بعد نكسة هونغ كونغ.. هل نأمل في إنعاش الاقتصاد بعد اغتيال الحرية؟!

هونغ كونغ في ليلة رأس السنة

كثير من القادة يضعون شعوبهم بين خيارين، إما الأمن وإما الفوضى. دفع الناس بين نقيضين لا ثالث لهما من الأمور الصعبة للغاية، خاصة إذا خاطبت أهم غريزة في البشرية وهي حب البقاء، فمن منا لا يبحث عن الأمن وقد يلجأ إلى محاربة من يهدده؟! هذه النغمة تجدها في النظم التي لا تثق في شعوبها، لتبقى في السلطة عبر إشاعة الخوف، بما لديها من قدرات عسكرية يعلم الناس أنها ستوظف ضدهم إذا خرجوا على قواعد النظام في أي مكان وزمان.

شاع نموذج دولة الخوف في السنوات الأخيرة، ولكن جاءت الصين لتضع نموذجا فريدا أمام المشرق العربي وحول العالم. فما شهدته جزيرة هونغ كونغ في الساعات الأخيرة من عام 2021، يبيّن أن الديمقراطية لا يمكن أن يحميها شعب يعيش في دولة الخوف، وأن الطغاة إذا دخلوا قرية أفسدوها ووضعوا المطالبين بالحرية في السجون أو يهربون بحياتهم للخارج.

الأسوأ

شهدت هونغ كونغ أسوأ ظاهرتين في أسبوع واحد، الأولى عند إعلان نتيجة الانتخابات التشريعية وفقا لقانون “الأمن القومي والإصلاح الانتخابي” الذي صدر عام 2020. فاز المرشحون المدعومون من الحزب الشيوعي في بيجين بالأغلبية الساحقة في انتخابات شكلية غاب عنها نحو 70% من الناخبين، ووصفهم الأمن بأنهم “خونة”. وعبّرت الكارثة الثانية عن نفسها تلقائيا لارتباطها بالأولى، وهي أن بورصة هونغ كونغ تلقت “أسوأ أداء لها منذ عشر سنوات بين أسواق المال الكبرى” وفقا لما ذكرته وكالات متخصصة مثل بلومبرج وول ستريت جورنال والصحف الصينية ذاتها، في وقت كانت الأسواق تتوقع تعافيها بعد أزمة كوفيد-19.

ربما لا يريد عشاق الأنظمة الشيوعية وغلاة القومية والمؤمنون بوجود الديكتاتور العادل الربط بين الكارثتين اللتين سبق ذكرهما آنفا، لذلك علينا أن ننظر إلى القضية من جذورها في الجزيرة التي كانت تحظى بحكم ذاتي ديمقراطي، عندما تسلمتها السلطات الصينية من إنجلترا عام 1997، بعد احتلال دام نحو 150عاما. فقد وافق الرئيس (دنغ شياو بينغ) مؤسس نظرية الإصلاح الاقتصادي في الصين على أن تظل إدارة هونغ كونغ تحت سلطة ديمقراطية لشعبها، في ما يُعرف باسم “دولة واحدة ونظامان”. ورغم مخاوف كثير من كبار رجال الأعمال والشباب في حينه من العودة إلى أحضان نظام شيوعي، فلم يعترض أحد على أن “هونغ كونغ جزء من الدولة الأم” بل تنامت تدريجيا مشاعر الانتماء القومي إلى الصين وبخاصة بين الشباب من 20% عام 1997 إلى نحو 39% بحلول عام 2008، مع عدم تدخل بيجين في نظام الحكم وتوظيف الدولة لقدرات المدينة التي كانت تمثل نحو 27% من الناتج القومي للبلاد.

نافذة على العالم

عدّ الصينيون هونغ كونغ نافذة لهم على العالم الحر، بما مكنهم من التواصل مع الأسواق الدولية، وتسهيل وصول الاستثمارات والتكنولوجيا من الغرب، حتى أصبحت مَعبرا لكل ما هو داخل وخارج من الصين. ظلت المدينة ذات أهمية كبرى للبلاد حتى تضخم الاقتصاد في الوطن الأم، ونمت مدن عملاقة بالقرب منها مثل شانغهاي وشينزن وجوانزو، وهبطت مشاركة المدينة في الناتج القومي رغم بلوغه نحو 800 مليار دولار عام 2020، حيث أصبح يمثل 3% فقط من الناتج الإجمالي للصين.

تمتلك هونغ كونغ نظاما ليبراليا كاملا تطور عبر أجيال، دعمته عائلات غنية ومؤسسات مالية وجامعات رفيعة المستوى، ومؤسسة قضائية رصينة ساهمت في انشاء وسائل إعلام حرة وأحزاب قوية ومعارضة مستنيرة. عندما أعادت الولايات المتحدة الصين الأم إلى مقعدها في الأمم المتحدة عام 1971، كانت توصية هنري كيسنجر -وزير خارجيتها المخضرم- تعتمد على أن التحول الاقتصادي في الصين يمكن أن يبعدها عن النهج الشيوعي الشمولي تدريجيا، فتصبح قوة رأس المال في يد الشعب، تتولد معها قوى ليبرالية قائمة على تنامي دور المجتمع المدني وحرية الكلمة والتعبير. هذه التوصية كانت تعدّ هونغ كونغ والمدن الاقتصادية الحرة التي أنشأتها الصين في بداية الثمانينيات نقطة الانطلاق التي ستتحقق هذه التحولات، بينما كانت بيجين تنظر إليها على أنها “حصان طروادة”. النظرة بين النقيضين ظلت حاضرة في ذهن قادة الحزب الشيوعي، وإن بقيت نارا مستعرة تحت التراب، إلى أن جاء الرئيس الحالي (شي جين بينغ) وغلاة القوميين الذين يحيطون به.

بجرّة قلم، جرّد الرئيس شي سكان هونغ كونغ من مظاهر الديمقراطية التي حظيت بها منذ عشرات السنين، فبدلا من أن ينتظر نهاية مدة الاتفاق (دولة واحدة ونظامان) مع بريطانيا بحلول عام 2047، ألغى جميع المميزات المؤدية إليه. أنهى شي اختيار البرلمان لرئيس المجلس التنفيذي للمدينة مباشرة، وأمر أن يكون الرئيس معتمدا من نواب برلمان بيجين أولا. بدأت الثقة تنهار تجاه بيجين منذ عام 2017 بعد أن وجهت قوات عسكرية لمواجهة المحتجين ضد نقض اتفاق العودة، وزادت بعد مظاهرات عام 2019 عندما استخدمت القنابل المسيلة للدموع والقمع المفرط في مواجهة المتظاهرين. أنشأت هذه القوات سرايا تابعة للحزب الشيوعي تتعقب الناشطين في الجامعات والنقابات، وأخرى تهندس الولاءات داخل الأحزاب وتشتري أجهزة الإعلام.

عقدة الربيع العربي

تنامت عقدة بيجين مع متابعتها مظاهرات الربيع العربي خلال العقد الماضي، فجعلتها لا تثق في أي حركات تستهدف الديمقراطية أو حرية التعبير في هونغ كونغ أو حياة كريمة للمسلمين الإيغور أو التبت. هكذا تشعر الأنظمة الديكتاتورية بانعدام الأمن مع أي حركات تحررية، لذلك تبالغ في رد الفعل، بينما تؤدي القرارات السيئة للسلطة إلى تقويض قدرات الدولة ومؤسساتها. أصبح القادة الصينيون أكثر عدوانية. لم يعد لديهم صبر على انتظار ما ستسفر عنه التحولات الاقتصادية بعد ربع قرن أو أقل، لذلك يرغبون في تحقيق طموحاتهم بالاعتماد بشكل متزايد على النعرة القومية، خاصة أنهم يشعرون بوجود تناقض حقيقي في الأيديولوجيا التي يلقنونها لشعوبهم، مع التحول الاقتصادي الرأسمالي وتناقص مصادر الترابط الاجتماعي التي يمكن أن تضمن لهم الولاء الدائم بين الجماهير.

تدير الحكومة الشيوعية نظاما كفئا من حيث الضبط والالتزام بقوانين الدولة، وإن شابه الكثير من الفساد، وهي في الوقت ذاته لا تحب الكشف عنه إلا من خلال مؤسسات الحزب الذي يمارس هذه الوظيفة بتعليمات عليا تعمَّم على كتّاب السلطة وأجهزتها وأدواتها. حرص شي جين بينغ على إنهاء دور هونغ كونغ في بناء نموذج لحرية الرأي التي سمحت بتنظيم مظاهرات سنوية تحتفي بالمجازر التي ارتكبها الحزب الشيوعي في ميدان تيانانمين عام 1989، بينما هو يعمل على إخفاء أي معلومات عن “مجازر العار” داخل الصين ويحاربها في الخارج. كما يكره (شي) دور الإعلام في الجزيرة لامتلاكه “الوقاحة” بأن يسرب أخبارا عن أول معلومات من “ووهان” موطن وباء كوفيد-19، أو يكتب عن مساوئ  الحزب الشيوعي وفساده، وينشر رسوما كاريكاتورية للرئيس في الصحف وعلى قارعة الطرقات، بينما يتولى الرئيس تأليف كتب تعلّم الأجيال الجديدة أن نظامه نموذج عالمي يصلح لتحقيق الأمن والسلام والرفاهية للصين ولشعوب الكرة الأرضية. في حربه ضد النموذج الديمقراطي على النهج الغربي، كان شي جين بينغ يستطيع أن يصنع نموذجا إنسانيا يخالف النظام الاستعماري الذي صنعه الغرب، وجعل من الجنس الأبيض سيدا بينما الأجناس الأخرى -كالأسود والأصفر- مجرد خدم أو عبيد في الجِوار، لكنه سار على نهج النظم الفاشية -مثل النازية والروسية والجنرال فرانكو- التي تمتلك الكفاءة الإدارية، بينما الكفاءة وحدها لا تجعلك ديمقراطيا.

أثناء وجودي في الصين أيقنت أنها من الدول الأكثر أمانا من أي دولة ديمقراطية في العالم، حيث يمكنك الاستمتاع بالخروج ليلا في مدن كبرى مثل شانغهاي وبيجين والأقاليم دون خوف مما رأيته في عيون الناس بضواحي نيويورك وباريس ولندن، لكن هذا الأمن لا يخفي القمع الدائم للمواطنين على الإنترنت وفي كل مكان، وبخاصة من الأقليات الدينية والعرقية ونقاد الحزب. كما لا يعني ذلك ابتعادها عن إدارة جيش هائل من مافيا تجارة الأعضاء البشرية وأماكن اللهو والدعارة وتجارة الممنوعات التي تتم في شوارعها ليل نهار، أسوة بما تفعل النظم السلطوية في المنطقة بما لديها من مهارات تاريخية في إدارة البلطجة السياسية والمالية.

تزييف الحقائق

توظف الصين قدراتها المالية الهائلة لإدارة إعلام بديل يزيف الحقائق عنها في الداخل وحول العالم، ويهاجم بريطانيا التي تعهدت وزيرة خارجيتها ليز تروس “بمواصلة مراقبة الوضع في هونغ كونغ وفقا لاتفاق تسليم الجزيرة، بل نددت بالهجوم الصيني “المتبجح على القضاء والمجتمع المدني والدبلوماسيين الأجانب” الذين عارضوا الانتخابات الهزلية التي أُجريت الأسبوع الماضي، بعد إلقاء القبض على عشرات البرلمانيين السابقين والناشطين وإغلاق راديو وقناة هونغ كونغ، المصدر الوحيد للكلمة الحرة، وتغيير نظام الانتخابات بوضع الجزيرة في قائمة واحدة سيطر عليها عملاء الحزب الشيوعي. فالمرشحون وفقا للقانون الجديد، يُشترط أن تمنحهم أجهزة الحزب ورقة صلاحية بأنهم “وطنيون” وهي تعني أن أي معارض لهم إما في خانة العملاء أو وكيل للدول المعارضة للاستبداد أو أحد الجنود الخونة المحتملين في “حصان طروادة”. لهذا لم يكن غريبا أن تختتم الصين مشهد نهاية العام، كما ختمه العديد من الأنظمة الديكتاتورية والعربية، بعد إغلاق صحيفة “أبل ديلي” واعتقال صاحبها ومصادرة أصولها، بإلقاء القبض على 6 من رؤساء تحرير صحيفة “ستاند نيوز” واتهامهم مع ممثلة شهيرة ورئيس جمعية الصحفيين (آن تشان) بـ”إثارة الفتنة ونشر أخبار تهدد الأمن القومي”. كما أزالت ” تمثال “مجازر العار” من ساحة الجامعات وحلّت أكبر النقابات العمالية. تهمة “إثارة الفتنة” المعلبة من جملة واحدة أصبحت “تحقيقا وحكما” في الصين، وأمثالها تودي بأصحابها إلى السجن ما بين سنتين وعشر سنوات، ومصادرة أملاكهم وأعمالهم. هذه الممارسات أجمع خبراء في مؤسسات مالية كبرى وعلى رأسهم ماك ميلان من مؤسسة ريال موني على أن “الاختفاء المحبط للحريات ومحاربة الديمقراطية أهم الأسباب الثلاثة الرئيسية وراء الانهيار في بورصة هونغ كونغ”. أعلنت بيجين الحرب على الديمقراطية فضاعت قيمة هونغ كونغ جوهرة أسواق المال في الشرق. فهل مازلنا نأمل في الاستقرار والانتعاش الاقتصادي مع وأد الحريات ومحاربة الديمقراطية؟!

المصدر : الجزيرة مباشر