طالبان والمرأة.. تفكيكُ الأسئلة الشّائكة

أفغانية كاشفة عن وجهها بعد سقوط طالبان 2001 وقد اعتبرتها وكالات الأنباء صورة العام لتحرير المرأة الأفغانية
أفغانية كاشفة عن وجهها بعد سقوط طالبان 2001 وقد اعتبرتها وكالات الأنباء صورة العام لتحرير المرأة الأفغانية

بعيدًا عن حالة الاستقطاب بطرفيه المندفع المنحاز لطالبان والمتشنّج المنحاز ضدّها؛ نحتاجُ إلى تفكيك ناعمٍ للقضايا التي غدت تطرق أسماع النّاس مع تحوّل أفغانستان إلى الخبر الأهم في الأحداث العالميّة.

ولعلّ قضيّة المرأة وطالبان، وموجة الهلع التي تجتاح الخطاب السّياسيّ للدّول الغربيّة والبكائيّات المتصاعدة على حال المرأة الأفغانيّة تحتاج إلى إجاباتٍ هادئةٍ عن أسئلة طالبان والمرأة؛ الأسئلة التي غدت مالئة الشّاشات وشاغلة النّاس.

المرأة معيارًا للتّحولات السّياسيّة ومتلازمة التّنانير القصيرة

من أعجب ما يلفتُ النّظر في الحالة الأفغانيّة هو التّعامل مع المرأة وعلاقة طالبان بها؛ هو جعلها أحد أهمّ معايير التحوّل السّياسي، ومعيارًا رئيسًا في تقييم سلوك جماعاتٍ ودولٍ بعينها دون أخرى.

إضافةً إلى ما في هذا المعيار من تحيّز غير بريء؛ فإنّه يتضمّنُ أيضًا معنى صريحًا من معاني تسليع المرأة، والتّسليع السّياسي للمرأة لا يختلف في إساءته للمرأة من مجالات التّسليع الأخرى.

على أنّ هذا التّسليع يتزامن مع ما يمكن أن نسميه “متلازمة التّنانير القصيرة” وهي متلازمة موجودةٌ في العقل الغربيّ والعقول العربيّة التي خضعت للتغريب بشكلٍ ممنهج وبيتمّ التعبير عنها من خلال نشر صور قديمة من أيّام الأبيض والأسود  لمجموعة من الفتيات أو الشّابات يرتدين التّنانير القصيرة في إحدى شوارع المدن المعروف عنها التوجه المحافظ أو المتديّن، وقد فعلت وسائل الإعلام الغربيّة هذا مرارًا، فنشرت CNN  أكثر من مرة هذا النّوع من الصور ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما نشرته في موقعها النّاطق بالعربيّة يوم 6  حزيران “يونيو 2014م تحت عنوان “مظهر نساء أفغانستان؛ قبل وبعد وأثناء حكم طالبان” ونشرت العديد من صور الأبيض والأسود للنساء الأفغانيّات بالتّنانير القصيرة.

أخطر ما في هذه المتلازمة أنّها تؤدّي إلى التّضليل من خلال تقديم تصوّر غير صحيح للمجتمع في ذلك الوقت، فوجود مثل هذه الصّور التي لا تعبّرُ إلّا عن حالاتٍ بالغة النّدرة، وإبرازها مع إخفاء غيرها في مجتمع يرزح تحت قيود الاستبداد السياسي والقبلي والاجتماعي يؤدّي إلى ترويجٍ تضليليّ لصورةٍ متخيّلةٍ للمجتمع تتناقض مع الصورة الحقيقيّة الواقعيّة له.

المرأة قبل طالبان في دولةِ القبيلة

ممّا يسهم في تفكيك الأسئلة الشّائكة المتعلّقة بالمرأة وطالبان، معرفةُ واقعها في أفغانستان قبل استلام طالبان الحكم ما بين عامي 1996م و2001م.

في مجتمع تحكمه القبيلة، وتتعدّد فيه العرقيّات والقوميّات، تهيمنُ قبيلة “البشتون” على أفغانستان من حيثُ العدد ببلوغها نسبةً تصل إلى 63% في كثير من التقديرات وعلى أدنى التقديرات تتجاوز 45% من نسبة السّكّان، وهم أكبر وأقوى تجمّع عرقي في أفغانستان ويهيمنون على المناصب العليا والجيش وقياداته منذ نشأة أفغانستان حتّى اليوم.

ويأتي “الطّاجيك” في المرتبة الثّانية من حيث النسبة العدديّة إذ يبلغون ما بين 25 و30%، ويعيشُ غالبهم في المدن وهم في العموم من التجّار والصنّاع وأهل الحرفة.

ويأتي بعدهم عرق “الهازارا” وهم شيعة إماميّة وقليلٌ منهم من السنّة والإسماعيليّة ويبلغون قرابة 6.6%، وكذلك “الفارسوان” و”القزلباش” وهم من الشّيعة الإماميّة ويبلغون معًا قرابة 6%

وتضمّ أفغانستان أيضًا عرقيّات أخرى قليلة النّسبة أيضًا مثل “الأيماق” و”المغول” و”الأوزبك” و”التركمان” و”القرغيز” و”البلوش” و”العرب” و”الهنود” وغيرهم.

تتّسمُ قبائل الأفغان عمومًا وقبائل البشتون على وجه الخصوص بالتّعصّب لكلّ أنواع الانتماء، فهي في انتمائها الدينيّ متعصّبة وفي انتمائها القبليّ أشدّ تعصّبًا.

ولكنّ هذا التّعصب القبليّ والخشونة في العيش والغلظة في الطباع كانت لها فوائدها في مواجهة المحتلّين وجعل أفغانستان مقبرةً للغزاة، غير أنّها كانت وبالًا على المرأة الأفغانيّة عمومًا وعلى البشتونيّة بشكلٍ أكبر بكثير.

فقد عانت المرأة الأفغانيّة من عاداتٍ قبليّة كانت مهيمنةً وما زال الكثير منها مسيطرًا ولم تفلح محاولات العلماء والدّعاة في مواجهتها أو التخفيف منها.

ومثال على تلكم العادات الكارثيّة عادة “البعاد” وهي منتشرة في قبائل البشتون في أفغانستان وباكستان منذ مئات السنين وما تزال قائمةً إلى اليوم، ويقوم “البعاد” على استخدام المرأة وسيلةً لتسوية النّزاع بين المتقاتلين سواء من قبيلة البشتون نفسها أو بين قبيلتين مختلفتين، فيتمّ تقديم فتاة بكر من عائلة الجاني القاتل بصفة زوجة لأحد أفراد عائلة المقتول المجني عليه لإنهاء الخلاف، لكنّ الواقع يشهد أنّ هذه الفتاة يتمّ استعبادُها وتُعامَل معاملة الأمَة المملوكة وتعاني ألوان الظّلم والاضطهاد الفظيع.

وعلى الهامش وفي السّياق ذاته يجدر التذكير بأنّ هذه العادة ليست حكرًا على البشتون الأفغان، بل هي موجودةٌ بالصّورة ذاتِها في بعض القبائل العربيّة ومنها قبائل جنوب العراق حتّى يومنا هذا ويطلق على المرأة فيها لقب “الفصليّة”.

وأمّا فيما يتعلّق بالحجاب فهو لباس المرأة الأفغانيّة عمومًا فلا تكاد تجد امرأةً أفغانيّة غير محجّبة في مرحلة ما قبل طالبان حتّى غير المسلمات وذلك كونه عرفًا عامًّا إضافةً إلى أنّه شعيرة إسلاميّة.

بل إنّ عامّة نساء البشتون يغطين وجوههنّ لا من باب الفقه، بل إنّ المذهب الحنفي الذي يعتمده الأفغان عامّةً مذهًبًا لهم لا يعدّ وجه المرأة عورةً ولا يأمر بتغطيته، فتغطية النّساء الأفغانيّات والبشتونيّات على وجه الخصوص وجوههنّ هو عرف القبيلة المسيطر.

وكانت القبيلة تجابه بعنف أيّة محاولة لكسر هذه الأعراف والقيود، ومن ذلك ما حدث عندما حاول الأمير أمان الله خان فرض التّغريب على أفغانستان متأثرًا بما رآه في الغرب وتركيا بعد زيارة طويلة استغرقت سبعة أشهر في تركيا وعددٍ من الدّول، فرجع وأصدر عام 1928م العديد من القرارات منها:

نزع الحجاب عن رأس المرأة، وتمكينها من أن تطلق الرّصاص على زوجها إذا عارض حريتها، كما كانت زوجته الملكة ثريّا طرزي ــ وهي سوريّة دمشقيّة ــ تدعو إلى نزع الحجاب.

فما كان من قبائل البشتون إلّا أن ثارت عليه وساندها في ذلك الفقهاء البشتون من الديوبنديّة الذين أعلنوا كفر الملك ووجوب خلعه، وكانت نتيجة هذه الثّورة التي كانت بسبب محاولته خرق التقاليد وفرض التغريب أن تمّ خلعه وإنهاء حكمه يوم 29 من الشّهر الأوّل من عام 1929م.

وقبائل البشتون أصلًا كانوا يمنعون بناتِهم من العمل ويرفضون إرسالهنّ إلى المدارس، فالمرأة عندهم بمنطق القبيلة لا تتعلّم ولا تعمل، وهذا هو حال الغالبيّة العظمى من نساء البشتون بخلاف نساء عرق الطّاجيك الذين كانوا يسكنون المدن؛ فقد كانت نسائهم تمارس العمل في المجالات المختلفة وتنخرط بناتهم في سلك التعليم وقد تأثرت نسبة قليلة من نساء البشتون الذين انتقلوا للعيش بالمدن بهنّ فتلقين التعليم وزاولن بعض الأعمال.

كما أنّ العرف القبليّ في أفغانستان في الزّواج يقوم على انتشار ظاهرتيّ التعدّد بشكلٍ كبيرٍ والزّواج من الصّغيرات بشكل واسع، وهو عرفٌ ما زالت المرجعيّات الفقهيّة المختلفة قبل طالبان وبعدها تعلن تأييدها له وتشجيعها عليه.

 طالبان وانتصارُ القَبليّ على الفقهيّ

استلمت طالبان الحكم عام 1996م، وفور استلام الحكم أعلنت قرارات صارمةً بشأن المرأة، من أهمّها وأبرزها:

وجوب ارتداء البرقع وتغطية المرأة وجهها، ومنع المرأة من العمل، ومنع الفتيات من التوجّه إلى المدارس والسّماح لهنّ فقط بتعلّم القرآن الكريم، ومنع تصوير النساء فوتوغرافيًّا أو سينمائيًّا، وكذلك منع عرض صور النساء في الصحف أو المجلات أو الكتب أو المنازل، ومنع ظهور أو حضور المرأة في الإذاعة والتلفزيون أو أي تجمع آخر، ومنع خروج المرأة من منزلها دون مرافق لها من الرجال المحارم.

وكانت الشرطة الدّينيّة تلاحق النّساء في الشّوارع وتعمدُ إلى ضربهنّ، كما كانت تقوم بإنزال عقوبات الجلد بمن تخالف هذه القرارات.

نرى في عموم هذه القرارات أنّها غير منبثقة من المرجعيّة الفقهيّة التي تعتمدها طالبان، بل هي إحدى تجلّيات تغلّب العرق القَبلي البشتوني على المرجعيّة الفقهيّة، وإلباس هذه الأعراف ثوب الخطاب الدّيني كون الحركة أعلنت أنّها تقيم “إمارة أفغانستان الإسلاميّة” وتحكم بما أنزل الله تعالى.

على أنّ ما أعلنته طالبان من قرارات هي أعرافٌ كانت سائدةٌ أصلًا في البيئة القبليّة البشتونيّة.

فما فعلته طالبان أمران: أنّها حوّلت هذه الأعراف القبليّة إلى قوانين دولة، وأنّها عمّمت هذا العرف القبلي ليشمل عموم الحالة الأفغانيّة والأعراق الأخرى التي كانت أقلّ حدّةً من البشتون في تعاملهم مع المرأة.

كان التّعامل مع المرأة منسجمًا مع سلوك طالبان العام مع بقيّة المكوّنات في المجتمع الأفغاني سواء مع المخالفين سياسيًّا كالتيّارات الإسلاميّة الأخرى كالإخوان المسلمين والفصائل المنافسة لهم في ساحة القتال، أو المخالفين اعتقاديًّا كالشّيعة، لكن تسليط الضّوء كان يتمّ بشكلٍ رئيسٍ على المرأة حتّى وصل الامر بسيّدة أمريكا الأولى لورا بوش أن تعلن في خطابها الذي ألقته يوم 17 تشرين الأوّل “نوفمبر” من عام 2001م قائلةً: “إنّ الحرب على الإرهاب هي حربٌ من أجل تحرير نساء أفغانستان” وهو ذاته ما أعلنته أيضًا شيري بلير زوجة توني بلير بعد يومين من هذا خطاب لورا بوش إذ قالت: “إن هذه الحرب هي من أجل إنقاذ المرأة”

كان واضحًا أن تسليط الضّوء على سلوكيّات طالبان تجاه المرأة ــ وهي سلوكيّات كارثيّة آنذاك بالطّبع ــ لم يكن الهدف منه الانتصار للمرأة ولا لحريّتها بل هو جزء من منهج الشّيطنة الذي اتبعته أمريكا ضدّ طالبان بين يدي الحرب عليها من جهة، وللترهيب من الإسلام من خلال إلصاق هذه السلوكيّات القبليّة بالفقه الإسلامي.

مزاعم تحرير المرأة الأفغانيّة من يد طالبان على لسان لورا بوشا لم تقنع حتّى رائدات الحركة النسويّة شديدات العداء لطالبان إذ قالت الدكتورة ليلى أبو لغد، أستاذة علم الاجتماع في جامعة كولومبيا الأمريكية والتي تعدّ من الشخصيّات البارزة في الحركة النسوية:

“إنّ لورا بوش لا تهتمّ حقيقة بتحرير المرأة في أفغانستان لأنها هي وزوجها جورج بوش الابن، بحكم انتمائهما إلى الحزب الجمهوري. بريئان من دعم النساء وبقية الاتجاهات التقدمية، لأنهما في يمين الحزب ولا يتحمّسان لـتحرير المرأة الأمريكية ناهيك عن المرأة المسلمة”

عشرون عامًا تحت الاحتلال الأمريكيّ

أسقطت الحرب الأمريكيّة “إمارة أفغانستان الإسلاميّة” وأنهت حكم طالبان، وأعلن المحتلّون الجدد بدء عهدٍ جديدٍ للمرأة الأفغانيّة.

اشتركت المرأة الأفغانيّة في الجيش، ولكن كانت عموم المنضمات إلى الجيش هنّ من قوميّة الهازارا الشيعيّة، وليس في الجيش وجودٌ ملحوظ للبشتونيّات ولا الطاجيكيّات.

وبعد أن دخل الأمريكان لم تُقم الأفغانيّات احتفالاتٍ صاخبةً لخلع البرقع أو الحجاب بل دعا العديد من الباحثين إلى عدم توقّع نزع الحجاب والبرقع بسرعة لأنّ له جذورًا عرفيّة وليس مرتبطًا بطالبان!

عملت بعض المذيعات في التلفزيون الأفغاني دون حجاب، لكنّهنّ كن يخرجن من مبنى التلفزيون فيلبسن الحجاب والزيّ الشعبيّ الأفغاني على الفور، انسجامًا مع الواقع الأفغانيّ العام.

حتّى كبيرة مراسلي CNN  “حين ظهرت بالحجاب عقب سيطرة طالبان وطار النّاس بصورتها للتّأكيد على عودة القمع الطالبانيّ للمرأة علّقت على تداول صورتها بالحجاب والعباية خلال تغطيتها لتطورات الأوضاع في كابول مع سيطرة حركة طالبان على أفغانستان.

وأعادت ملصق عبر حسابها على تويتر، يجمع بين صورتين لها من العاصمة الأفغانية كابول الأولى بدون حجاب والثانية بحجاب وعباية سوداء.

وقالت وورد: “هذا الملصق غير دقيق، فالصورة العلويّة من داخل مجمع خاص، بينما الصّورة بالجزء السفلي في شوارع كابول التي تسيطر عليها طالبان، وأنا كنت أرتدي دائمًا غطاء الرأس في شوارع كابول سابقًا، على الرغم من عدم تغطية شعري بالكامل والعباية، لذلك هناك فرقٌ ولكن ليس بهذه القوة”

لم تنته عادة “البعاد” ولم تفلح الدّعوات من العلماء قبل الاحتلال الأمريكيّ في إنهائها كما لم تفلح الحريّة المفترضة التي جاء بها الامريكان في القضاء عليها.

وكذلك زواج الصّغيرات القاصرات على حاله، وعموم ما كان يتمّ توجيه الانتقادات لطالبان من أجله بقي على حاله.

فعلى سبيل المثال في شهر آذار “مارس” من عام 2021م أي بعد عشرين عامًا من الاحتلال الأمريكيّ أصدر مديرُ التّعليم في كابول قرارًا يمنع فيه الفتيات اللّاتي بلغن 12 عامًا من الغناء في العلن.

وفي شهر نيسان “إبريل” من هذا العام أيضًا قالت كبيرة مسؤولي برامج أفغانستان في معهد الولايات المتحدة للسّلام (USIP) بِلقيس أحمدي:

“إن سجلَّ أفغانستان في مجال إدماج المرأة سجلٌّ يبعث على الأسى؛ إذ استُبعدت النساءُ بين عامي 2005م و2020م من قرابة 80% من اجتماعات عمليات السّلام ومفاوضاتها”

وفي الشهر ذاته قالت كبيرة مسؤولي برامج الدين والمجتمعات الشاملة في معهد الولايات المتحدة للسلام بالواشا إل. كاكار: ” إن محاولة تغيير وجهات النّظر والسّياسات بالاعتماد على أُطر حقوق الإنسان الدولية لم تكن ناجحة دومًا في أفغانستان، نظرًا إلى أن هذه الأفكار كثيرًا ما تُرفض لكونها مفروضة من الخارج، وبدلًا من ذلك لا بدّ أن تبدأ تلك العملية بالاعتراف بأن أفغانستان لا تزال مجتمعًا تقليديًّا عميقًا”

وفي بداية شهر آب “أغسطس” الحالي” عقدت رئيسة إدارة شؤون النساء في إقليم ننغرهار، فتانه عزيز، مؤتمرًا صحفيًّا قالت فيه:

“إنّ أبرز مظاهر العنف الأسري تتمثل في الضّرب والاعتداءات الجنسيّة وتزويج القاصرات وغيرها، وتختلف هذه الممارسات بين منطقةٍ وأخرى، لكنّها موجودةٌ في كلّ أنحاء أفغانستان”

وهنا لستُ في معرض التأكيد على أنّ حال المرأة خلال الاحتلال الأمريكيّ كان شبيهًا بحالها قبل ذلك أو أسوأ منه، فمن الطبيعيّ أن يكون هناك القليلُ من التطوّر الذي طرأ بسبب عمل منظمات المرأة، لكن هذا لا يعني أبدًا الترويج بأن حال المرأة كان ورديًّا رائقًا تحت الاحتلال الأمريكيّ حتّى تقام مجالس النواح واللطم على حالها بعده، فحال المرأة كان بالغ السواد قبل الاحتلال الأمريكيّ وخلاله.

عودة طالبان، هل من تغييرٍ في الموقف من المرأة؟!

عند سيطرة طالبان على أفغانستان غدا لباس المرأة الأفغانيّة هو مالئ الدنيا وشاغل النّاس، وغدا هو القضيّة الأكثر تداولًا في الأخبار العالميّة، وكأنّ أفغانستان تعيشُ حالةً من الرخاء الاقتصاديّ وتنعم بالحريات السياسيّة والتنمية فيها على قدم وساق ولم يبقَ من همومها إلّا ما تضعه المرأة الأفغانيّة على رأسها وعلى وجهها.

هذا الجوّ الجنائزيّ في وسائل الإعلام على حال المرأة الأفغانيّة فرض على طالبان أن تكون المرأة حاضرةً في تصريحاتها التي شهدت تغيّرًا ملحوظًا في عدد من القضايا الأساسيّة ما بين طالبان 2001م وطالبان 2021م

وفي أوّل مؤتمرٍ صحفيّ لطالبان عقب سيطرتها على أفغانستان كانت المرأة حاضرة إذ قال ذبيح الله مجاهد: “ومسألة المرأة مسالة مهمّة جدًا، نتعهّد بأن نمنح النساء حقوقها التي أقرّها الدّين الإسلامي، والمرأة هي عنصر مهمّ في البلد وفي القانون، وسيكون هناك قانون يحترمها ويحافظ على حقوقها، وسيكون هناك حضورٌ نشيطٌ فعّال للمرأة، ونحن نطمئن القلقين على مستقبل المرأة وحقوقها، فنحن نتعهّد أن نمنحها حقوقها كاملة”

كان السّؤال الاوّل من الصّحفيين في المؤتمر عن المرأة، فأعاد ذبيح الله مجاهد ما قاله في متن المؤتمر وأكد أن المرأة ستنال حقّها في العمل في مختلف المجالات كما أنّها ستنال حقّها في التعليم.

وبعد ذلك تتالت التصريحات تترى مؤكّدة على أنّ المرأة سيكون لها حقّ التنقّل من غير مرافق ودعوتها للانخراط في مؤسسات الدّولة ووصل الأمر إلى التأكيد على أنّها ستكون عضوًا في العمل الشّوريّ.

ثمّ سارعت قيادات طالبان لزيارة المستشفيات واللقاء بالطبيبات والتأكيد على ضرورة استمرارهنّ في العمل وتقديم الحماية الكاملة لهنّ، كما أجرى عددٌ من رجالات طالبان لقاءات مع مذيعات بنصف حجاب وشعر مكشوف وهذا ما كان يُعدّ من الخطوط الأكثر من حمراء في العقيدة الطالبانيّة.

لا يمكن الحكم باستعجالٍ عن سلوك طالبان مع المرأة كما هو الحال على سلوكها في بقيّة الملفّات، غير أنّ التّصريحات والأفعال حتّى الآن تعطي مؤشّرًا على تغيّر في التّعامل وهو منسجم مع تغيّر تريد طالبان ترسيخه في الملفات المختلفة.

ومع ذلك فإنّني أتوقّع أنّ حال المرأة لن يكون ورديًّا ولا جيّدًا في عصر طالبان كما لم يكن ورديًّا في المراحل السابقة، فالأمر تحكمه جذورٌ من التّقاليد القبليّة العميقة التي تعود إلى مئات السّنين وهو أكبر من قدرة طالبان التي لا تملك الخروج من عباءة القبليّة البشتونيّة من حيث الأصل.

على أنّه من الضّروريّ التأكيد أنّ النّواح على حال المرأة الأفغانيّة لا تراد منه المرأة ولا حقوقها بدرجةٍ رئيسة ولا ثانويّة، إنّما هو وسيلةٌ للشيطنة التي يمارسها الإعلام الغربيّ، وهو يقع في التحيّز غير الأخلاقي والتسليع السّياسي المهين للمرأة، كما أنّه يجسّدُ الازدواجيّة المفضوحة، فلا تثيرُه المرأة الأسيرة في سجون الاحتلال الصّهيونيّ ولا النساء في معتقلات بشّار الأسد والسيسي وفي المعتقلات الجماعيّة في تركستان الشرقيّة، ولا نسمع لهم صوتًا حتّى تجاه النساء البشتونيّات في باكستان التي يمثّل البشتون ثاني أكبر عرقيّة فيها واللواتي يعشن الظروف ذاتها الللواتي يعشنها النساء الأفغانيّات، كما لا نسمع لهم تجاه فرض خلع الحجاب على المرأة المسلمة في الغرب رِكزًا.

 

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة