الإسلاميون ومعضلة السياسة بعد تجاربهم المريرة

يتصاعد الحديث من أطراف مختلفة عن نهاية التاريخ للقوى السياسية الإسلامية التي شاركت في الحكم أو حتى المعارضة خلال الفترات الماضية خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي فتحت الباب واسعا أمامهم ليعتلوا قمة السلطة قبل أن يغرقوا في مستنقعاتها.

وبغض النظر أن معظم من يرددون تلك المقولة (نهاية حقبة الإسلاميين) إنما يعبرون عن تمنيات ورغبات أكثر من تعبيرهم عن واقع، إلا أن السؤال الجدي الذي يستحق الكثير من النقاش هو كيف يتعامل الإسلاميون مع السياسة مستقبلا بعد أن ظهر لهم أن منظومات الحكم الحالية لها قوانينها التي تفرض عليهم الالتزام بها، والتي تفرض عليهم تنازلات تعريهم تماما من ثيابهم إن ظلوا يتجاوبون معها حماية لما يرونه مكاسب حققوها؟!

ليسوا وحدهم

ما هو ثابت واقعا أن الإسلاميين هم الوحيدون الذين مثلوا تحديا حقيقيا للأنظمة الحاكمة سواء كانت عسكرية أو وراثية في العالمين العربي والإسلامي منذ منتصف السبعينات تقريبا وحتى الآن بعد أن تراجعت القوى الأخرى، ولذلك تعاضدت هذه النظم على اختلاف مرجعياتها سواء كانت ملكية أم جمهورية على شن حرب لا هوادة فيها ضد التيار الإسلامي وتشويهه ووصفه بكل نقيصة، وكان أغرب الاتهامات التي تم زرعها في عقول الشعوب العربية أن هذه القوى الإسلامية طلاب سلطة، وكأن السلطة وجدت أساسا لتكون حكرا للأنظمة القائمة التي لا تعترف  بالديمقراطية والمنافسة الحقيقية، وهي تستخدم الشكل الانتخابي (في النظم الجمهورية) للتمديد للرؤساء القائمين وليس لتغييرهم.

الحقائق التاريخية تؤكد أن النظم الاستبدادية لم تقصر قمعها على التيار الإسلامي، بل هي توجه كل قوتها الغاشمة ضد كل ما تعتبره خطرا عليها مهما كانت مرجعيته، وقد سبق الإسلاميين إلى ذاك التنكيل قوى ليبرالية ويسارية كما حدث للوفدين والشيوعيين المصريين في عهد الرئيس عبد الناصر (قبل المصالحة مع الشيوعيين)، وكما حدث لليسار في العديد من الدول العربية في حقبة الستينات والسبعينات.

لقد تنوعت تجارب الإسلاميين في التعامل مع معضلة السياسة بين استخدام صندوق الذخيرة إلى صندوق الانتخابات، وقد تمكنت بعض التجارب من البقاء لثلثا عقود مثل تجربة حكومة الإنقاذ في السودان، أو لعقدين كما هو حال حزب العدالة والتنمية التركي، أو لعقد واحد كما حدث في تونس والمغرب، وتأرجحت التجارب الأخرى من حيث مستوى المشاركة أو مدة الحكم (تجارب إخوان اليمن والأردن والجزائر والكويت) وتجربة طالبان الأولى وحكومة الوفاق في ليبيا.

وللتذكير لم تبدأ تجارب الإسلاميين في الحكم عقب ثورات الربيع العربي كما يردد دعاة نهاية التاريخ، ولكنها سبقت ذلك بعقود حيث كانت أول مشاركة لإخوان سوريا في الحكم عقب انفصال سوريا عن الوحدة مع مصر، كما شارك إخوان الأردن بخمس وزراء في الحكومة الأردنية مطلع التسعينات ناهيك عن رئاستهم للبرلمان لثلاث دورات، وشارك إخوان اليمن (الإصلاح) في حكومتين ائتلافيتينا مع المؤتمر الشعبي من 1993.

نعود إلى سؤالنا الرئيسي وهو ما هي الخيارات الأنسب لتعامل الإسلاميين مع قضية الحكم والسياسة بعد التجارب المريرة التي عاشوها خلال العقود القليلة الماضية وخاصة عقب موجة الثورات المضادة للربيع العربي؟!

تبدو الخيارات محصورة في ثلاث

أول تلك الخيارات  العمل وفق الهوامش المسموح بها في منظومات الحكم الحالية مع ما يترتب على ذلك من الاستعداد لتقديم تنازلات للبقاء ضمن المنظومة، ويحاجج أنصار هذا الفريق بأن العمل وفق الهوامش بغية توسيعها مع الوقت، مع استخدام أدوات السياسة المتاحة وقواعدها من الكر والفر ، وإبداء المرونة اللازمة لتمرير بعض المواقف أملا في تحقيق كسب آخر هي الخيار الآمن، والأقل كلفة، والأكثر قبولا، لكن هذا الخيار تمت تجربته في العديد من الدول وكان أبرز من يمثله عربيا هو حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب، كما أن حزب العدالة والتنمية في تركيا يعد هو الأب الروحي لهذا الخيار، والذي تشبهت به، وتسمت باسمه العديد من الأحزاب الإسلامية في البلدان الأخرى مثل المغرب وليبيا، وقد نجحت تجربة العدالة والتنمية في تركيا على عكس نظيريه المغربي والتونسي، اللذين قدما تنازلات طالت المبادئ أحيانا كما هو الحال مع قوانين شرعية في تونس أو التطبيع مع الكيان الصهيوني وشرعنة زراعة القنب الهندي في المغرب، لقد تذرع الحزبان بضرورات السياسة تبريرا لتنازلاتهما، لكن هذه التنازلات لم تشفع لهما، بل أصبحت السبب الرئيسي لانصراف الناس عنهما، أما إسلاميو تركيا والذين يجسدهم بشكل رئيسي حاليا حزب العدالة والتنمية فقدموا العديد من التنازلات عبر مسيرتهم السياسية والتي بدأها الأب الروحي نجم الدين أربكان في سلسلة أحزابه التي أنشأها بدأ من النظام الوطني الى الرفاه ثم الفضيلة، ولنتذكر أن توقيع  الاتفاق الاستراتيجي للتعاون العسكري التركي الإسرائيلي تم في ظل حكومة أربكان، كما أن أردوغان زار إسرائيل حين كان في موقع رئيس الوزراء عام 2005، ولكنه لم يقف عند تلك الزيارة فاتخذ -ولا يزال- مواقف متشددة من إسرائيل، ولا ينسى له العالم وقفته المشرفة في منتدى دافوس في يونيو 2009 في مواجهة رئيس الكيان الصهيوني  شيمون بيريز.

سياسة المرونة بين النجاح والفشل

بشكل عام يتضح أن سياسة المرونة والخطوة خطوة نجحت في تركيا ولكنها فشلت في تونس والمغرب، وهذا يعني أن هناك أسباب موضوعية أخرى لنجاحها في مكان وفشلها في آخر.

ثاني الخيارات رفض سياسة الهوامش أو العمل من خلالها، والاستمرار كجماعات ضغط تتحرك لتغيير قواعد اللعبة السياسية من خارجها وليس من داخلها، وهذا الخيار يحفظ للحركات الإسلامية صورتها المبدئية، ولا يعرضها للتنازلات القاسية وإن كان يعرضها للمزيد من القمع والحصار ، أو حرمانها من أي مظلة قانونية في بعض الدول كما هو الحال مع جماعة العدل والإحسان في المغرب والتي تمثل النموذج الأبرز لهذا الخيار حاليا، وكانت جماعة الإخوان في مصر تعمل وفقا لهذا المسار قبل ثورة ٢٥ يناير وقبل أن تؤسس حزب الحرية والعدالة، وقبل ان تنافس على السلطة بشكل مباشر وتفوز بها، كما عملت الجماعة الإسلامية المصرية وفقا لهذا المسار قبل أن تؤسس حزبها (البناء والتنمية)، و تعتبر  الجماعة الإسلامية في باكستان والهند وجمعية الإصلاح في أفغانستان وهي تنتمي للمدرسة الإخوانية أيضا نماذج أخرى لهذا الخيار، وإن كانت هذه المجموعات الأخيرة تتمتع بمظلات قانونية كجمعيات أهلية، ورغم الحالة الضبابية التي تكتنف فكره إلا أنه من الممكن اعتبار حزب التحرير ، والذي ينتشر في العديد من الدول العربية والأسيوية بطريقة غير قانونية جزءا من هذا المسار .

يرد على هذا الخيار ملاحظتين أولاهما أن بعض نماذجه مضطرة أن تعمل تحت ضغط دائم وملاحقات وحصار سياسي

وثانيهما أن بعض نماذجه الأخرى تعمل به نتيجة ضغط الواقع وليس اقتناعا به كخيار عملي، وحين تتاح لها الفرصة لخيار العمل الحزبي فإنها تسارع إليها.

خيار القوة المسلحة

الخيار الثالث وهو استخدام القوة المسلحة للوصول إلى السلطة، وهنا توجد نماذج مختلفة، منها نموذج تنظيم داعش الذي يستخدم العمل المسلح لاكتساب أي أرض يرفع عليها رايته، ويطبق فيها رؤيته، كما فعل في أجزاء من سوريا والعراق وحتى سيناء، لكنه نموذج محكوم بالفشل، فلم ولن يستطيع إقامة دولة مستقرة، ولن يسمح له العالم بذلك، وقد انهارت تجربته الرئيسية في سوريا والعراق تحت الضربات المكثفة.

وهناك نموذج التغيير بالثورة الشعبية كما حدث في إيران، أو كما حاولت تنفيذه الجماعة الإسلامية المصرية (بالتعاون مع تنظيم الجهاد) عام 1981، ولكنها لم تنفذ من خطتها سوى قتل الرئيس الأسبق أنور السادات، واقتحام مديرية أمن محافظة أسيوط (عاصمة الصعيد) والاستيلاء على مخازن أسلحتها، لكن بقية الخطة تم كشفها ودحرها، وقد أجرت الجماعة مراجعات فكرية بعد عقدين تقريبا خلصت فيها إلى خطأ ذلك النهج.

وهناك نموذج الانقلابات العسكرية مثل محاولة تنظيم الفنية العسكرية الذي حاول قتل الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1974 والاستيلاء على الحكم، وكان إنقلاب البشير ورفاقه الضباط الإسلاميين في السودان عام 1989 هو النموذج الذي أنتج حكم الإنقاذ والذي استمر لمدة 30 عاما قبل أن يطيحه حراك شعبي جديد .

وآخر نماذج القوة في الوصول إلى الحكم هو نموذج طالبان التي اضطرت لاستخدام السلاح أولا ضد فوضى فصائل المجاهدين واقتتالهم، وثانيا ضد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وقد تعرضت في فترة حكمها الأولى لحصار دولي كبير انتهى بالغزو الأمريكي واقتلاعها من السلطة، وهاهي في تجربتها الثانية في مستهل خطواتها.

في كل الأحوال أصبحت الشكوك تتزايد حول خيار التغيير الديمقراطي السلمي المحكوم بهوامش محدودة وقواعد ظالمة تجعل الكلمة العليا للأسر الحاكمة أو لجنرالات الجيوش، وتتيح التلاعب بالأحزاب الإسلامية، وإحراجها أمام شعوبها، وأصبحت العقول تبحث عن بديل لديمقراطية الهوامش الديكورية، وتنازلاتها المهينة، وفي ظل هكذا ديمقراطيات ديكورية فإن الخيارات الخشنة تكتسب لمعانا جديدا في عيون الكثير من الشباب المحبط، في حين يكتسب خيار الانسحاب من التنافس الحزبي المباشر لصالح التحول إلى جماعات ضغط لمعانا لدى الأجيال الأكبر سنا المحبطة أيضا، والمؤكد أن ما أوصل لهذا وذاك هو غياب الخيار الديمقراطي الحقيقي الذي يسمح بتداول حقيقي للسلطة كما هو الحال في الدول الديمقراطية.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة