إمبراطور الإعلام “الأمين”.. وأيتام مصر

محمد الأمين

أصابت قضية رجل الأعمال المصري الشهير في مجال الإعلام محمد الأمين، الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في مصر، بالذهول والصدمة، بعد توقيفه على ذمة التحقيقات الجارية معه، بتهمة الاتجار في البشر عبر إغواء فتيات صغيرات السن يتيمات، وابتزازهن جنسيا وهتك عرضهن، مستغلا سلطته عليهن، حيث يقمن في “دار الأيدي الأمينة لرعاية الفتيات” المملوكة له، في محافظة بني سويف على مسافة 124 كيلو مترا جنوب العاصمة المصرية (القاهرة).

فضائيات وصحف بالتزامن مع ثورة يناير

يُعد “الأمين”، واحدا من أهم رجال الأعمال المصريين المقربين من حكومة مصر.. تزامن ظهوره مع ثورة 25 يناير عام 2011 إذ اقتحم مجال الإعلام الخاص بإنشاء إمبراطورية تضم مجموعة فضائيات “cbc” المتنوعة، وبينهم cbc إكسترا التي ساهمت في تغطية الكثير من الأحداث في مصر بعد ثورة يناير، وباقة قنوات “مودرن” الرياضية.

كما يمتلك، وكالة الأخبار العربية (AUA)، بعد شرائها من ورثة رجل الأعمال محمد الخرافي، بخلاف مواقع إلكترونية، وصحف، منها “الوطن” اليومية المصرية، بخلاف سابقة شرائه مجموعة قنوات “النهار” الفضائية المصرية قبل أن يتركها لاحقا.

 لغز الإنفاق الضخم على وسائل الإعلام وميادين الأعمال

وباستثناء أن “الأمين”، كان صاحب شركة مقاولات في الكويت، قبل عودته إلى مصر، وأسس شركة لاستصلاح الأراضي، فلا يُعرف الكثير عن مصدر المليارات التي يملكها، شأنه في هذا، كما العديد من رجال الأعمال المصريين الذين يظهرون فجأة بلا سابق تاريخ في ميادين الأعمال، وهو شريك لرجل الأعمال منصور عامر في شركة عامر غروب القابضة، المُدرجة في البورصة منذ عام 2010، والعاملة في ميدان التطوير العقاري.

كما أن الغموض يحيط بـ “لغز” هذا الإنفاق الضخم الذي ينفقه “الأمين”، على هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام المملوكة له، رغم أنها صناعة خاسرة على الأقل في الظروف الراهنة، نتيجة لـ”عوامل عديدة”، أهمها القيود الممسكة بحرية التعبير والتناول للأحداث والوقائع الجارية التي هي بطبيعة الحال، مثار اهتمام وسائل الإعلام.

أيتام الأمين وأقوال الفتيات والتحريات

عودة لقضية أيتام الأمين، والاتهامات “المنسوبة” إليه، فالرجل في أقواله أمام النيابة أنكر كل الاتهامات المنسوبة إليه، مدافعا عن سمعته، وقدم رواية أخرى مناقضة تماما، مؤكدا أنه استضاف الفتيات في بيته مع بناته وزوجته، وطالب بسماع شهادة مشرفة الدار.

لا يمكننا القطع بالإدانة أو البراءة له، على قاعدة أن “المتهم بريء إلى أن تثبُت إدانته”.. سيما وليس معلوما، إن كان هناك “خلفيات سياسية” للقضية.. أم إنها مجرد قضية جنائية، فالرجل رهن التحقيق.. كما أن أقوال الفتيات بالأفعال المنسوبة إليه، و”تحريات المباحث”، ليست كافية للإدانة، فالتحريات وفقا لمحكمة النقض (التمييز) في كثير من القضايا، تُعبر عن رأي محررها، ما لم تتساند مع الأدلة المادية الأخرى في القضية.

الاتهام في حالات الاعتداء الجنسي

معلوم في قضايا هتك العرض والاعتداءات الجنسية، والاغتصاب وغيرها، أن الاتهام يستلزم تقارير طبية شرعية، لتأكيد أو نفي هذه الوقائع، ومدى تزامنها مع توقيتات وقوعها، المُدعى بها.. بل، وللمتهم والمجني عليه، الطعن على التقرير الطبي الشرعي، إذا لم يرتضيه، وهنا قد يتم انتداب لجنة طبية شرعية ثلاثية، وللمحكمة أن تأخذ بأي التقارير، بحسبانها الخبير الأعلى في الدعوى.

قضية النبي يوسف وتقرير الطبيب الشرعي

وما دمنا على سيرة “الطب الشرعي”، ودوره في حسم قضايا الاغتصاب، وما شابه، فإن الاستعانة به قديمة جدا، ولعلنا نلاحظ قول الله تعالى في سورة يوسف (الآيات 26، 27 ): “قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27).

هذا الشاهد هو “الحكيم”، المعادل للطبيب الشرعي في زماننا هذا، وقد أعطى تقريرا طبيا شرعيا، ينبني على أساسه، ما إذا كان النبي يوسف بريئا، وأن زليخة امرأة العزيز تزعم كذبا محاولته الاعتداء عليها.. أم العكس، وهكذا ظهرت براءة يوسف، على سند أن قميصه ممزق من الخلف.. بل إن الطب الشرعي حاليا يستدل- إضافة إلى استدلالات أخرى- على مقاومة الفتاة أو استسلامها من حالة ملابسها التي كانت عليها فور وقوع الاعتداء الجنسي عليها، ومن آثار جروح في وجه أو رقبة الجاني إذا كانت الفتاة قد قاومت الاعتداء.

سبوبة الاتجار بالأيتام وتزويج القاصرات

بعيدا عن قضية الأمين وأيتام داره، فإن “أيتام” مصر المحروسة، في حاجة ملحة إلى مراجعة وعناية ورعاية وثورة في القوانين والقواعد المعمول بها.. ذلك أن الحكومة تترك للجمعيات الأهلية هذه المهمة (رعاية الأيتام) في غالبها، و”بعض” القائمين على هذه الجمعيات، يعتبرون العمل الخيري، مشروعا تجاريا رابحا، أو “سبوبة” بالتعبير الشعبي للمصريين..

هذه النوعية من البشر، التي تجردت من الخلق والضمير والإنسانية، تستغل “الأيتام” أسوأ استغلال في الإثراء الفاحش، عن طريق جمع التبرعات باسمهم، والاتجار فيهم “حرفيا”، بالبيع للراغبين في التبني، أو تزويج القاصرات لكبار السن استغلالا لثغرات القانون، وغياب الرقابة والمحاسبة.

ترويع وسادية في غيبة المحاسبة

إن مثل هذه الممارسات ليست من وحي الخيال.. بل يكفي إجراء بحث على الإنترنت بواسطة محرك “غوغل”، عن دور الأيتام، ليصاب المرء بالدوار والأسى والحزن، مما يطالعه من حكايات وجرائم، بحق هذه الفئة المُهانة، التي لا سند لا في الحياة.. أسوأ ما في الأمر، أن هذه “الدور” يفترض أن تكون ملاذا آمنا لهم، يأويهم ويوفر لهم الطمأنينة والأمان والسلام النفسي عوضا يسيرا عن فقدانهم للأب أو الأم أو كليهما.

ففي غيبة المحاسبة ويد القانون، تجري وقائع ترويع وتعذيب واغتصاب أحيانا، للأيتام في مثل هذه الدور، وتُمارس عليهم “السادية”، من بعض المرضى النفسيين أصحاب أو العاملين غير المؤهلين بها.. قهرا وظلما، وتسخيرا للأطفال في أعمال شاقة وحرمانهم من الطعام أحيانا، أو إطعامهم بما هو فاسد.. بدلا من الإحسان إليهم والرحمة بهم، وهم الذين جار عليهم الزمن، وأخذت منهم الأقدار، السند والحنان الأبوي، وجعلتهم حرفيا كما يقول المثل: “أيتام على موائد اللئام”، كأنهم وليمة للثراء وممارسة العقد النفسية والاتجار بالبشر.

تعذيب بالماء البارد فجرا في الشتاء

أتذكر منذ سنوات، وتحديدا في شتاء عام 2017 وكان ببرودة هذه الأيام.. تفجرت وقتها واقعة بشعة.. شديدة الوجع والإيلام للنفس والضمير، وهي تعذيب طفل يتيم في الخامسة من عمره بالماء البارد فجرا من “الدُش”.. هذا اليتيم المُعَذَّب كان من نزلاء دار للأيتام، من دور جمعية الأورمان الشهيرة التي تملأ الدنيا ضجيجا بأعمالها الخيرية دعائيا وإعلانيا.

مثل هذه التجاوزات قد تمر مرور الكرام، إلا إذا تسربت لوسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام، وليس سرا إنه كثيرا ما يفقد “عامل” بدار هنا أو هناك، وظيفته إذا رفض الاشتراك في مثل هذه الجرائم التي تجري، أو أبلغ عنها الإدارة المختصة التابعة لوزارة التضامن، وتستمر التجاوزات ويتم التستر على ما يجرى.

الأيتام والمشردون في الشوارع

إن هذه الممارسات تستوجب وقفة حكومية حاسمة، لسد الثغرات التي تستغل في ارتكاب مثل هذه التجاوزات والجرائم التي نتحدث عنها.

يبقي أن دور “أيتام مصر”، وعددها 521 دارا، بحسب تصريح لوزير التضامن الاجتماعي الدكتورة نيفين القباح، لا تتسع سوى لنحو 11 ألف يتيم، وهو عدد متواضع للغاية، مقارنة بالأيتام والمشردين في الشوارع ويُقدّر عددهم بـ” مئات الآلاف” دون مأوى أو أهل، إن لم يكن عدة ملايين، وهي قضية تستدعي هي الأخرى التدخل الحكومي لإنقاذ أيتام مصر وأطفالها المشردين من الشوارع، والمستقبل المظلم.

المصدر : الجزيرة مباشر