الدكتوراه الفخرية بين الحقيقة والسمسرة!

محمد رمضان
محمد رمضان

جاء إعلان الفنان المصري محمد رمضان الذي يطلق على نفسه “نمبر وان” عن حصوله على الدكتوراه الفخرية في التمثيل والأداء الغنائي من قِبل وزير الثقافة اللبناني، ونقيب الموسيقيين، وكذلك نقيب الممثلين في لبنان، وكذلك حصوله على لقب “سفير الشباب العربي” من “المركز الثقافي الألماني” في لبنان، جاء صادما لكثيرين من حيث الاستحقاق، واللقب، وجهة حصوله على هذه الدكتوراه المزعومة.

فشتّان ما بين حصول الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب على الدكتوراه الفخرية، ورتبة اللواء الفخرية أيضا من الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، تكريما له على ما قدمه وخاصة في تلحين النشيد الوطني المصري “بلادي.. بلادي” (وهو النشيد الوطني الرسمي حتى الآن)، كما غنى ولحّن العديد من الأغاني الوطنية الشهيرة، ولحن أيضا النشيد الوطني الليبي.

كذلك حصلت على الدكتوراه الفخرية من جهات رسمية ومحترمة الفنانة فاتن حمامة، والفنانة شادية، والفنان محمد صبحي، والفنان يحيى الفخراني، والفنان عمر خيرت وغيرهم، لكن حصول رمضان على الدكتوراه الفخرية أثار السخرية على نحو يكشف أن المشكلة ليست في الدكتوراه الفخرية أو في حصول فنان عليها.

وتبرأ الجميع

وقد أعلنت بعض الجهات عن تبرئها مما حدث، فأصدرت نقابة الممثلين في لبنان بيانا أكدت فيه أنها لم تشارك في الحدث من قريب أو من بعيد، كما أنها لا تمنح أي ألقاب، ورفضت أن يتم الزجّ باسمها وتاريخها في مواضيع سطحية.

ولم تسكت السفارة الألمانية بالقاهرة على هذا الأمر، ونشرت عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك توضيحا جاء فيه أنه ليس كل ما يحمل اسم “الألماني” تكون له صفة رسمية بألمانيا، وأكدت أن ما يسمى بـ”المركز الثقافي الألماني في لبنان” لا علاقة له بالحكومة الألمانية.

وهكذا تبرأ الجميع من هذا التكريم، وهذه الفخرية التي حصل عليها “نمبر وان”، فهي دكتوراه وهمية من جمعية وهمية، لا صلة لها بألمانيا، ولا صلاحية لها في المنح الدكتوراه بحسبانها ليست جامعة أو معهد علمي.

وتثير دكتوراه محمد رمضان الوهمية الشكوك والروايات والحكايات حول الشهادات، التي تُمنح من هنا وهناك لبعض الشخصيات، ومنها سفراء وأطباء بما يفجّر قصصا كثيرة عن الألقاب والشهادات، والتي يحصل عليها أشخاص لا يستحقونها، حتى تصبح هذه الشهادات “قلة قيمة” لمَن يحصل عليها فيما بعد.

تاريخ الدكتوراه الفخرية

ويعود تاريخ منح الدكتوراه الفخرية إلى العصور الوسطى، والشخص الأول الذي نالها هو أسقف سالزبوري ببريطانيا، ويعد منح الدكتوراه الفخرية لشخص ما تكريما مميزا للشخص وللمؤسسة التعليمية المانحة على حدّ سواء، ومن الطبيعي أن يكون منحها مرتبطا بشروط ومعايير معروفة دوليا، ووفق اختصاصات معينة.

وهناك نموذجان لمنح الدكتوراه الفخرية، منها النموذج الأوربي وهو يمنح عددا محددا سنويا بتقاليد جامعية، والدكتوراه لشخصيات قد تكون حاملة دكتوراه علمية، أو أخرى متميزة ثقافيا، أو فنيا، أو علميا، على أي صعيد من الأصعدة، وهذا النظام عادة لا يستحسن إعطاء الدكتوراه الفخرية لشخصيات تلعب دورا سياسيا أو قياديا ما زالت على رأس السلطة.

أما النموذج الثاني فهو النظام الأمريكي، الذي يمنح درجة الدكتوراه الفخرية في أغلبية جامعات الولايات المتحدة الأمريكية لشخصيات تسهم في دعم الجامعة ماليا.

وعادة كنوع من التكريم تَمنح بعضُ الدول الدكتوراه الفخريةَ لمن يزورنها من الرؤساء، كما حدث مع الرئيس الراحل محمد مرسي، حيث منحته باكستان دكتوراه فخرية، وهو دكتور مهندس أكاديمي لن تفيده الدكتوراه الفخرية، ولكنه أمر متعارف عليه سياسيا.

ولكن في عالمنا العربي صارت تمنح بدون روابط، إذ منحتها جامعة الخرطوم من قبلُ للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، بسبب تبرعه لبناء بعض القاعات بها، وقد قامت بسحبها منه بعد مقتله، كما منحتها بعض الجامعات المصرية لسوزان مبارك، حرم الرئيس المخلوع حسني مبارك، وتم سحبها منها بعد ثورة يناير، مما يؤكد أنها تمنح لأسباب سياسية وغير علمية.

“بيزنس” الألقاب الوهمية

وفي مصر والعالم العربي تُباع الدكتوراه الفخرية لكل مَن يدفع، بل أصبحت مشروع “بيزنس” ضخما تقوم به بعض المراكز التعليمية الوهمية، وغيرها، لتباع بمبالغ زهيدة إذا ما قورنت بالفخامة التي تضفيها على صاحبها ليستخدمها في السيرة الذاتية، وفي وسائل الإعلام المختلفة، مما يعود عليه بالنفع بعد أن يسبق اسمه لقب دكتور أو سفير.

والحقيقة الكاشفة (والفضيحة في الوقت نفسه) أن المركز الذي منح الممثل محمد رمضان الدكتوراه الفخرية ليس تابعا للسفارة الألمانية، ولكن كل ما في الأمر أن هذه الجمعية تمنح تلك الألقاب بمبلغ 5 آلاف جنيه، ومَن يمنحها يزعم تبعيته للسفارة الألمانية، وينظم الحفلات تحت رعاية الرئاسة بالتحايل، والمركز ذاته الذي منح محمد رمضان شهادة الدكتوراه الفخرية ينظم دورات في تصميم الأزياء، وكمال الأجسام، وكوافير للنساء، وحلاقة للرجال.

وحتى نعرف حدود الفضيحة فالذي منح الممثل غريب الأطوار محمد رمضان الدكتوراه الفخرية، هو تاجر أقمشة لبناني يدعى طلال محمد صوراني، ويرأس نقابة أقمشة البرادي والمفروشات، وهو بالإضافة لذلك منح نفسه أيضا دكتوراه فخرية، ولقب سفير، ويرأس المركز شخص آخر يُدعى محمود عبد الله الخطيب، ولم يحضر الحفل لسفره خارج البلاد -كما يقول طلال- وهو مؤسس المركز الثقافي الألماني، الذي يمنح منه شهادات بأجر عن طريق مندوبه في مصر، أحمد يسري، الذي منحه منصبَ المفوضِ العام للمنظمة الدولية للسلام، ومنصبَ سفيرٍ للنوايا الحسنة، ولديه الدكتوراه الفخرية التي حصل عليها محمد رمضان!

كل هذا يذكّرنا بـ”بيزنس” المؤتمرات التي كانت تقام في مصر، ويشرف عليها لواءات، وتقام تحت رعاية حرم الرئيس المخلوع مبارك، أو “الهانم” كما كانوا يطلقون عليها، وهذا اللقب كان كلمة السر، والتي كانت تقوم على أساسه تلك المؤتمرات من خلال جلب الرعاة لكي تنتفخ جيوب البعض من هذا “البزنس” المشبوه.

على ما يبدو فإن “بيزنس” الشهادات والألقاب المضروبة هو الرابح في تلك الأيام بعد أن أصبح أصحاب الشهادات الحقيقية، والمتفوقون، لا مكان لهم.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة