مصر.. الحرية أم الجنسية؟

رامي شعث

فرحة كبيرة عمت أجواء مصر وتياراتها السياسية بخبر الإفراج عن السيدة علا القرضاوي قبل نهاية العام الماضي، سعدت كل الأطياف بخروجها بعد أربع سنوات ونصف السنة بضمان محل إقامتها!

يا الله: كل هذه المدة على ذمة قضايا لم تحدد بدقة وخروج بضمان محل الإقامة، هكذا بكل بساطة لأنها امرأة يعتبرها النظام قريبة من جماعة الإخوان المسلمين رغم عدم وجود اتهامات واضحة!

تفاؤل القزاز!

نفرح دائما بخروج أي مظلوم من الحبس، هكذا عمت الفرحة مصر، وكتب لي الصديق الدكتور يحيى القزاز يقول إنه فرح كثيرا بهذا الإفراج عنها، وتمنّى أن تخرج كل النساء  المحبوسات إذ يرى أن حبسهن إهانة للوطن لا تغتفر.
وعدّد القزاز لي كبار السن في السجون مثل: الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والمستشار الجليل هشام جنينة، والدكتور يحيى حسين عبد الهادي، والدبلوماسي يحيى نجم، والمعلم يحيى إبراهيم، وطالب أيضا بخروج الشباب من مجموعة الأمل وغيرهم من شباب التيارات السياسية.

بدا القزاز متفائلا أكثر من اللازم، وكلماته حملت مدخلا متفائلا، ولكن متنها حمل مرارة شديدة لوجود هؤلاء الشيوخ والشباب في السجون.

قلت للدكتور يحيي: لست مع تفائلك إذ وصلني في نفس اليوم نداء الباحث الفلسفي الدكتور محمد دوير، بخصوص صديقه المهندس أحمد يحيى السكندري القادم من المملكة السعودية في إجازة سنوية فاعتقل واختفى ولم يستدل على محبسه، ويطالب دوير بمعرفة مكان صديقه.

هو نفس ندائي أيضا لمعرفة أماكن احتجاز الأصدقاء: الدبلوماسي يحيى نجم، والصحفي الشاب سليم صفي الدين، والفنان الكبير إيمان البحر درويش الذي لا ندري إن كان مختفيا قسريا، أو متهما في قضية، أم سافر خارج البلاد، أم في إقامة جبرية بمنزله، لكن المؤكد أننا لا ندري أين إيمان البحر درويش؟!

سبق حالة أحمد يحيى القادم من السعودية في إجازة، حالة مشابهة للشاب أحمد خربوش من شباب حزب الكرامة، إذ كان عائدا من المملكة العربية السعودية، واختفى في مطار القاهرة، ولا نعرف مكانه حتى الآن، كذلك صحفي الجزيرة ربيع الشيخ: اعتقال ثم  حبس طويل الأمد.

يحيي إبراهيم مدرس سكندري كل ما شغله خلال سنوات ماضية قضايا المعتقلين وينادي بالإفراج عنهم، اختفى من منزله منذ حوالي شهر، ولا ندري أين هو؟

ثم كان صدور أحكام بالسجن على حسام مؤنس وزياد العليمي وهشام فؤاد خمس سنوات وأربع سنوات، وهو نفس الحكم على علاء عبد الفتاح ومحمد الباقر ومحمد أكسجين بتهم نشر أخبار كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الأحكام غير القابلة للطعن، التي تم التصديق عليها في غضون خمسة أيام دون فرصة لتقديم التماس لعدم التصديق عليها.

انفراجة سياسية

ورغم تفاؤل الكثيرين بانفراجه سياسية مع إطلاق الدولة المصرية لاستراتيجية حقوق الإنسان في العام الماضي، إلا إنني لم اتفق معهم خاصة أن أعداد المختفين والمقبوض عليهم تتزايد بعد إطلاقها.

قال لي الباحث السياسي علاء عوض، إن العام الحالي سيشهد انفراجه سياسية، ويرى حتمية ذلك، ويدلل على هذا بخروج رامي شعث الخميس الماضي من محبسه، رغم أنه خرج على مطار القاهرة، ثم إلى الأردن، ومنها إلى فرنسا التي يحمل جنسيتها- بعد أن أُجبر على التنازل عن الجنسية المصرية ليخرج من السجن. شعث فلسطيني الأصل، ومصري الجنسية والانتماء، ويقود حملة المقاطعة ضد العدو الصهيوني، أُجبر على التنازل عن جنسيته المصرية ليحصل على حريته.

كم هو مؤلم أن يكون طريق الحصول على حريتك المستحقة بعد 900 يوم من سجن “بلا تهمة” هو التنازل عن جنسيتك!

فتح تنازل شعث عن الجنسية ملف الذين تنازلوا عنها من قبل: محمد سلطان وآية حجازي وإبراهيم حلاوة الذين خرجوا من السجن إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي يحملون جنسيتها.

ثم كان تنازل باتريك زكي عن الجنسية أيضا، إذ تدخلت إيطاليا التي يحمل جنسيتها في الإفراج عنه. ولا ننسى الصحفي محمد فهمي الذي تنازل أيضا عن الجنسية ورحل إلى كندا التي يحمل جنسيتها.

لا ندري ظروف خروج السيدة علا القرضاوي من محبسها في ديسمبر الماضي؟ كما نجهل أيضا ذلك بشأن خروج الناشط المسيحي رامي كامل عشية الاحتفال بعيد الميلاد في الكنيسة المصرية. فهل تدخلت الكنسية للإفراح عنه؟ بعد أكثر من عامين في الحبس.
ربما تكشف الأيام القادمة عن هذه الظروف.

أما رامي شعث فقالت أسرته إنه أُجبر على التنازل عن الجنسية بتدخل فلسطيني فرنسي ومفاوضات بين السلطات في البلدين والحكومة المصرية.

مائة ألف سجين

أكثر من مئة ألف سجين مصري، ولا نعرف عدد المختفين قسريا، في ظل اتهامات هشة تتعلق بحرية التعبير للغالبية العظمي منهم، وكما حدث في الحالات الثلاث تنتهي كل التهم في لحظة، ويخرج السجين بضمان محل الإقامة، أو الجنسية الأخرى التي يحملها، ولا كلام عن اتهامات مرسلة أكلت من عمره سنوات!
فهل نبحث بداية عن جنسية أجنبية لكل السياسيين، الذين يقبعون في السجون، ليتنازل المصريون عن جنسيتهم  مقابل الحصول على حريتهم، هل أصبحت الحرية للمصريين مقابل الجنسية؟

ما حدث في حالات المصريين الذين تنازلوا عن الجنسية، يمس كرامة مصر ويمس قضاءها وقضاتها، فلم يحدث أن مرت مصر بتلك الحالة أبدأ إذ لم يتنازل معارضو جمال عبد الناصر أو السادات أو حسني مبارك أو محمد مرسي عن الجنسية المصرية مقابل الحصول على حريتهم، فماذا حدث في بنية الدولة الداخلية حتى وصلنا لشعار حريتك في مقابل جنسيتك!

المصدر : الجزيرة مباشر