ارحل يا “شي”.. صرخات صينية وسط ثكنة عسكرية!

الرئيس الصيني في طريقه لإلقاء كلمته في افتتاح المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي (16 أكتوبر 2022)

 

استفتح الصينيون يومهم، الخميس الماضي، بأعجب حدث شهدته البلاد، وقع بقلب العاصمة بيجين. المدينة العملاقة (20 مليون نسمة) المتحولة إلى ثكنة عسكرية، تستعد لانعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، الذي يقود انقلابا ناعما على مبادئه، بإعادة تسمية الأمين العام رئيسا أبديا للبلاد، تهيئ سكانها ومرافقها، لتعمل النخبة الحاكمة في سكينة وهدوء.

فوجئ الناس قبل ساعات من انعقاد المؤتمر، بلافتة طولها نحو 10 أمتار وعرضها متران، معلقة على سور “جسر سيتونغ”، كُتب عليها بخط عريض وباللون الأحمر “ارحل يا شي.. ارحل أيها الخائن”. تدعو اللافتة الجماهير إلى الإضراب العام.

تقرأ في كلمات اللافتة ألفاظا، شاهدها المواطنون لأول مرة، على الملأ “لا للإغلاق.. نعم للحرية.. نعم للكرامة.. لا للثورة الثقافية.. نعم للإصلاح.. لا للمرشد الأعلى.. نعم لحرية التصويت، نريد صوتا مسموعا، لن نكون عبيدا، نريد أن نشعر بأننا مواطنون.. اذهب لإزالة الديكتاتور الخائن شي جين بينغ”.

استدل الناس على اللافتة، بدخان أسود كثيف متصاعد، يبدو أنه وقود أو حرق لإطار سيارة، وتشغيل تسجيل صوتي للشعارات وربطه بمكبر صوت، لفت انتباه المارة إلى اللافتة، فصوروها، ونُشرت مباشرة على أكبر موقع لوسائل التواصل الاجتماعي في الصين “ويبو”.

هرولت الشرطة فأزالت اللافتة خلال دقائق، ولاحقت المنشور عبر الإنترنت، بعد أن تسربت تعليقات للمشاهدين دعمت صاحب اللافتة المجهول، واعتبرته “بطلا يجب على الصينيين عدم نسيانه”. تلقفت وسائل الإعلام الدولية “الفيديو”، فأعادت نشره خارج الصين، بسرعة البرق.

إمبراطورية الاستبداد

الصين أكبر إمبراطورية للاستبداد التكنولوجي في العالم، يتمتع النظام بقدرات فائقة على رقابة المواطنين لحظيا على مستوى دولة عملاقة. تمتلك الدولة شبكة مراقبة، يغذيها ملايين الكاميرات، تتتبع الناس في الشوارع، وتصل إلى داخل منازل المسلمين والبوذيين، وثكنات المصابين بوباء كوفيد-19.

طورت الصين خوارزميات الحواسب الآلية، لتتمكن من تنقية “فلترة” الكلمات، التي تسمعها أجهزة التنصت في الشوارع، ويكتبها الناس على الإنترنت -وفرت مساحة حرية- وتترصد لكلمات محددة، لكل مناسبة، تجعلها على دراية لحظية بتطورات الأحداث، فتعمل على إزالة المخالف منها، وملاحقة أصحابها فورا، مع ذلك فإن الاستبداد مهما علا، لم يتمكن من السيطرة على الناس بنسبة 100%.

يعلم من علّق اللافتة، أن الإعدام سيكون مريحا له، عن حياة أبدية داخل سجون الصين، والتعذيب على “كرسي النمر” الوحشي، حيث يُربط بكلّابات حديدية لساعات، تحت لهيب الحرارة والبرد القارس والضوء الساطع، على مدار الساعة، والضرب بقبضات حديدية. قد يمتد العقاب إلى جميع أهله ومعارفه. بالتأكيد يعلم أن “الثكنة العسكرية” التي تدير بيجين، لن تتركه يذهب بعيدا، بعدما أقض مضاجعهم بهذه الطريقة، والعاصمة ستستعد لتتويج المرشد الأعلى شي جين بينغ زعيما قوميا أبديا للحزب الشيوعي الحاكم.

معارضة بالداخل

عادة لا تأتي المعارضة للرئيس من الشارع، وإن كانت تظهر أحيانا داخل أروقة الحزب الشيوعي، فلا يُسمح بوجودها على الملأ، خاصة في عهد شي، الذي لا يدير حزبا بالمفهوم العلمي للأحزاب السياسية. فالحزب الشيوعي أقرب إلى منظمة سياسية كبيرة تدير الدولة، عبر نظام بيروقراطي أو “هيراكي” معقد، قائم على الولاءات والتوافقات، التي تناقش مسائل الدولة على طاولة الشاي. لذلك لن يأتي اجتماع المؤتمر العام للحزب اليوم، والمستمر حتى نهاية الأسبوع بجديد. فالصراعات الداخلية على السلطة قد حدثت بالفعل، خلال السنوات الخمس الماضية.

“الرقصة مصممة عدا أن تحدث كارثة مفاجئة، بأن يموت الزعيم أو يرغب في التقاعد”، وقد كان اجتماع قادة الحزب في منتجع سياحي بالقرب من شواطئ تايوان، في أغسطس/آب الماضي، مجرد “بروفة”، لما سيكون عليه الحال في المستقبل. لم يعكر صفو القادة أي خلافات، إلا ما ظهر منها بعد زيارة نانسي بيلوسي لـ “الجزيرة المارقة”، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، التي ستدفع “شي” إلى التخلص من بعض معاونيه، حتى لا تنفجر مشاعر الغضب فيه شخصيا.

اجتمع أمس نحو 3000 عضو من صفوف الحزب المختارين عن طريق الترشيح الذاتي للكوادر. هذه النخبة المختارة، وليست منتخبة بالمعني الحرفي للكلمة، سيوقعون على القرارات المتفق عليها في أغسطس الماضي. ليس لأحد منهم حق التعديل، ولكن يمكن أن يرفض أو يصمت، وسيتوافق أغلبهم -وفقا لنصوص مكتوبة وجاهزة مسبقا من قادة الحزب- على اختيار 200 شخص لعضوية اللجنة المركزية، و170 عضوا احتياطيا. يمثل أعضاء اللجنة المركزية رؤساء المدن الكبرى، ووزراء حكومات الأقاليم، وهم من يختارون 25 عضوا لإدارة المكتب السياسي، ثم يقرر المكتب السياسي أعضاء اللجنة الدائمة، التي ستتضمن -بلا جدال- الرئيس الأبدي، واختيار من ستة إلى ثمانية من كبار معاونيه.

غالبا سيطيح شي برئيس الوزراء ليهرب بجلده، بسبب الإخفاقات الاقتصادية، والفشل في مواجهة تداعيات وباء كوفيد-19، وهروب الاستثمارات من الصين، رغم عدم مسؤولية رئيس الوزراء بمفرده عن كل ذلك، وعلى ضوء اختيارات الشخصيات الأخرى سيتحدد أين يتجه بالصين خلال المرحلة المقبلة.

جيش تشيجيانغ الجديد

لن يتغير الحزب كثيرا، فمنذ عام 1949، يمارس سيطرة مطلقة على الصين، يحكم جيشها وإدارتها وسلطتها التشريعية المطاطة، من خلال التنظيم المطيع “عظيم الشبه بمنظمة مافيا، يديره الدون وتحته أعضاء اللجنة الدائمة، المعروفون حاليا بجيش الصين (تشيجيانغ) من مرؤوسيه المؤمنين بالرئيس القائد، فيقدمون المشورة، وينفذون الأوامر، على أمل البقاء في النعم الجيدة للدون”.

تخشى كاي تشيا -رفيقة شي في التدريس لكبار القادة الشيوعيين بمدرسة الحزب العليا قبل فرارها منذ عامين إلى الخارج- من تزايد سخط النخبة من ارتفاع معدلات الفساد، والإغلاق المتكرر الذي وضع 1.4 مليار نسمة تحت الرقابة الدائمة، وعطل مئات الملايين عن العمل. تؤكد زميلة “شي” أن الزعيم لا يواجه معارضة داخلية في الحزب فحسب، بل يواجه رد فعل شعبي عنيفا، والأكثر إثارة للقلق أن استياء النخبة ينتشر الآن إلى عامة الناس، مع دخول مرحلة استبدادية جديدة. مع ذلك لديها أمل في التغيير، لأن الطغاة لن يعيشوا إلى الأبد.

اللافتة التي طالبت برحيل الرئيس

 

المصدر : الجزيرة مباشر