قصة الإنجاب القسري في الصين.. وتبنّي الحزب الشيوعي “توفيق الرؤوس” في الحلال!

حفل زواج بمدينة ووهان في الصين

بين عشيّة وضحاها أصبحت الزيادة السكانية أزمة قومية في مصر، وكارثة وطنية في الصين. يناقش النظام المصري حرمان الذين ينجبون أكثر من طفلين من “دعم الدولة” مثل الخبز والتعليم والخدمات المجانية، بينما في الصين، أزالت الدولة حساب الخبير ورجل الأعمال المشهور (رن زيبينغ) من منصات التواصل الاجتماعي الخميس الماضي، بعد مطالبته الحكومة على موقع “Weibo” بتوزيع 315 مليار دولار سنويا، لدفع إعانات للأسر تشجعهم على إنجاب 3 أفراد لكل أسرة. أصبح لكل من مصر والصين وجهة نظر متناقضة عن الأخرى في الزيادة السكانية، رغم بدايتها المشتركة عندما كان التوافق بينهما في ستينيات القرن الماضي على ضرورة تنظيم النسل.

يرى النظام المصري الآن أن زيادة النسل سبب تدهور معيشة المواطنين، ويعتقد أن مواجهة متطلبات المواليد الجدد تتوقف عند توفير الطعام يوميا قبل التعليم أو المسكن، بينما يرى حقه في حرية التعبير وحقوق الإنسان من الرفاهيات. في المقابل، نجد الصين ذات المليار و400 مليون نسمة، بعد أن تناقصت بنحو 10 ملايين خلال الأعوام الأخيرة، وفرضت التعقيم القسري على مئات الملايين من النساء وقتلت ملايين أخرى في الأرحام، تأمر حكومتها كل أسرة بضرورة إنجاب 3 أطفال، كي يزيد عدد السكان 50 مليونا في السنوات العشر المقبلة!.

تدخّل الحكومة في الحياة الشخصية

تتصرف مثل هذه الأنظمة على أنها ليست مسؤولة فقط عن حياة الناس ومماتهم بل ولادتهم وضبط شهواتهم وفقا لما تراه. لذا جاءت دعوة الصينيين إلى ضرورة الإنجاب على شكل الحرب على المواطنين، الذين تهكموا على ” تدخّل الحكومة بقلة ذوق في الحياة الشخصية للمواطنين”، وافتقارها لمراعاة مشاعرهم، لأنهم “ليسوا ماكينة لإنتاج الأطفال” تمنعها الدولة عندما تريد وتعيد تشغيلها عندما تقرر”. يتهم الحزب الشيوعي الحاكم من لا يرغب في الإنجاب بأنه “وصمة عار على الوطن”، وكان أفراد الحزب يتولون الإبلاغ عن الحوامل ومن يُشتبه بهم من الراغبين في الإنجاب بين الأسر الصينية، ويبقرون بطون النساء بوحشية سواء من المسلمات أو المسيحيات أو غيرهن، ويلقون بالأجنة في المصارف والمزابل، ويحرمون الذين أفلتوا من الملاحقة من “التموين الشهري”. فالبلاد -كما تبيّن الإحصاءات الرسمية- أصبحت “دولة عواجيز”، حيث كشفت إحصاءات عام 2020 أن الصين التي يتناقص شبابها وأطفالها، يسكنها الآن 264 مليون شخص تجاوزوا سن الستين، ويُتوقع أن يصلوا إلى 350 مليونا بحلول عام 2035، بما يعني أن الدولة التي لديها أكبر مصانع “ريبوتات” في العالم، لن تجد شبابا يحل محل آبائهم في العمل، وهم الذين سيصبحون من وجهة نظرهم “عالة على الدولة”، في وقت تزيد فيه الأمراض ومتوسط الأعمار إلى 76 عاما. ويخشى الصينيون يوما أن يحتاجوا إلى العمالة الوافدة، بما يثيره ذلك من مخاوف من الغرباء.

من أجل الوطن

الدولة في نظر أعضاء الحزب تواجه مشكلة منافسة من جارتها اللدود الهند، التي ستصبح خلال العقد الحالي أكثر عددا وشبابا ونموا، وعلى الشعب أن يضحي “من أجل الوطن”. تسبب تشدد الحزب في استفزاز الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي وفي تعليقاتهم على مواقع الصحف ووكالة الأنباء الرسمية (شنخوا)، بما اضطر المسؤولين إلى حجبها وملاحقة من يكررها، وخاصة الذين جاهروا منهم بأنهم “غير راغبين في الإنجاب” أو “قطعوا -في عمليات جراحية- مجرى السائل المنوي لعدم رغبتهم في الإنجاب تماما”. لم تنجح آلات الإعلام الرسمية في إثارة النعرة الوطنية لدى الأسر الجديدة أو الشباب، رغم تغيير القوانين خلال 8 سنوات نحو أربع مرات، ليصبح من حق كل أسرة إنجاب 3 أطفال، وهو الحلم الذي كانت تحسدنا عليه كل الأسر الصينية التي تزور بيوتنا في القاهرة منذ 5 سنوات فقط.

شكّل الأمر عصيانا مدنيا، بالمعني الحرفي للكلمة، رغم كبته على الإنترنت، حيث أظهرت إحصاءات لوزارة الشؤون المدنية الصينية -نُشرت مطلع العام الجاري- وجود تناقص قياسي في عدد المواليد، مع انحدار نسبة الخصوبة لدى المرأة إلى أقل من 1.3 لكل ألف نسمة، وانخفاض أعداد المتزوجين للعام السابع على التوالي، ليسجل عام 2020 نحو 8 ملايين و130 ألف زيجة، بانخفاض 40% عن ذروته عام 2013.

في استطلاع للرأي أجري بين أشخاص غير متزوجين تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عاما، نشرته جريدة جنوب الصين (SCMP) مطلع يناير الجاري، قال 25% من المستطلعين أنهم غير متأكدين من أنهم سيتزوجون في المستقبل، بينما حسم 8.9% منهم الأمر بأنهم لن يتزوجوا أبدا. وأكدت 44% من النساء أنهن “لا يعتقدن ولا يرغبن في الزواج” مقارنة بنسبة 19% بين الرجال.

تحيا الصين

نشرت جريدة “غوانغمينغ” (النور) اليومية الرسمية للحزب الشيوعي -التي يكتبها أعضاؤه من كبار المفكرين والصحفيين- الاستطلاع بكل تفاصيله، فشكّل ذلك صدمة للحكومة بعد معرفتها أن المجتمع الصيني العاشق لروح الأسرة واعتاد قبل وجودهم كثرة الإنجاب، لإيمانه أن العائلة عموده الفقري في حياته الدنيوية ووسيلته لطلب الرحمة في دنياه المقبلة، تخشى نساؤه الآن من أعباء الزواج المالية، فلا يستجيب أفراده لدعوات “تحيا الصين” بل يرفض كثير من أغنيائه فكرة الانجاب تماما. ورغم التقدم الاقتصادي وانتقال 900 مليون نسمة من تحت خط الفقر إلى بداية طريق النجاة، فإنهم ما زالوا لا يحققون أكثر من 5 دولارات يوميا في المتوسط. وتتكاتف أسر الأب والأم والأجداد من أجل توفير الزيادة في تكاليف السكن والحياة المناسبة للمولود الواحد الذي حصلوا عليه طوال 30 عاما، جبرا بشق الأنفس، في ظل مجتمع انتقل من اشتراكية شيوعية صارمة إلى نظام اقتصادي رأسمالي متوحش.

لم تستطع الدعاية السوداء للحزب الشيوعي، ولا أوامر قادة الدولة التي صدرت في 7 يونيو/حزيران 2021، دفع الناس إلى “خطر دائم يتجنبونه”، ولو كان رافعا شعار (تحيا الصين) ثلاث أو عشر مرات، فالدولة في رأيهم “قتلت الدجاجة التي تبيض ذهبا” بإجبارهم على الطفل الواحد، وتغييرهم ثقافة الأجيال الجديدة قسرا، حتى تفسخت العوائل بين الترحال سعيا وراء لقمة العيش، والأفكار الشيوعية الطاردة لكل الموروثات الدينية والاجتماعية المميزة لشعب عريق.

بدأ الحزب تجربة غير معهودة في أي نظام سياسي آخر، حيث قرر فرعه في محافظة (Luanzhou) بمقاطعة (Hebei) التي يسكنها كثير من المسلمين، تنظيم لقاءات غرامية بين العزاب من بين غير المتزوجين والذين لديهم أبناء خارج مؤسسة الزواج الرسمي للتلاقي في أماكن رسمية، لتشجيعهم على “مقابلات حميمية”! قال رئيس الحزب بالمحافظة لي جيان تشونغ في تصريح لجريدة الشعب الرسمية، إنه يجمع معلومات عن كل العزاب في المنطقة الواقعة شمالي الصين لإنشاء “زوايا للتوفيق” بين العزاب، تكون سوقا توفر الزوج المناسب وإيجاد آباء لأطفال من غير المتزوجين. سينتشر أعضاء الحزب في الحدائق والشوارع لـ”مزاوجة العزاب” وتنظيم لقاءات حميمية، في بلد يحجب اللقاءات والأفلام الساخنة عبر الإنترنت، ويحارب نجوم الغناء والتسوق على مواقع التواصل الاجتماعي الذين لا يعملون لحسابه.

ملاحقة شبكات الدعارة

هذا التغيير في توجهات الحزب ليس الأول من نوعه، فلطالما كان يلاحق شبكات الدعارة في شوارع العاصمة بيجين ومدينة شنغهاي والمناطق التي يرتادها الأجانب، حفاظا على صورة “دولة تحمي الفقراء من الوقوع في الرذيلة” والمجتمع من شبكات الفساد. تدريجيا لاحظنا انتشار هذه الشبكات ليس في المناطق النائية فحسب، بل أمام الفنادق الحكومية التي كنا نرتادها، بجانب ملاحقتنا في الغرف التي حجزها لنا الحزب الحاكم في بيجين وغيرها، بما دفعني ذات مرة والنائب محمود مسلم رئيس شبكة قنوات (DMC) المصرية حاليا، إلى الاستنجاد بالأمن لطردهم من الفندق المخصص لاستضافة كبار رجال الدولة. وفي المرة الأخيرة أثناء قدومي عام 2016 من دعوة للحزب الشيوعي لزيارة الصين، مع بداية التحرش ومضايقتي أمنيا في مطار القاهرة، بإصراره على تفتيش متعلقاتي بدقة مرات عدة، فلم يجد الضابط غير كتاب الميثاق للحزب وصور للعراة الذين وزعوها علينا في الفندق، وكنت قد أردت حملها للتاريخ ضمن وثائق الزيارة الرسمية، فقلت للضابط ساخرا “أليست هذه ممنوعات يجب مصادرتها أو معاقبتي عليها؟!” فأشار لي غاضبا بالانصراف! فقد دمرت الأفكار الشيوعية القيم المحافظة في إطار سعيها للقضاء على كل ما هو قبلها من مُثل وسلوكيات، شملت أيضا تراثا معماريا وإنسانيا رائعا.

الإنجاب القسري في الصين

تبقى مشكلة الإنجاب القسري في الصين ومنعه جبرا في غيرها، واجهة كاشفة لأدمغة القيادات التي تمنح نفسها الوصاية على الناس، بادعاء علمها بالمستقبل وأنها “لا تنطق عن الهوى”، وما على الشعب إلا أن يستمع للتعليمات وينفذها، وإن تعارضت مع قيمه وعلوم المستقبل التي تؤكد أن الإنسان سيظل إلى الأبد هو الذي يقيم الدول، والقامة التي تصنع الحضارات. لقد ظن زعيم الصين (ماو تسي تونغ) ومن جاء بعده، أن مشكلة البلد تنحصر في خفض المواليد، فإذا بالصين عندما نهضت بالإنسان، احتاجت إلى المزيد، تماما كما تشتاق الآن كندا واليابان وألمانيا وباقي أوربا لملايين الأطفال.

استفاق الصينيون خوفا من أفول نجمهم مبكرا مع “دولة العواجيز”، وفهموا بعد كوارث أنهم ليسوا آلهة تعلم الغيب، وما عليهم إلا الجدية في العمل والسعي في الأرض وتقسيم الأرزاق المهداة إليهم بالعدل والفضل بين الناس. فإلى متى تظل أزمة السكان شماعة للغافلين والفاشلين؟

المصدر : الجزيرة مباشر