تسليم البشير إلى الجنائية.. ورقة المساومة الخطيرة!

البشير

لا يكاد يمُر أسبوع إلا وأطلقت الحكومة السودانية الانتقالية تصريحاً بخصوص تسليم الرئيس المعزول عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، لتثير بذلك عاصفة من الجدل، دون بلوغ خطوة تؤكد هل هي جادة بالفعل؟ أم تريد الإلهاء عن الأزمات السياسية والاقتصادية، وشغل الرأي العام بقضية لم تجمع عليها مؤسسات الدولة بعد، بل كثرة الطرق السياسي عليها يُفرّغها من معناها القانوني.

الحكومة في شقها المدني حريصة على خدمة أجندة المحكمة الأوربية، أكثر من المدعي العام كريم خان نفسه، الذي ذكر أن البشير يمكن أن يُحاكم في لاهاي أو الخرطوم، وأقرّ بأن أمر التسليم لم يحسم بعد، لعدم صدور قرار من مجلسي السيادة والوزراء بصفتهما التشريعية، في غياب البرلمان الذي يعبر عن الأمة.

وزيرة الخارجية مريم الصادق تبدو أكثر حماساً من المحكمة نفسها، للتخلص من مواطن سوداني وتسليمه لعدالة الرجل الأبيض التي دكت دولة جدها المهدي، واستعمرت السودان القديم ونهبت ثرواته، بصورة أيضاً تطعن في سيادة البلاد ومؤسساتها العدلية، وتثير حالة من الرثاء على حكومة الثورة، المخترقة من الداخل، والمسلوبة الإرادة، والتي اعتصمت بحبل الغرب تماماً.

المحكمة الجنائية تتحدث عن مثول البشير، مما يعني أنها يمكن أن تنعقد بالداخل، بالتعاون مع القضاء الوطني، لكن وزيرة الخارجية تتحدث عن تسليم، بصورة توحي أنها تريد أن تتخلص من البشير، بأي ثمن، إذ تخشاه حتى وهو داخل السجن، فهو ربما يمثل لها مرآة تعكس فشلها في إدارة الدولة، حتى أصبح الناس يحنون إلى عهده، وأيام الرخاء، بالمقارنة مع الأداء الاقتصادي الحالي البائس، فضلاً على أنّ التسليم يعني خروج القضاء السوداني من دائرة محاكمة المطلوبين وإصدار قرار بالتسليم لولاية قضائية خارج البلاد، ليس ثمة توافق عليها.

البشير لا يخشى الجنائية

في مقابلة قصيرة مع البشير مؤخراً ذكر انه لا يخشى المحكمة الجنائية، وهى أفضل مما يجري لهم بالداخل، في إشارة لرداءة السجون وتسيس مؤسسات العدالة وحرمانهم من أبسط حقوقهم كمتهمين، بينما كان بمقدور الحكومة الانتقالية فصل السُلطات عن بعضها، على مبادِئ الديمقراطية، وبناء مؤسسات الدولة بصورة يطمئن لها الجميع، لكنها قصدت تغييب المحكمة الدستورية، ومجلس القضاء، وتحريك المدعي العام كأي كادر سياسي، وهى بذلك أرادت تعميم الانطباع بانهيار الدولة، وعرض البلاد في أكبر بازار عالمي.

يزعم بعض المفتونين بالعدالة البيضاء في مغالطة واضحة لعدم توقيع السودان على ميثاق المحكمة الجنائية بأن القرار أحيل لها من مجلس الأمن، مما يعني أن القرار سياسي وليس قانونيا. وإذا كانت حكومة قوى الحرية والتغيير تداركت الأمر الأن بالتوقيع على ميثاق روما، في غياب المجلس النيابي المنتخب، كان بإمكانها تشريع قوانين للإبادة الجماعية وجرائم الحرب أيضاً، وهى التي شرّعت قوانين تبيح الربا والإلحاد والمتاجرة في الخمور، وهذا يعني أن الانضمام للمحكمة وفي غياب البرلمان، فقط الهدف منه محاكمة البشير ولا يخلو من الكيد السياسي، ويتضمن شكلا من التلون والتحايل على الموقف السابق، لتمضي عقارب الساعة للوراء، وبأثر رجعي في قضايا مُحددة.

لا أحد يرفض إحقاق العدالة وجبر الضرر ومحاسبة كل متورط في القتل، ولكن بيد من؟ وكيف نطمئن، لمحكمة مسيسة، ترفض الدول الكبرى مثل أمريكا التعامل معها، وتتجاهل جرائم فظيعة وموثقة يندى لها الجبين، كما حدث لأقلية الروهينغا المسلمة، وما يحدث في قطاع غزة، والجرائم التي صاحبت غزو العراق وأفغانستان. بيد أن المحكمة الجنائية ومن خلفها مجلس الأمن بالطبع أسد على قادة أفريقيا ونعامة على قادة أمريكا وإسرائيل.

ترهيب المؤسسة العسكرية

لا شك أن عملاء الداخل يسعون لإتمام هذه الصفقة بأي شكل، والهدف منها ترهيب المؤسسة العسكرية من خلال استهداف قادتها، ومنح البراءة السياسية لقادة الحركات المتمردة في السابق، التي هيّ بالأساس متورطة أيضاً في حرب دارفور، وشاركت في القتل والتشريد، واستباحة المدن، بل الأمر أعمق من ذلك، ويرمي بشرر على كثير من قيادة الجيش الحالية، ومن بينهما بالطبع الفريق ركن عبد الفتاح البرهان والفريق محمد حمدان دقلو، وهما على نحوٍ أخص، كانا يد البشير في دارفور، وبالتالي فإن أي تعاون معَ المحكمة الجنائية يعني، على الأقل، إدانة مسبقة لهما، أو توريطهما في قائمة الاتهام، أو ابتزاز أي منهما، كدأب حكومات الغرب، وإن وجد البرهان ورفيق دربه حميدتي ضمانات من أمريكا بعدم الملاحقة، بسبب التطبيع مع إسرائيل، فهي لن تستمر طويلاً، والأفضل لهما الرهان على الشعب السوداني.

لا شك أن تسليم البشير للجنائية سيعجل بالانقلاب العسكري، لأنه يفتح الباب أمام تسليم كافة قادة المؤسسة العسكرية، ويغري بالمزيد، وهذا ما لا ترغب فيه القوى السياسية الحاكمة قبل تمكين كوادرها في الخدمة المدنية واستكمال مشروعها العلماني، وصرف أخر جرعة دواء في روشتة البنك الدولي.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة