عبد الرحيم منصور.. مغنواتي الغربة والوطن

عبد الرحيم منصور

في عام 1977 كنا نتحلّق صغارًا حول الدراما التليفزيونية في شهر رمضان في الريف المصري، فكانت الدراما ذات طعم مختلف بعد أن انتقلنا مؤخرًا من الاستماع الإذاعي إلى المشاهدة التليفزيونية الساحرة، وتحوّل الخيال إلى صور حقيقية تجري أمامنا كخيّال الظل الذي كان يأتينا صغارًا في قريتنا، وفي هذا العام كان اللقاء الأول لي مع شاعر الأغنية الوطنية التي تغنّى بها شباب جيلي من خلال صوت محمد منير الذي نعدّه مع علي الحجار أنهما التعبير عن المتمردين من جيل الثمانينيات، إنه الشاعر عبد الرحيم منصور وذلك من خلال المسلسل الذي أذيع في رمضان ذلك العام بعنوان: (مارد الجبل) الذي يحكي قصة أحمد بن شبيب أحد فرسان الصعيد في العصر المملوكي الذي رفض الظلم في ذلك العصر وقاومه.
كان أبرز ما في هذا المسلسل تلك الرباعيات، التي كان يلقيها بطل المسلسل بصفته واحدًا من ناظمي الرباعيات، وكان الغريب أن نتداول صغارًا تلك الرباعيات، ونرددها في جلساتنا وأحاديثنا اليومية في انتظار الحلقة التالية من المسلسل، الذي كان من إخراج نور الدمرداش، ومن هذه الرباعيات التي سكنت وجداني ولم أنسها حتى الآن:
الندل ميت وما هو حي
ما حد حاسب حسابه
كلامه كالترمس الني
حضوره يشبه غيابه
أما أغنية المقدمة والنهاية، فقد صرنا نتغنى بها في شوارع القرية، ونحفظها عن ظهر قلب:
فتى الفتيان أبو الفرسان
وكله إيمان وفاتح قلبه للدنيا
وواخذ أهله بالأحضان
أصل الولد شاعر
جواه عذاب واعر
مشواره للآخر مر قاس وصعيب

اللقاء الأول

كان هذا اللقاء الأول مع اسم شاعر الغربة والوطن عبد الرحيم منصور، فقد عاشت الغربة في قلبه منذ أن ترك قريته الصغيرة في محافظة قنا مع عبد الرحمن الأبنودي والقاص المبدع يحيى الطاهر عبدالله وشاعر المقاومة والرفض أمل دنقل، قادمًا إلى القاهرة في بداية الستينيات، الغريب أن هذا الرباعي الذي ينتمي إلى مكان واحد تقريبًا قد أضاءوا القاهرة والوطن العربي بإبداعاتهم التي ظلت في سجل الأدب والشعر العربي.
في عام 1982 أفرجت السلطات المصرية عن مجموعة الأغاني الوطنية التي غنّاها عبدالحليم حافظ للثورة ولجمال عبد الناصر، وأصدرت شركة عبد الحليم حافظ الأغاني في مجموعة شرائط، وكان نصيبي أن حصلت على تلك الشرائط، فكانت رفيق الاستذكار في سنوات دراستي للثانوية العامة، وفي هذه الأغاني كانت هناك أغنية بعنوان: (قومي يا مصر) لم تكن صاحبة حظ في شهرة أغاني عبدالحليم حافظ الوطنية، وتقول بعض كلماتها:
قومي إليكِ السلام
يا أرض أجدادي
عليكِ منا السلام
يا مصر يا بلادي
مصر قومي يا مصر
وبعد النصر وبعد الليل جاي النصر

بليغ ومنصور

لا أدرِ ما سر الارتباط الكبير مع هذه الأغنية، وللمرة الثانية يخرج اسم عبدالرحيم منصور أمامي، ومع بداية تفتّح الوعي اكتشفت أن معظم الأغنيات التي ارتبطتُ بها صغيرًا كانت كلمات لهذا الشاعر، فقد شكّل عبدالرحيم منصور مع بليغ حمدي ثنائيًا غنائيًا مهمًا منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي حتى رحيل منصور في عام 1984، فقدّما معًا بدايات أغاني معظم مغني الجيل عفاف راضي ووردة الجزائرية، وقدّما لشادية مجموعة أغان متميزة، وميادة الحناوي وسميرة سعيد وعلي الحجار ومحمد رشدي، ونستطيع القول إنه ما من مطرب أو مغن ظهر في مصر في هذه المدة إلا وغنى لهذا الثنائي الفريد.
بليغ حمدي وعبدالرحيم منصور هذان اللذان دخلا مبنى الإذاعة والتليفزيون المصري قبيل حرب يونيو/حزيران، وقدّما أكثر من 270 أغنية وأنشودة وطنية دفاعًا عن الحلم العربي بالانتصار على العدو، ولم يتركا مبنى الإذاعة إلا بعد إعلان الهزيمة، وبعد ست سنوات كانت أولى أغنيات نصر أكتوبر من كلمات عبدالرحيم منصور وألحان بليغ حمدي، أغنية (الله أكبر) للمجموعة، ثم كانت أغنية الربابة للفنانة وردة ثاني تلك الأغاني، أما أغنية (مصر) فكانت دعوة لانتفاض الوطن من أجل الثأر للهزيمة.
عاش بليغ حمدي -الموسيقار الذي أعاد الاهتمام للموسيقى الشعبية والمجدد للموسيقى المصرية في عصرها الحديث مع الملحن الشيخ سيد مكاوي- وعبدالرحيم منصور طوال السبعينيات وأوائل الثمانينيات، كأنهما جواز مرور لكل من يريد أن يحترف الغناء، أما المحطة المهمة الثانية في حياة عبدالرحيم منصور فكانت محطة محمد منير وأحمد منيب والموزّع هاني شنودة.
التقى أحمد منيب مع عبدالرحيم منصور وكأنهما غريبان في مدينة الزحام القاهرة، وفي قلب كل منهما شوق للجذور، وعندما تعرّف منصور ومنيب إلى محمد منير، فكأنما وجدا الصوت الذي يحمل كلمات منصور وألحان منيب إلى الجمهور، ووصل الأمر لتصوّر أن منيرًا هو ابنهما، فقدما له الجزء الأكبر ما تغنّى به منير خلال مشواره الغنائي، وكانت بداية مشوار منير في ألبوم (علموني عنيكي):
علموني عنيكي أسافر
علموني أفضل مهاجر
علموني أعشق صحابي
والغريب لو دق بابي
يرتوي من نبع صافي.
وتوالت أعمال منصور منيب طوال مشوارهما، وبعد رحيلهما ظلت الأعمال تخرج من خزينة منير لمنصور ومنيب، وبعض من ألحان هاني شنودة لمحمد منير.
في عام 1983 قدّم المخرج السينمائي علاء كريم فيلمًا تسجيليًا عن ترميم القلعة، وفي هذا الفيلم قدّم الثلاثي: منير منصور منيب، أغنية من أجمل الأغاني الوطنية (أتكلمي)
وليه تسكتي زمن اتكلمي
ليه تدفعي وحدك الثمن اتكلمي
في المشربيات عيونك
بتحكي عن خلق ولت
سهرت وصلت
في الصخر شاركت ما كلت
أنا ابن كل اللي صانك
رمسيس وأحمس ومينا
كل اللي صنعوا بوادينا
نسمة تضلل علينا
وليه تسكتي زمن
اتكلمي.
قدّم عبدالرحيم منصور مع المخرج عاطف الطيب للسينما فيلم (الزمار) سيناريو وحوار وأشعار، وهو الفيلم الذي قدّم فيه على لسان البطل معظم (رباعيات) منصور:
طعم البيوت في الشوارع
طعم الشوارع بيوت
الخطو طالع ونازل
بيتولد ويموت.
يبدو أن الموت كان هاجسًا لدى منصور، وكأنه يشعر أنه سيموت مبكرًا، فقد تعددت صيغته كثيرًا في أشعاره وأغانيه، وبالفعل مات منصور عن عمر يناهز 43 عامًا.
يتغير الزمان
يتغير المكان
تتغير الفصول
يتغير الإنسان
يتغير الميعاد
يتغير الجماد
إلا البداية والنهاية والحقيقة والميلاد.

كلمات الأغاني

قدّم عبدالرحيم منصور كلمات الأغاني لأكثر من عشرين عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا ومسرحيًا كان من أهم تلك الأفلام (حكايتي مع الزمان)، وفيلم (مولد يا دنيا) وهو الفيلم الذي كان محاولة جادة لإنتاج فيلم غنائي، وهو الحلم الأكبر لرفيقه بليغ حمدي، والفيلم من إخراج حسين كمال وبطولة الواعدة الكبيرة في ذلك الوقت عفاف راضي.
لقد عاش عبدالرحيم منصور قليلًا بالقياس الزمني، ولكنه قدّم إبداعًا كثيرًا ومهمًا، وتبقى أغنية منصور في فيلم (حدوته مصرية) بالعنوان نفسه واحدة من الأغاني المهمة جدًا في مشوار طويل لشاعر الغربة والوطن عبدالرحيم منصور.

دي الحكمة قتلتني وحيتني وخلتني أغوص في قلب السر
قلب الكون قبل الطوفان ما ييجي خلتني أخاف عليك يا مصر
وأحكيلك على المكنون
مين العاقل فينا مين المجنون
مين اللي مدبوح من الألم
مين اللي ظالم فينا مين مظلوم
مين اللي ما يعرفش غير كلمة نعم
مين اللي محني لك خضار الفلاحين الغلابة
مين الي محني لك عمار عمالك الطيابة
مين اللي ببيع الضمير مين يشتري مين يشتري بيه الدمار

المصدر : الجزيرة مباشر