الاستخدام السياسي للشابو

لا أعتقد مطلقًا أن انتشار المخدرات بصورة مخيفة، في بعض البلدان العربية، في هذه الآونة أمر طبيعي، ذلك لأن مذكرات السابقين من رجال الأمن والسياسة معًا، تحدثت كثيرًا عن مثل هذه الظواهر، وكيف أنها كانت متعمدة في كثير من الأحيان لأسباب سياسية في مجملها، تغييب الناس أحيانًا، إلهاء الشارع أحيانًا أخرى، أو هما معًا، إلا أن الجديد في الأمر هو ذلك التنسيق الجيد بين بعض العواصم في هذا الصدد، بما يشير إلى توحد المخاوف من جهة وإلى إمكانية التوافق العربي من جهة أخرى، حتى وإن كانت الأهداف سلبية أو مشينة.

انتشار المخدرات أصبح حديث الشارع في عدد من الدول، خصوصًا تلك التي تخشى من قلاقل وشيكة، لم تعد هناك مقاومة أو مواجهة أمنية لهذه الكارثة، لا في أوساط التجار والمروجين، ولا في أوساط المتعاطين والمدمنين، الأمر بلغ حد الظاهرة، كلمة “الشابو” وهو المخدر الأكثر رواجًا الآن، أصبحت “تريند” الشارع، سوف تسمعها كثيرًا في أوساط الشباب بشكل خاص، في المدينة وفي القرية، في الأحياء الشعبية كما في الأوساط الراقية.

مخدر الشابو أو الآيس، يحمل أسماء أخرى مثل “كوارتز – جلاس” وهو من عائلة ميثا فيتامين، ويصنع من مركبات كيميائية في المعامل، وهو أبيض بلوري مثل حبيبات الثلج، وهو مخدر خطير يستخرج من مادة منشطة شديدة التأثير في الجهاز العصبي وسريعة الإدمان، وهذا المخدر يتم استيراده من الخارج وتصنيعه محليًّا أيضًا في بعض بلدان المنطقة، وهو شديد الخطورة على الجهاز العصبي، بما يجعل العلاج منه أصعب بكثير من أنواع المخدرات الأخرى.

الجريمة متكاملة الأركان سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا

وفي الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول العربية نقصًا في العملات الأجنبية، التي تمتصها عملية استيراد المخدرات بالدرجة الأولى، فإن التغاضي أو غض الطرف عن هذه القضية يؤكد أننا أمام جريمة متكاملة الأركان، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، فضلًا عما تفرزه من جرائم تتعلق بالسرقة والقتل والخطف والتحرش والاعتداءات الجنسية، وتزايد نسب الطلاق والعنف بشكل عام، وهي الظواهر الواضحة الآن في هذه البلدان، وعلى الرغم من ذلك فإن توجيهات المواجهة لم تصدر بعد كما هو واضح.

هي عملية إجرامية بكل المقاييس، كان من المفترض في أي مجتمعات متحضرة أن تسقط بسببها حكومات وأنظمة، إلا أن غياب المؤسسات القضائية والبرلمانية والإعلامية، وغياب المعارضة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في هذه الدول، جعل صناع القرار والمتآمرين يعملون بأريحية منقطعة النظير على كل المستويات، مما جعل نسبة تعاطي المخدرات في بعض دول المنطقة تزيد على 11 في المائة العام الماضي 2021، وهي نسبة كبيرة عالميًّا تصل إلى ضعف المعدل العالمي، ثم ارتفعت هذا العام 2022 كثيرًا كما هو واضح، وتنوعت كذلك المواد المخدرة بين الكبتاجون والكحول والحشيش والهيروين، قبل دخول الشابو أو الآيس على الخط ليتصدر المشهد.

ووفقا لتقارير الأمم المتحدة فإن معظم متعاطي المخدرات في دول المنطقة تتراوح أعمارهم بين 12 و22 عاما، كما تشير التقارير إلى أن هناك استهدافًا كبيرًا لدول المنطقة في السنوات الأخيرة بعد أن أصبح حجم تصنيع حبة “الكبتاجون” في دولتين منها فقط يصل إلى نحو خمسة مليارات دولار، كما أشارت تقارير أخرى إلى أن حجم الاستهلاك في إحدى الدول يصل إلى عشرة مليارات دولار، ويقل قليلًا عن هذا الرقم في دولة أخرى، بخلاف استهلاك التبغ، من خلال تدخين السجائر والمعسل وغيرهما.

استغلال السياسة للمخدرات جريمة لا تقل عن التعاطي والاتجار

تداخل السياسة مع المخدرات، أو بمعنى أدق استغلال السياسة للمخدرات لتحقيق أهداف معينة، هي جريمة لا تقل في حد ذاتها عن التعاطي أو الاتجار، وهو أمر يدل على أننا أمام أنظمة غير سوية من كل الوجوه، لا تقل في طبيعتها وأهدافها عن أهداف وطبيعة المهربين والمروجين لأدوات ووسائل القتل هذه، وهو الأمر الذي بدا أنه لا يلقى اهتمام المنظمات الدولية والحقوقية في هذه الآونة تحديدًا، مع ما يمر به العالم من أزمات وأوبئة وحروب.

وإذا علمنا أن فترة العلاج من الإدمان تتراوح بين ثلاثة أشهر وستة أشهر، وأن التكلفة تصل في بعض البلدان العربية إلى نحو 35 ألف دولار، أدركنا حجم الكارثة، في الوقت الذي تتكدس فيه المصحات المتخصصة بالمدمنين الراغبين في التعافي، الذين قد يتعامل معهم المجتمع فيما بعد بتردد وريبة، حتى بعد الشفاء أو في فترة النقاهة، وبشكل خاص في المدارس والجامعات، إذ إن نسبة 70%؜ من هؤلاء المدمنين دون سن العشرين، حسب إحصائيات دولية رسمية في هذا الشأن.

الغريب في الأمر، أنه رغم خطورة الوضع الراهن بهذا الشكل المشار إليه، فإن ارتباط هذه الآفة بالشأن السياسي غلّ أيدي وألسنة الجميع عن الكتابة أو التحدث أو حتى إلقاء الضوء عليها، فأصبح من الصعب، بل من المستحيل في أي عاصمة عربية تنظيم ندوة أو حتى كتابة مقال يسلط الضوء على ما يجري بهذا الشأن، ما دام الأمر مقصودًا في حد ذاته ضمن برامج التغييب الحكومية، التي تتضمن الكذب والتدليس تارة، والحديد والنار تارة أخرى، واستخدام الكتائب واللجان الإلكترونية في كل الأحوال، بهدف إطالة عمر هذا النظام أو ذاك، حتى لو كان على حساب صحة وعقل المواطن هذه المرة.

المصدر : الجزيرة مباشر