الوزيرة و”طليقها”.. وقضية الفساد في وزارة الصحة المصرية

هالة زايد

الحكم سياسة، والرأي العام هو المعني الأول بما يدور في بلاده، ومن حقه أن يعرف مباشرة، وفي اللحظة نفسها، كيف تدير السياسة الحكم، وهذه السياسة يجب أن تتسم بالوضوح، وليس الغموض الذي لا يكون بناءً على الدوام.

قضية الفساد في وزارة الصحة، واحدة من النماذج على ما نقول، استمرت طويلًا (70 يومًا) دون أي بيانات توضيحية عن حقيقتها، وبعض تفاصيلها، والمتورطين فيها، باستثناء بيان مقتضب من النيابة العامة بعد يومين من تفجّر القضية أعلنت فيه أنها تولّت مباشرة التحقيقات مع مسؤولين بوزارة الصحة فيما هو منسوب إليهم.

وأوضحت أنها رصدت ما تم تداوله بالمواقع الإخبارية ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي من أخبار غير صحيحة عن الوقائع التي تولّت النيابة التحقيقات فيها، وأهابت بالجمهور الالتزام بما تعلنه وحدها من معلومات حول الواقعة، والامتناع عن نشر أي أخبار كاذبة أو غير صحيحة قد تضع ناشريها تحت المسؤولية القانونية.

لكن مرور الأيام بلا معلومات، جعل وسائل التواصل الاجتماعي -منصة التنفيس الوحيدة اليوم- تتحدث كما تشاء، وتختلط عبرها التكهنات بالإشاعات، ويضرب الناس أخماسًا بأسداس بشأن طبيعة الفساد، وأسماء الفاسدين، والرشاوى المدفوعة.

بعد إزاحة الستار

والوزيرة، وهي الدكتورة هالة زايد، دخلت هذه الدائرة، وأقل المزاعم أن هناك سيارة فاخرة أُهديت لابنها، وهو مهندس، كأحد أثمان الفساد في القضية. والإيضاح السياسي كان يسهل إخراجه دون أن يصطدم بالتحقيق النيابي وما يتطلبه من تحفظ وسرية أحيانًا.

وبعد إزاحة الستار عن جانب من القضية يتعلق بالمتهمين والاتهامات -لم يُنشر حتى الآن نص التحقيقات- فإن اسم الوزيرة خلا من أي اتهامات، ولكن يبدو أن هناك علاقة قوية لها بالمتهم الأول في القضية، كما سنوضح فيما بعد.

ونكتشف من النزر اليسير الذي سمحت النيابة بنشره في القضية أن ما جرى يوم 25 أكتوبر الماضي في مبنى الوزارة من مداهمة مكاتب، والقبض على مسؤولين في مواقع قريبة من هالة زايد، لم يكن وليد لحظته، ولا مفاجئًا، إلا للوزيرة والرأي العام، فقد كانت هناك قضية وشهود وتسجيلات واتصالات ووقائع كاملة تكفي للقبض على المتورطين المشتبه فيهم، وفتح ملفات التحقيق، ولهذا فقد ذهب جهاز الرقابة الإدارية صاحب القضية مطمئنًّا إلى مبنى الوزارة، وقام بالتفتيش الذي يريده، والتحفظ على الأوراق التي ترتبط بالقضية، وقبض على مسؤولين بالوزارة.

وتقديري أن ما توفر لدى الرقابة الإدارية كان كافيًا لنشر بيان توضيحي أوّلي كاشف للرأي العام منعًا لاختلاط الأوراق، وتوزيع الاتهامات، وجعل الفضاء العام يعجّ بكل أنواع التكييفات للقضية، وإطلاق الاتهامات، وتحديد المتهمين، والتفاوت بين مبالغ الفساد المالي والمادي.

وقد اتسعت الأقاويل عندما ارتبط نبأ القضية بتعرض الوزيرة لأزمة صحية، استدعت نقلها إلى المستشفى، وخضوعها للعلاج عدة أيام، ثم طلبها إجازة من العمل، وقيام رئيس الوزراء بتكليف وزير التعليم العالي بتسيير الوزارة.

ولم تعد الوزيرة إلى مكتبها حتى اليوم، بعد أكثر من شهرين من البقاء في البيت، رغم انتهاء التحقيقات، ويبدو أنها لن تعود، وهذا ما سبق وأشار إليها الإعلامي عمرو أديب، حيث قال عقب انتشار خبر القضية إن الوزيرة لا علاقة لها بالفساد، لكنها لن تعود إلى الوزارة، ومفهوم أن الذي قاله أديب معلومة خاصة له لإذاعتها، وهو ما كنا نود أن نعرفه، لكن في بيان رسمي، وليس عبر إعلامي.

انتهت وظيفيًّا

وخلو بيان النيابة يوم 4 يناير الجاري، بشأن القضية، والمتهمين فيها، وأمر الإحالة لمحكمة الجنايات، من اسم الوزيرة، يخفف الضغوط عليها، لكن أظن أنها انتهت وظيفيًّا، ولا أقول انتهت سياسيًّا أيضًا، لأنها لم تكن شخصية سياسية إطلاقًا، وإنما طبيبة لم تمارس الطب إلا قليلًا جدًّا، ثم اتجهت إلى الإدارة، وتتنازع وجهات النظر بشأن جدارتها بمنصب الوزير.

ومسألة ألا تكون الوزيرة أو ابنها متهمين، بعكس ما شاع في المجال العام، قرار يرجع إلى النيابة وتحقيقاتها، أما الذي ساهم في كثرة الاجتهادات والإشاعات حولها، فهو الأزمة الصحية العنيفة التي تعرضت لها يوم مجيء الرقابة الإدارية إلى الوزارة، وتم على إثرها نقلها إلى المستشفى، ثم بقاؤها في بيتها.

وفي إطار الالتزام بنتائج التحقيق، وحسن النية، نقول إن المشكلة التي واجهت هالة زايد، والشبهة التي أحاطت بها، وورود اسم ابنها بزعم حصوله على سيارة فاخرة هدية، كان ذلك على غير إرادتها، فالمتهم الأول في القضية، هو زوجها السابق ووالد نجلها ويُدعى سيف، وهي وزيرة الصحة، والقضية موضوع الرشوة ترتبط بوزارتها، وليست وزارة أخرى، والمعنى أنه قد يستخدم علاقته العائلية بالوزيرة في التواصل مع الجهة المسؤولة عن إصدار تقرير صلاحية المستشفى، وقد يكون تفكير الرقابة الإدارية خلال متابعة القضية امتد إلى دور ما لـهالة زايد في تسهيل نفوذ زوجها السابق في وزارتها، وربما لهذا لم يتم إعلامها مسبقًا بالقضية، ومن ثم فقد فوجئت بها، وبالتفتيش في الوزارة، والقبض على مدير مكتبها -الذي أُفرج عنه لاحقًا- ومسؤول العلاج الحر -المتهم الرابع حاليًّا- وآخرين أُفرج عنهم أيضًا، بعكس ما حصل في قضية الرشوة المتهم فيها أحمد سليم الأمين العام للمجلس الأعلى للإعلام في أغسطس 2019، فقد تم إطلاع رئيس المجلس آنذاك الراحل مكرم محمد أحمد على القضية قبل شهر من القبض عليه.

لكن يبدو أن الاستنتاجات من مجمل ما توفر من معلومات، وقبل القبض على المتهمين الأربعة، كانت كافية لاستبعاد الوزيرة من أي شبهات تورط مباشر أو غير مباشر لصالح زوجها السابق، لهذا قال أديب في برنامجه إن الوزيرة نظيفة اليد، لكنها لن تعود إلى الوزارة.

المتهمون الأربعة

ويحتمل عدم عودة الوزيرة إلى الوزارة، أي الإقالة، أو طلبها هي الاستقالة والخروج الكريم، كما قالت جريدة (الأسبوع) التي انفردت بالخبر الأول عن مداهمات مكاتب بالوزارة، والقبض على مسؤولين فيها، والتلميح باحتمال تورّط الوزيرة، ثم عادت الجريدة واتجهت لغتها إلى التهدئة، ثم الإشادة بالوزيرة، وهو أمر قد يكون مفهومًا بأن تعليمات وصلت إليها بتخفيف اللهجة، وإبعاد هالة زايد عن أي تشكيك أو اتهام.

أسماء المتهمين الأربعة في القضية جاءت كالتالي:

1- محمد عبد المجيد الأشهب (58 سنة) وهو مختص أول بشركة مصر للتأمين عن الحياة، وهو زوج الوزيرة السابق، ويُوصف بأنه رجل أعمال، وهو من إحدى قرى محافظة القليوبية، وقد لا تكون هذه القضية الممسوكة الأولى لاستغلال نفوذه لدى وزارة الصحة، ولدينا إشارات سنأتي إليها في السطور القادمة.

2- السيد عطية إبراهيم الفيومي (69 سنة)، أستاذ بكلية الطب، جامعة بنها، ومالك مستشفى الفيومي.

3- حسام الدين عبد الله فودة حسن (56 سنة)، ضابط بالمعاش.

4- محمد أحمد محمد بحيري (50 سنة)، طبيب ومدير إدارة العامة للتراخيص بالإدارة العامة للمؤسسة العلاجية غير الحكومية المعروفة بالعلاج الحر.

المتهم الأول الأشهب طلب 5 ملايين جنيه من صاحبي مستشفى خاص، تم الإشارة إليهما بالحروف الأولى من اسميهما، (ص م ق م) و (أ م ص) ليحصل لهما على تقرير بصلاحية المستشفى للعمل، وحصل منهما على مبلغ 600 ألف جنيه، والوسيط بينه وبين مالكي المستشفى هما المتهمان الثاني والثالث -السيد الفيومي، وحسام فودة- والمتهم الرابع هو المسؤول الحكومي عن المعاينة وإعداد التقرير.

وصدر قرار بتشكيل لجنة من “العلاج الحر” لإعادة معاينة المستشفى، وإعداد تقرير يتضمن عدم وجود ملاحظات فنية به، تمهيدًا لإصدار التراخيص اللازمة لتشغيله، وشهادة جودة له، وكان ذلك حال كون المتهم الأول مختص جودة أول بالإدارة العامة للجودة بشركة مصر للتأمين على الحياة، وصدر التقرير بالفعل يوم 19 أكتوبر2021.

وبصدور التقرير على غير الحقيقة، يكون الركن الأهم في القضية قد اكتمل، ولهذا تحرك جهاز الرقابة الإدارية يوم 25 أكتوبر إلى الوزارة، وحصل على الأوراق المطلوبة، وقبض على من يريد استجوابهم، أو من هو متهم فيهم، وتم تحويل ملف القضية إلى النيابة العامة في اليوم التالي 26 أكتوبر.

السؤال هنا: لماذا ذهب صاحبا المستشفى إلى الرقابة الإدارية لإبلاغها بواقعة الرشوة؟ لا معلومات بهذا الشأن بعد، والمحاكمة ستكشف الكثير من الألغاز والخفايا في القضية.

نشير إلى أنه في يونيو 2020 انتشرت صور على مواقع التواصل عن حشود من الأهالي أمام منزل زوج الوزيرة السابق بقرية (أسنيت) رغم كورونا ومنع التجمعات، وكانت التجمعات لأولياء أمور يطلبون منه الحصول على تأشيرات من وزيرة الصحة لالتحاق أبنائهم بمدارس التمريض، خاصة صغار السن منهم.

ولما سُئل الأشهب، قال إنه اعتاد خدمة أهالي بلده والمنطقة، وكان كذلك مهتمًا بملف الصحة في قريته والقرى المحيطة، وكان يتباهى بأنه يقدم خدمات للوحدات الصحية والمستشفيات، ولا علاقة لذلك بمسألة الترشح للبرلمان.

والمغزى من هذه الإشارات أنه ربما كان مؤثرًا داخل الوزارة، وهذا التأثير ربما كان يستثمر فيه علاقته بالوزيرة، ومن يدري ماذا كان يفعل خلال فترة الزواج مستغلًّا اسمها، خاصة أنها تدرجت في مواقع رفيعة بالوزارة.. ألا يستدعي ذلك فحص المزيد من الأوراق والملفات في وزارة الصحة؟

المصدر : الجزيرة مباشر