انسحاب الأمريكان وعودة طالبان وسذاجة الأسئلة العربية

رحلت القوات الأمريكية فمن الطبيعي أن تعود الأمور إلى نصابها في أفغانستان، فلم تكن هذه الفترة الطويلة سوى احتلال بغيض خضعت فيه البلاد لحكومة موالية له، أسس الاحتلال فيها جيش قوامه وفق المعلن 300 ألف مقاتل متدرب ولكن سرعان ما تبدد، رغم ما مليارات الدولارات التي أنفقها التحالف الأمريكي.

ومع جلاء القوات الأجنبية وخاصة الأمريكية عادت الأمور إلى ما كانت عليه، ففي أيام قليلة تسيطر طالبان على المدن الافغانية كافة.

عودة طالبان كانت متوقعة فالإدارة الامريكية تخطط لانسحابها بدقة منذ سنوات وتعرف المألات وماحدث ليس بعيداً عنها.

لكن وسائل الإعلام العربية اليوم تناقش أبرز الملفات في افغانستان بعد انسحاب القوات الأجنبية (الاحتلال) من منظور وأسئلة تبدو ساذجة أو سطحية!

هناك بعض التساؤلات في الرأي العام العربي:

هل ستسمح طالبان بتعليم المرأة وخلعها الحجاب؟

كيف ستتعامل طالبان مع الدول الأجنبية وسفاراتها؟

وهل ستطبق طالبان الاحكام الإسلامية ومنها الحدود؟

أما الرأي العام الغربي والأمريكي فكانت أسئلته من منطلق آخر:

لماذا ذهبنا لافغانستان وانفقنا مليارات الدولارات؟

ألم يكن المطلوب إسقاط طالبان والقضاء على الإرهاب الذي أتى إلينا في سبتمبر/أيلول 2001.

لماذا انسحبنا من هناك ليتسلم الحكم طالبان؟

هل لأن البقاء يعنى مزيدا من الخسائر أم أن مشروع الاحتلال ومحاربة الإحتلال أثبت فشله؟

وهل نجحت طالبان في هزيمة تلك الجيوش أم أن هذا البلد مقبرة للمحتلين؟

هل انسحاب القوات الأمريكية خطة لإنقاذ نفسها من وحل هذه الدولة؟ أم لصناعة مجاهدين جدد كما حدث وقت الحرب السوفيتية ليكونوا رأس حرب ضد روسيا وإيران؟

تلك الأسئلة يجيب عليها الرأي العام الغربي والأمريكي.

بادرت حركة طالبان بطمأنة الجميع والإجابة على هذه الأسئلة السطحية

ولكن دعونا نتوقف عند أسئلة الرأي العام العربي وخاصة الإعلام الموالي لأنظمة تدعم أي تدخل أجنبي وتحارب أي إرادة شعبية.

لقد بادرت حركة طالبان بطمأنة الجميع والإجابة على هذه الأسئلة السطحية، ويبدو أن الحركة على مدار 20 عاما منذ أحداث سبتمر شهدت تطورا سياسيا وفكريا وفقهيا بدا في تصريحاتها ومحادثاتها الأخيرة السياسية كما في الدوحة أو في حديثها إلى وسائل الاعلام، ولعلها تعلمت من التجربة على مدار عقدين من الزمان.

لقد تغيرت أمور كثيرة، قيادات الحركة على سبيل المثال تغيرت أسماؤهم مرات عدة بحكم الاغتيالات وضحايا الحرب، والمدرسة الاجتهادية الفقهية العقائدية (الحنفية- الماتردية) بدأت في اجتهادات سياسية وفقهية وفكرية بحكم ما فرض في الواقع، فك الارتباط بتنظيمات التى كانت سبباً في الحرب مثل تنظيم القاعدة، كما أن وجود أبرز قادة الحركة خارج أفغانستان كالملا عبد الغني برادر رئيس المكتب السياسي للحركة في الدوحة أدى إلى تطور ملحوظ في التفاوض وفهم الواقع.

بدت تصريحات طالبان متطورة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين من الزمن، الحركة أكدت أنها ستحترم حقوق المرأة وستسمح لها بالتعليم والعمل على أن ترتدي الحجاب.

هذا لم يكن موجوداً وما صرحت به الحركة تصرح به دول كبيرة في المنطقة كإيران والسعودية.

صرحت الحركة بأنها ستسمح لوسائل الإعلام بانتقاد من تريد لكن من دون تشهير.

سيسمح للمرأة بمغادرة المنزل وحدها دون مرافق، وستترك العقوبات كالإعدام والرجم وقطع الأعضاء للمحاكم للبت فيها.

لقد بدا من الطرح العربي لتلك الملفات تناسي أن الحركة بنت بيئتها، وأنها في الحقيقة حركة جهادية نضالية وأن ثمة ما يجب أن يطرح من تساؤلات حول مشروع هذه الحركة في بلد معدم وليس شبه معدم.

إن إثارة موضوع تعامل طالبان مع المرأة والتعليم في ظل واقع مرير هو من العبث وليس من الترف

في الواقع لدي افغانستان اليوم 18 ألف مدرسة بدلا من 3 آلاف مدرسة قبل عقدين وإن كانت نسبة الأمية ضمن الأعلى في العالم حيث أن لدى الدولة قرابة 4 ملايين طفل ليسوا في المنظومة التعليمية 80% منهم من البنات.

الدولة وفق تقديرات الفقر الدولية يعيش 70% من سكانها تحت خط الفقر.

البنية التحيتة شبه معدومة وولايات كبرى تخلو من المستشفيات الكبرى والخدمات الأولية.

المنظومة الأمنية يكفيك مشهد مطار كابل وقت إعلان اقتراب طالبان في مشهد لم يحدث في العالم مع أي حدث أياً كان.

إن إثارة موضوع تعامل طالبان مع المرأة والتعليم في ظل واقع مرير لبلد عاش أتون حرب طاحنة لعقدين متتاليين ومن قبلهما عقود ضد السوفيات ومواجهة الانقلابات والحروب الأهلية هو من العبث وليس من الترف.

النتائج باتت واضحة الآن، فالمشروع الاستعماري فشل كما فشل في العراق، سلمت الأمور هناك لإيران واليوم العبث الاستعماري في أفغانستان لا يعرف سوى الانسحاب.

أين مشروع الحرب على الإرهاب وتجيش الجيوش للإحتلال بدعوى تنمية هذه الشعوب وانتشالها من الفقر والعنف؟

كل شيء تبدد وبقيت الحقيقة بأن مصير الاحتلال الزوال وللشعوب أن تتحرر، أما بناء الدولة القوية المعاصرة فأحسب أنه سؤال من الصعب للغاية على طالبان وعلى الشعب الأفغاني الإجابة عليه، فالشعب الافغاني مثابر دائماً في تاريخه ضد المحتلين، لكنه لم يقدم بعد نموذجاً لدولة قوية مدنية معاصرة تتغلب على مشكلاتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

إننا أمام درس مهم يحكي عن فشل التدخلات العسكرية

أمام أفغانستان تحد سياسي في تقديم نموذج شورى تعددي حديث تحكم به دولة منهكة ونظام منهار من الفساد والتبعية، بغالبية راضية ومشاركة واسعة، تضم الطوائف والقبائل كافة.

أمام أفغانستان معضلة تقوية جبهتها العسكرية لتتغلب على تحديات مختلفة من بينها القوى الجديدة المعادية لها وعدم استعمالها كأداة في حروب بالوكالة في المنطقة.

على أفغانستان أن تكون واعية للدول أعداء الربيع العربي، والتي ستستغل وصول طالبان للسلطة لتعلق عليها شماعة الإرهاب، ونعود من جديد إلى شماعة العائدين أو الذاهبين من وإلى افغانستان.

ليستغل الحدث في تسويق أفغان عرب جدد يتم استخدامهم فزاعة أمام أي تغير في المنطقة.

إننا أمام درس مهم يحكي عن فشل التدخلات العسكرية التي دمرت وقتلت ولكنها عجزت في النهاية عن بناء نظام سياسي حقيقي، وهذا هو الحصاد المر لسياسات الغرب فيما وصفوه بالحرب على الارهاب.

ما ينبغي علينا  اليوم هو تهنئة الشعب الافغاني بجلاء المحتلين، وعليهم انتهاز هذه الفرصة بتعزيز السلام ووقف الحروب والعمل من أجل دولة قوية اقتصادياً وسياسياً وأمام هذا الشعب القوي الفرصة.

وعلى حركة طالبان الوفاء بوعودها المتعلقة بالعفو والمصالحة الوطنية ووقف دائرة العنف والانتقام، وفتح مجال الحريات، وتفعيل حكم الشورى ودعوة “لويا جيرغا” التي تمثل كل مكونات الشعب الافغاني للتوافق على ترتيبات المرحلة الانتقالية، والتي يمكن أن تنتهي بإجراء انتخابات عامة، لاختيار ممثلين لكل مكونات الشعب الأفغاني.

وعلى القوى الاستعمارية أن تتعلم مرة آخرى من درس أفغانستان، بأن تكف يدها عن دعم التمرد والحروب الأهلية والاحتلال بكل صوره فمآل ذلك خسارة الجميع بمن فيها الاحتلال نفسه.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة