ماذا يقدم الفنان الملتزم؟

بيتهوفن

سبق أن بينت في مقال سابق لي بعنوان “أيها الفنانون لا تعتزلوا الفن”، ردا على موقف من يؤيد اعتزال الفنان للفن، وهجره له، أنه ينبغي للفنان أن يستمر في فنه، ويعدل في مساره، ويصحح في مواقفه، أما الاعتزال وترك ساحة الفن بدعوى أنه مجال محرم، فهو كلام غير صحيح، فكل عمل يمكن أن يكون حلالا ويمكن أن يكون حراما، فالأمر يعتمد على ما يقوم به الفنان، أو القائم بالعمل. وظل هناك سؤال يطرح وهو إذا كان الفنان لن يعتزل، وسيظل يعمل بالفن، فماذا يقدم، وهل هناك ضوابط وتشديدات تجعل الإبداع صعبا بالنسبة له؟

وهو سؤال يطرح من واقع التشدد الفقهي، لا من واقع التيسير الشرعي الأصلي، فالأصل في الأشياء الإباحة، وهو أصل فقهي مبني على رؤية كلية في التشريع الإسلامي تنطلق من أن الحلال في الكون كثير جدا، والمحرمات قليلة جدا ومعدودة، يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة: 29.

وحين أسكن الله آدم وحواء الجنة للاختبار، فقد كانت جنة ابتلاء واختبار، وليست جنة الآخرة، فقال تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} البقرة: 35، فالمحرم على آدم هنا شجرة واحدة، وبقية ما في الجنة من أشجار حلال له ولزوجه، وفي هذه الأمر دلالة على كم المباحات، وكم المحرمات، فالمحرم قليل، والمباح كثير، وهو ما يدل على اتساع دائرة الحلال في حياتنا، ويمكننا أن نحصر الحرام ونعده، ولا يمكننا حصر الحلال وعده.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نجيب عن السؤال المطروح: ماذا يقدم الفنان الملتزم؟ إنه يستطيع أن يقدم كل ألوان الفن، بكل مجالاته، شريطة أن يبتعد عن الفحش، والبذاءة، والمحرم بيقين، وما عدا ذلك من متسع فيمكنه تقديمه، سواء في إطار فن غناء، أو فن التمثيل، وليس شرطا في التزام الفنان ألا يقدم إلا أعمالا دينية، تتعلق بمسلسلات تتكلم عن الرسل والأنبياء والصحابة، والتاريخ الإسلامي، فهذا تضييق لعمل الفنان، لم يأمر به الشرع، فالإسلام ينظر للإبداع الفني بوجه عام، بقدر ما يقدم الفنان من أعمال تخدم الإنسانية والبشرية، وتزكي العواطف النبيلة، والأخلاق الحسنة، ولو لم يكن الفنان مسلما، أو لم يكن فنه يندرج تحت ما يسمى في حياتنا بالفن الإسلامي.

مبدأ إنسانية الفن:

إن الإسلام ينظر للفن من حيث خدمته للإنسانية، فكل فن يخدم الإنسان، والقيم والمبادئ السامية، حتى لو لم يكن مسلما، وحتى لو لم يكن نوى بذلك خدمة الإسلام، فالإسلام يعتبره فنا متدينا ملتزما، ما دام قد حقق الهدف المطلوب، وهو ترقية المشاعر، والسمو بالنفس البشرية، والبعد عن الفحش ومساوئ الأخلاق. ومبدأ اعتماد إنسانية الفن في الحكم على الفن من حيث إسلاميته، هو ما تبناه نظريا وكتابة الأستاذ محمد قطب حفظه الله ولكن في مجال الأدب[1]، ونعني هنا بمبدأ إنسانية الفن أن الفن الإسلامي له أهداف وأن هذه الأهداف إذا تحققت -ولو على يد من لا يؤمنون بقضية الفن الإسلامي- نعتبر هذا الفن معبرا عن الفن الإسلامي.

وهو توجه نبوي إسلامي بلا شك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم على المبادئ والمفاهيم والثقافات من حيث أهدافها ونفعها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن شعر أمية بن أبي الصلت الشاعر الذي مات كافرا: “آمن شعره، وكفر قلبه”.[2]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم”.[3]

قال الإمام المناوي: “وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، أي: لكنه لم يوفق بالإسلام مع قرب مشربه”.[4]

وعن الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: “هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟” قلت: نعم، قال: هيه. فأنشدته بيتا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت. قال: إن كاد ليسلم”.[5]

قال الإمام النووي: “مقصود الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم استحسن شعر أمية واستزاد من إنشاده؛ لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، ففيه جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه، سواء شعر الجاهلية وغيرهم”.[6] فالنبي صلى الله عليه وسلم حكم على شعره بالإسلام، وإن لم يؤمن قلبه، وكان يستنشد صحابته ويستزيدهم من شعره، رغم كفر الرجل.

كما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامية مبدأ وهدف حلف الفضول الذي عقد في بيت عبد الله بن جدعان، قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وهو حلف لنصرة المظلوم، فقال عنه صلى الله عليه وسلم: “لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”.[7]

وعندما نتأمل في فن موسيقي كبير من موسيقيي الغرب وهو (بيتهوفن)، نجد أن موسيقاه يمكن أن تصنف ضمن الفن الإسلامي، فالرجل في تأملاته النفسية والشخصية التي دونت عنه فيما بعد، تدل على إنسان رقيق المشاعر، شفاف النظر، له تأملات خاصة مع الله سبحانه وتعالى، وهو ما أسهب في بيانه وتفاصيله الدكتور عماد الدين خليل في مقال مطول عن بيتهوفن وموسيقاه، وعلاقة فنه بصحيح الدين، من خلال تأمله في الكون والحياة، الذي استلهم منه فنه وموسيقاه.[8]

الفقهاء وجواز الغناء الرومانسي:

وما يقال عن فن التمثيل، يقال كذلك عن الغناء والموسيقى، فالأصل فيها الإباحة، ما لم تشتمل على محرم، أو تثير غريزة، وقد يظن البعض أن الفقه الإسلامي وقف حجر عثرة أمام إبداع الفنان في الغناء، وهو كلام ينطوي على جهل بالفقه الإسلامي، وجهل بموقفه من فن الغناء، وقد ناقش الفقهاء قضية: الشعر والغناء الرومانسي، ومدى جوازه، ومتى يجوز أو يحرم؟ ومن يبحث في الفقه الإسلامي في قضية التشبب بالنساء، أي التغزل بهن، فسيجد تفاصيل في غاية الأهمية في الموضوع.

فالإمام ابن رشد المالكي في حديثه عما يجوز للحاج وما لا يجوز، حيث إن الحج يمنع فيه الرفث والسوق والجدال، ناقش هذا السؤال: إذا قال الحاج شعرا فيه غزل في النساء، فهل يعد ذلك من الرفث الممنوع شرعا أم لا؟ فقال: “ولا بأس أن ينشد اليسير منه متمثلا به، قال ابن حبيب: ما لم يكن فيه خنا وذكر النساء، وقد فعله أبو بكر وابن عباس وغيرهم، وقد أجاز جماعة من السلف أن ينشد المحرم ما فيه التشبب بالنساء، وقال: إنما الرفث المنهي عنه ما روجعن به”. [9]

وقال ابن علان الشافعي في نقاشه لإنشاد الشعر في المجسد، لو اشتمل على تغزل أو غيره: “لا يحرم التشبب إلَّا بامرأة أو غلام معين، ويمكن أن يفرق بأن الحرمة هنا جاءت من حيث المسجد فيحرم فيه ذلك مطلقًا لما فيه من الفحش بخلافه خارجه، وأما ذكر صفات الخمر المقتضية مدحها فالظاهر إنما اقتضاه صريح كلامه من حرمته في المسجد، وأما خارجه فللنظر فيه مجال، والأقرب الحرمة، ومن ثمة أفتيت بحرمة مطالعة الكميت قيل: ما طالعها أحد إلا شربها، هذا كله حيث لم يقع منه إشارة أو قرينة تعين أن المراد غير الخمر المحرمة، كما يقع لكثير من أنهم يعنون ريق المحبوب، أو فواتح الحق على عباده ونحو ذلك فحينئذٍ لا حرمة، وعلى هذا يحمل ما جاء عن الصحابة، كما وقع لكعب بن زهير رضي الله عنه في بانت سعاد وأنشدها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه.

فإن قلت: هذه واقعة حال يحتمل أنه كان قبل تحريم الخمر. قلت: هذا الاحتمال بعيد فلا يسقط بمثله الأدلة الظاهرة، على أن الكلام في الخمر غير الحقيقية فلا يرد السؤال من أصله، ثم رأيت إنه كان بعد تحريم الخمر، وعلى الشعر المذموم حمل قوله صلى الله عليه وسلم: “من رأيتموه ينشد شعرًا في المسجد فقولوا له فض الله فاك ثلاث مرات”، رواه ابن السني، وحمله ابن بطال على ما يتشاغل به كل من بالمسجد حتى يغلب عليه”. [10]

وعند الشافعية كذلك يقولون: “إن ‌التَّشْبِيب بالنِّساء والغلمان من غير تَعْيين لا يخلُّ بالعدالة، وإن أكثر منه؛ لأن ‌التَّشْبِيب فَنٌّ وغَرَضُ الشاعر إظهارُ الصنعة في هذا الفَنِّ تحقيق المذكور، وكذلك ينبغي أن يكونَ الحُكْم لو سمَّى امرأةً لا يدري من هي”. [11]

وفي بعض كتب الفقه المالكي نقرأ هذا الكلام: “وأما القصائد الصريحة في الشعر كذكر القدود، والخدود، والخمور، والشعور فتجنبها واجب، وقيل: بالجواز إذا لم يكن فيه محذور. ففي الإحياء: وأما النسيب، وهو ‌التشبب الذي فيه وصف الخدود، والأصداغ، وحسن القد، والقامة، وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر، والصحيح لا يحرم نطقه، ولا إنشاده بصوت، وعلى السامع أن لا ينزله على امرأة معينة، وإن أنزله أنزله على من تحل له من زوجته أو جاريته، فإن أنزله على أجنبية، فهو العاصي بتنزيله وإجالته الفكر فيه.

ومن هذا وصفه فينبغي أن يتجنب السماع رأسا، وفي المعيار أنه: سئل الشيخ الخطيب الرحال الحافظ الضابط أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي عن الشاعر: هل له رخصة في وصف الخدود، والقدود، والنهود؟ فأجاب: اختلف العلماء في وصف الخدود والقدود، فمن مبيح، ومن محرم.

قال أبو الفرج بن الجوزي: إن الإمام أبا حامد الطوسي قال: إن النسيب بوصف الخدود والأصداغ، وحسن الخد، والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح لا يحرم، وما قاله صحيح إذا كان فيمن يملكه الإنسان، وفي وصف النساء. وأما الذكور، ففي المعين: الظاهر التحريم، وفي غير المعين إن نوى به التفنن في الكلام، أو الشخص الجميل من حيث هو شخص لا ذكر ولا أنثى، وإن كان بلفظ الذكر، فالظاهر الجواز، ولا يخلو من الكراهة، وقد سلكه الأفاضل والأماثل، وعفو الله وراء ذلك كله، والأعمال بالنيات”. [12]

وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي: “وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير، وفيها التشبيب بسعاد. ولم يزل الناس يروون أمثال هذا، ولا ينكر.

وروينا: أن النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن الخطيم، فلما دخل النعمان سكتوه من قبل أن فيها ذكر أمه، فقال النعمان: دعوه، فإنه لم يقل بأسا، إنما قال:

وعمرة من سروات النساء … تنفح بالمسك أردانها

وكان عمران بن طلحة في مجلس، فغناهم رجل بشعر فيه ذكر أمه، فسكتوه من أجله، فقال: دعوه، فإن قائل هذا الشعر، كان زوجها”.[13]

معظم المذاهب الفقهية السابقة تجيز التغزل بالنساء إذا كانت المرأة غير معينة، وكذلك المذهب الحنفي، لكنه توسع أكثر منهم، فأجاز التشبب بالمرأة غير المعينة إن كانت حية، أما إن كانت ميتة فلا مانع عندهم من أن تكون معينة في هذه الحالة. [14]

ففي كلام الفقهاء السابق ذكره ما يدل على توسعتهم في الغناء الرومانسي، ولو كان تغزلا في المرأة دون تعيين لها، أي ليس في شخصية بعينها، أو في زوجته، وهو معظم الغناء الرومانسي سواء في العرب أو الغرب، ولذا رأينا في تاريخنا الفقهي شعراء من الفقهاء، وكان من شعرهم: الغزل، وقد كتب في ذلك المرحوم الفقيه الأديب الشيخ علي الطنطاوي رسالة ماتعة بعنوان “من غزل الفقهاء”، أتى فيها بقصائد في الغزل لفقهاء وقضاة كبار في تاريخنا الفقهي.

قصدت بذكري كل هذه المساحات من التيسير الفقهي في تراثنا الفقهي، بيان أن دائرة الإبداع الفني تمثيلا وغناء تتسع للفنان الملتزم، الذي يريد أن يقدم فنا لا يتعارض مع الشرع، وليس معنى التزامه أنه سيحصر نفسه في مجال واحد فني يتعلق بالوعظ والإرشاد، وهو مجال طيب وجيد، لكنه ليس كل مجالات الحياة المطلوب تناولها فنيًّا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: منهج الفن الإسلامي للأستاذ محمد قطب ص 177-180 طبعة دار القلم (الشروق فيما بعد).
[2] ذكره الفاكهي في أخبار مكة (3/203) برقم (1973) وابن حجر في الإصابة (1/251) و(8/51) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وابن عساكر في تاريخه عن سعيد بن المسيب مرسلا، انظر: فيض القدير (5/517).
[3] رواه البخاري (3628) ومسلم (2256) وابن أبي شيبة في مصنفه (5/272) برقم (26015) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] انظر: فيض القدير (1/524).
[5] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (5/272) برقم (26012).
[6] انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (15/13).
[7] رواه ابن إسحاق في السيرة كما في ابن هشام (1/92) وقال الشيخ الألباني في تخريجه: وهذا سند صحيح لولا أنه مرسل، ولكن له شواهد تقويه، فرواه الحميدي بإسناد آخر مرسلا أيضا كما في البداية (2/92) وأخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (1655) و(1676) من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا دون قوله: “ولو دعيت به في الإسلام لأجبت” وسنده صحيح. انظر: فقه السيرة للشيخ الغزالي بتحقيق الشيخ الألباني ص 82. طبعة إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر.
[8] انظر: مقال “مع الموسيقار بيتهوفن في الطريق إلى الحقيقة” للدكتور عماد الدين خليل المنشور في مجلة “حضارة الإسلام” في العدد التاسع من السنة السابعة بتاريخ: ذو القعدة سنة 1386هـ ـ 10 من فبراير سنة 1967م.
[9] انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (3/416،415).
[10] انظر: الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية لابن علان الشافعي (2/67،66).
[11] انظر: العزيز شبرح الوجيز للرافعي (13/18) ورضة الطالبين للنووي (11/229) ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (5/904).
[12] انظر: لوامع الدرر في هتك أسرار المختصر (2/337،336).
[13] انظر: المغني لابن قدامة المقدسي (12/46،45).
[14] انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي (7/410).

المصدر : الجزيرة مباشر