؤوليتنا تفرض علينا تحديد شكل وماهية التموضع الواقعي الأنسب الذي يسمح للإخوان المسلمين بأداء دورها الحضاري، والمساهمة في إنقاذ الوطن، وبما يحقق أكبر قدر من المصالح المعتبرة لعموم الأمة”.

وأكدت الوثيقة “إن دورنا السياسي، وحضورنا في كافة الشؤون العامة، كان وسيظل ثابتًا من ثوابت مشروعنا الإصلاحي. لكنّ السياسة عند الإخوان كانت دائمًا أوسع بكثير من العمل الحزبي، ومن التنافس على السلطة”. عبر ما سمّته “خيارات ومسارات ومستويات متنوعة، تبدأ من مخاطبة الرأي العام وتوعيته، وتوجيه النصح للحكومة أو معارضتها، وصولًا إلى التقدم لتحمّل المسؤولية إذا تطلب الأمر ذلك”.

وفي ختامها، نصت على “إن تبنّي هذه الأولويات والاجتهاد في تحديد ماهية التموضع المناسب للعمل من أجل تحقيقها، يجب ألا يخضع تفسيره لحسابات ضيقة تتعلق بصفقات سياسية مزعومة، ولكنه يخضع لما نعتبره مصلحة الشعب المصري، فتموضع جماعة الإخوان، أو أي حركة سياسية واجتماعية، كي يكون صحيحًا يجب أن يُعبّر عن وعي بهموم الناس وأولوياتهم، وأن يستهدف الدفاع عن مصالحهم، وأن يستجيب لمتطلبات الظرف التاريخي الذي يمرون به”.

ما بعد النصوص وما بين السطور

من قراءة نص الوثيقة، وفي إطار السياقات المرتبطة بدلالات توقيتها، تبرز مجموعة من الملاحظات التحليلية التي من المهم الوقوف عليها، وبيان أبعادها الأساسية، ومن بين هذه الملاحظات:

(1) إن هذه الوثيقة هي أول وثيقة يتم تداولها بعد تصريحات القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر إبراهيم منير خلال مقابلة مع وكالة رويترز (29 يوليو 2022) التي ذكر فيها أن الجماعة لن تخوض صراعًا جديدًا على السلطة، واستبعد التنافس على السلطة من خلال صناديق الاقتراع. وأضاف “حتى لو الصراع بين الأحزاب في الانتخابات السياسية أو غيرها التي تديرها الدولة.. هذه الأمور عندنا مرفوضة تمامًا ولا نقبلها”.

وهي التصريحات التي تم الرد عليها من جانب التيار الآخر للإخوان المسلمين ببيان نُشر في 31 يوليو/تموز 2022، ينفي صفة منير التي تحدّث بها، وأن “مجلس الشورى العام قد أعفاه من مهمته كنائب للمرشد العام وكقائم بعمله منذ 8 أكتوبر2021، وكلف لجنة تقوم بعمل فضيلة المرشد العام، ثم أعلن مجلس الشورى العام للجماعة في يونيو/حزيران 2022 بأن “الأخ الأستاذ إبراهيم منير قد أعفى نفسه من الجماعة ولم يعد يعبّر عنها أو يمثلها، وعليه فكل ما ينشره إنما هو رؤية فردية لا تعبّر عن جماعة الإخوان المسلمون”، وفق نص البيان.

إلا أن البيان أكد ما ذهب إليه منير من تصريحات مثل: “منهج الجماعة بعدم استخدام العنف”، “لم يناقش مجلس الشورى العام وليس مطروحًا على جدول أعماله مسألة المنافسة على السلطة في ظل الظروف التي تعيشها الجماعة وتعيشها مصر الآن”، “ستظل قضية المعتقلين من الإخوان وغيرهم هي القضية الرئيسة لاهتمام الجماعة وعلى رأس أولوياتها”.

(2) إن “وثيقة الأولويات” تختلف عن وثيقة أخرى تسمى “وثيقة الرؤية” التي لم يُعلَن عنها حتى الآن، رغم مرور نحو ثلاثة أشهر من تصريحات منير في يوليو 2022، وقد أتيحت لي فرصة الاطلاع على الوثيقة غير المعلنة ومناقشة بنودها مع أحد المسؤولين في الجماعة، وكان لي على النسخة التي اطلعت عليها العديد من التعليقات والملاحظات ذات الصلة بالمضامين والأفكار التي قامت عليها.

(3) إن إعلان وثيقة الأولويات الآن، رغم وجود ما يفيد أنها كانت جاهزة للنشر منذ شهرين تقريبًا، ولكن تأخر صدورها تحت دعاوى التطوير والتحديث، يرتبط -من وجهة نظري- بالعديد من الاعتبارات في مقدمتها: التنافس بين فصيلي الإخوان حول طرح الرؤى واكتساب الأرضية السياسية في مواجهة الصف السياسي الداخلي من ناحية، حالة الحراك السياسي التي تشهدها القوى السياسية المصرية في الداخل والتي ترتبط بدعوة النظام لما سمّاه الحوار الوطني والتي مرت عليها عدة أشهر وما زالت الدعوة تدور في فلك الترتيبات والإجراءات والهياكل دون تقدم حقيقي أو تصورات محددة، ومن ناحية ثالثة حالة الحراك السياسي التي تشهدها القوى السياسية المصرية في الخارج والتي ترتبط بدعوتها لما سُمي “الحوار الشعبي” والذي تم تنظيمه فعليًّا وتم نشر أعماله وجلساته في كتاب جماعي، صادر عن الهيئة التنظيمية للحوار.

(4) إن وثيقة الأولويات تحتوي على العديد من التناقضات التي تعكس حالة من عدم وضوح الرؤية في ما يتعلق بالعملية السياسية والممارسة السياسية، وحدود ومستويات هذه الممارسة، وهو نفس التناقض الذي وقفتُ عليه في “وثيقة الرؤية” غير المنشورة. ففي الوقت الذي نصت الوثيقة على أن السياسة “واجب إسلامي ووطني لا يجوز التفريط في أدائه”، تقول في موضع آخر “إن غاية مهمتنا السياسية العامة ليست مجرد الوصول للحكم وإنما ضمان حق الشعب في ممارسة سيادته على الحكام”، وهو ما يتطلب النص صراحة على التمييز بين مفهوم “الحزب السياسي” ومفهوم “جماعة الضغط” وعلى أي مستوى منهما ستتحرك الجماعة؟

(5) لم تحدد الوثيقة طبيعة “السلطة” المقصودة بعدم الصراع عليها، هل هي فقط رأس النظام السياسي، أم السلطة التنفيذية (الحكومة ووزراؤها) أم السلطة التشريعية (البرلمان بمجلسيه) أم السلطة المحلية (مجالس محلية).

(6) إذا كانت الجماعة لن تمارس صراعًا على السلطة، فتحت أي مسمى يتم الحديث عن “مواصلة العمل مع شركاء العمل الوطني دون إقصاء عبر ائتلاف وطني واسع، لتحقيق أهداف العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”، دون تحديد طبيعة هذا الائتلاف وموقع الجماعة فيه، وكيفية تشكيله وهياكله، وحدود دوره، وخاصة أن الأهداف التي تم النص على أن هذا الائتلاف سيسعى لتحقيقها هي نفسها التي رفعتها ثورة يناير 2011.

كذلك، إذا لم تكن ستمارس صراعًا على السلطة فكيف يتم النص على “الواجب المستمر تجاه ضمان استقلال القرار الوطني عن أي نفوذ أجنبي” وهو أعمال من أعمال السيادة تتصدى له السلطة التي تتولى الحكم؟

(7) التناقض بين النص على “إن مهمة الإصلاح المتكامل التي نؤمن بها لا يمكن أن تتجاهل إصلاح الحكم”، والنص في موضع آخر على “إن غاية مهمتنا السياسية العامة ليست مجرد الوصول للحكم وإنما ضمان حق الشعب في ممارسة سيادته على الحكام”. ولم توضح الوثيقة كيف سيكون هذا الإصلاح، وكيف سيتم ضمان حق الشعب في ممارسة سيادته على الحكام إذا كانت الجماعة لن تنافس على السلطة وهي قد نافست بالفعل من قبل خلال العقود الماضية، ووصلت إلى الحكم بالفعل بعد ثورة يناير 2011، وكأن هناك نوعًا من التبرؤ من هذه المنافسة وممارسة السلطة، والقول إنه يتعارض مع أدبيات الجماعة التي تمت الإشارة إليها في بداية الوثيقة.

(8) إن حديث الوثيقة عما سمّته “خيارات ومسارات ومستويات متنوعة.. وصولًا إلى التقدم لتحمّل المسؤولية إذا تطلب الأمر ذلك”، ينفى عنها ما ذهبت إليه من عدم الصراع على السلطة، وإلا ماذا يعني القول “التقدم لتحمّل المسؤولية إذا تطلب الأمر ذلك”؟ ومتى يتطلب الأمر ذلك؟ ومن الذي يحدد أن الأمر يتطلب ذلك؟

المطلوب

وأمام هذه الملاحظات، وبعيدًا عن أحاديث التشويه والتشويه المضاد، وبعيدًا أيضًا عن أحاديث المساومات والمناورات السياسية، أقول إن “وثيقة الأولويات” التي نُشرت، و”وثيقة الرؤية” التي لم تُنشر، تحتاجان إلى إعادة ضبط وإعادة صياغة ووضوح شديد في المفاهيم والمضامين التي لا تحتمل اللبس، والتي لا تترك أي مجال لأي طرف من الأطراف التي تستهدفها هذه الوثائق للتأويل والتفسير غير الدقيق.

إن هذه الوثائق، وما سبقها من تصريحات وبيانات، تستهدف عدة أطراف على النحو التالي: القواعد الداخلية للجماعة أو ما يُعرف بالصف الإخواني من ناحية، القوى السياسية المصرية بتياراتها ومرجعياتها المختلفة التي تعاني من أزمة ثقة مع جماعة الإخوان من ناحية ثانية، والنظام السياسي المصري من ناحية ثالثة، وعدد من الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالشأن المصري من ناحية رابعة، وحتى تصل الرسائل واضحة لهذه الأطراف يجب أن تكون المضامين شديدة الوضوح والتماسك والصلابة.

المصدر : الجزيرة مباشر