الحجاب في تركيا.. معركة بطعم جديد

مروة قاوقجي

 

ضمن الاستعدادات المبكرة للانتخابات التركية الرئاسية والبرلمانية منتصف العام المقبل (2023)، برزت مجددًا قضية الحجاب بوصفها إحدى الأدوات السياسية في معركة المعارضة مع الرئيس أردوغان وحزبه، لكنها جاءت هذه المرة في شكل مزايدات من زعيم المعارضة العلمانية كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب ( الحزب الذي أسسه أتاتورك)، إذ بادر الرجل بطرح مبادرة عبارة عن مشروع قانون جديد يعتزم حزبه تقديمه إلى البرلمان لتقنين وضع الحجاب في تركيا بشكل دائم، لعدم فتح الجدل فيه مجددًا، وإغلاق الباب أمام أي استخدام سياسي له في المعارك الانتخابية من أي طرف، مع تقديم اعتذار صريح عن مواقف حزبه السابقة في الخمسينيات والستينيات ضد الحجاب والمحجبات، والهدف واضح وهو مغازلة الأصوات المحافظة التي يمكن أن تكون راغبة في تغيير أردوغان وحزبه لكنها تخشى على حريتها الشخصية وبالذات في قضية الحجاب.

تلقى الرئيس أردوغان الكرة، ليسجل هدفًا في مرمى خصمه، وليرفع منسوب المعركة باقتراحه إجراء “تعديل دستوري” وليس قانونيًّا فقط، ليتضمن النص -صراحة- حق الحجاب في الدستور، ولتغلَق هذه القضية إلى الأبد، ودخل على الخط كتّاب ومعلقون في العديد من الصحف التركية، وبذلك تحولت قضية الحجاب إلى موضوع مهم، وبطعم جديد في الانتخابات التركية المقبلة قبل عام من انطلاقها.

استدعاء مشهد مروة قاوقجي

لا يزال مشهد طرد النائبة المنتخبة عن حزب الفضيلة برئاسة نجم الدين أربكان من الجلسة الافتتاحية للبرلمان في العام 1999 ماثلًا لكل من شاهده عبر التلفاز، كان منظرًا مؤلمًا إلى حد كبير، فالشابة مروة (30 عامًا) ترشحت بحجابها ولم تخفِه، وانتخبها أبناء دائرتها بنسبة تصويت عالية وهي بحجابها، ومع ذلك قرر البرلمان بأغلبية أعضائه طردها وعدم السماح لها بتلاوة القسم أو اكتساب عضوية البرلمان، مشهد كان كفيلًا بإصابتها بجلطة قلبية أو دماغية، خاصة بعد سحب جنسيتها التركية، واضطرارها للسفر إلى الولايات المتحدة للتدريس بجامعاتها مرتدية حجابها عقدين من الزمان.

ظلت مروة رمز الكفاح من أجل الحجاب، وشاركتها هذه المسيرة شقيقتها روضة التي دخلت البرلمان نائبة عن حزب العدالة والتنمية في العام 2015 بالحجاب ذاته الذي كانت ترتديه مروة لحظة طردها من البرلمان في 1999، وقد سبقها إلى البرلمان 4 نائبات في العام 2013 ليرتفع العدد إلى 21 نائبة محجبة في 2015 ثم يتزايد تدريجيًّا حتى الآن.

الدراما التركية على الخط

لم ينسَ الرئيس أردوغان مشهد طرد مروة من البرلمان، وقرر رد الاعتبار لها ولكل الفتيات التركيات اللاتي عانين كثيرًا بسبب الحجاب، فأعاد إليها جنسيتها التركية وعيّنها سفيرة في ماليزيا، وعيّن ابنتها الكبرى مريم ضمن مستشاري رئاسة الجمهورية، كما عيّن ابنتها الصغرى فاطمة مترجمة خاصة له تظهر دومًا إلى جواره في كل لقاءاته الدولية، وأصبح ارتداء الحجاب أمرًا طبيعيًّا في الجامعات وأماكن العمل المختلفة بل حتى في القوات المسلحة والشرطة، والمناصب العليا في الدولة.

جسّدت الدراما التركية معركة الحجاب مستلهمة قصة مروة قاوقجي، وذلك في مسلسل تلفزيوني (إيليف Elif) على مدى 189 حلقة، بدت بطلة المسلسل (إيليف) قريبة الشبه تمامًا بمروة قاوقجي، فهي قدمت إلى إسطنبول من إحدى القرى لتلقّي التعليم الجامعي في كلية الطب، لكن حجابها أدخلها في دوامة من المشاكل، ومعها كل المحجبات مثلها، وعرض المسلسل زوايا مختلفة لمشكلة الحجاب، والمعارك القانونية والسياسية والإعلامية المصاحبة لها، التي تُوجت بالانقلاب على رئيس الوزراء نجم الدين أربكان في 28 فبراير/شباط 1997، والتطورات اللاحقة بعد سنوات من ذلك.

معارك قانونية وسياسية

خاض حزب العدالة والتنمية جولات عدة لتمكين المحجبات من الدراسة والعمل، والمشاركة في البرلمان والمناصب العليا، وتمكن في العام 2013 من رفع الحظر جزئيًّا عن المحجبات في التعليم والعمل في الدواوين الرسمية باستثناء الجيش والشرطة، وقد أزيلت بقية الحواجز بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة منتصف يوليو/تموز 2016، فأصبح منظر المحجبات معتادًا في الثكنات العسكرية والمراكز الشرطية والمطارات والمحاكم، وبمناسبة المحاكم فقد أثار أحد السياسيين العلمانيين أخيرًا أزمة بانتقاده للقاضيات المحجبات، وهو ما استنفر الهيئة القضائية برمتها ضده دفاعًا عن القاضيات المحجبات.

لم يعد الحجاب في تركيا مقصورًا على أعضاء الأحزاب المحافظة أو أنصارها، بل إنه ينتشر في الأحزاب العلمانية أيضًا، وقد حرص زعيم المعارضة العلمانية كليتشدار أوغلو على اصطحاب فتيات محجبات بجواره في بعض مؤتمراته العامة، وهو ما قلده فيه رؤساء أحزاب علمانية أخرى.

ينتشر الحجاب في تركيا بشكل طوعي كما هي الحال في مصر والعديد من الدول الإسلامية، على عكس الوضع في إيران حيث تفرضه الحكومة بالقانون، وتقوم الشرطة بمتابعة التنفيذ بصرامة، وهو ما تسبب في تمرد نسائي ومظاهرات اجتاحت طهران والمدن الإيرانية عقب وفاة الفتاة مهسا أميني في محبسها بعد إلقاء القبض عليها بسبب تهاونها في حجابها، وبينما يكافح المجتمع النسوي في إيران لنيل حقه في اختيار ملبسه دون تدخل سلطوي، فإن المعركة والمزايدات السياسية في تركيا الآن هي لتحسين وضع المحجبات، وتعويضهن عن سنوات الحرمان والألم.

المصدر : الجزيرة مباشر