خبير إثيوبي يشكك في أهداف إثيوبيا في سد النهضة

ميليس زيناوي
ميليس زيناوي

بدأت فكرة سد النهضة بدراسة فنية قدمها مكتب الاستصلاح الأمريكي لإثيوبيا في سنة 1964 لبناء سد مائي على مجرى النيل الأزرق في موقع سد النهضة بالقرب من الحدود السودانية الإثيوبية باسم “سد بوردر” أو السد الحدودي بسعة تخزين قدرها 11.1 مليار متر مكعب. وظل السد فكرة مجردة حتى سنة 2011 حيث أعلن رئيس الحكومة الإثيوبية الراحل، ميليس زيناوي، عن بناء السد وتغيير المسمى إلى “مشروع إكس” وزيادة سعة التخزين إلى 14 مليار متر مكعب. ولكن في نفس السنة أعلن زيناوي عن تغيير مسمى السد للمرة الثانية إلى “سد الألفية الإثيوبي العظيم” مع زيادة سعة الخزان إلى 17 مليار متر مكعب. وفي سنة 2012 أعلن للمرة الثالثة عن تغيير الإسم إلى “سد النهضة الإثيوبي العظيم” مع زيادة سعة الخزان للمرة الرابعة إلى 62 مليار. ثم أعلن في نفس السنة عن زيادة حجم السد إلى 74 مليار متر مكعب.

قبل توقيع اتفاق إعلان مارس 2015، وفي الخامس من سبتمبر/أيلول 2013، أثارت منظمة الأنهار الدولية، وهي منظمة دولية تعنى بمناهضة السدود الكبيرة التي تقام على الأنهار الدولية العابرة للحدود وتعمل في أكثر من 60 دولة حول العالم ومقرها في مدينة نيويورك، أثارت القلق حول حجم سد النهضة الإثيوبي الكبير “المبالغ فيه” والذي تبلغ سعة خزانه 74 مليار متر مكعب من المياه، وطاقته الإنتاجية للكهرباء 6000 ميجاوات. وقالت المنظمة إنه إلى جانب التوترات التي يسببها هذا المشروع الضخم سياسياً، هناك قلق متزايد من أن السد لن ينتج الطاقة بقدر ما تم تصميمه من أجله، وشكك عدد من المهندسين المتخصصين في جدوى تصميم حجم السد.

وسألت المنظمة أصفاو بيين، وهو أستاذ الهندسة الميكانيكية ومدير مركز الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة في جامعة ولاية سان دييغو الأمريكية، وقد عمل كخبير للعديد من المؤسسات في الولايات المتحدة منها وزارة الطاقة الأمريكية، شركة غاز وكهرباء سان دييغو، لجنة الطاقة بكاليفورنيا، معهد كاليفورنيا لكفاءة الطاقة، عددا من الأسئلة الفنية حول الحجم الإقتصادي لسد النهضة وتداعيات المبالغة فيه على الإقتصاد الإثيوبي والمصالح المائية المصرية ونشرته على موقع المنظمة، وكانت على النحو التالي.

السؤال الأول، ماذا ستكون العواقب إذا كان السد “مبالغا في حجمه”؟

الخبير الإثيوبي يجيب: هذا يعني أنه سيكون من النادر استخدام أكثر من نصف التوربينات المركبة في جسم السد. إنه مثل شراء مبنى من 10 طوابق لسكن شخص واحد. يمكنك التعبئة عدة مرات في العام عندما يكون لديك عدد كافٍ من الضيوف، ولكن لن يتم استخدام الغرف في معظم الأوقات. يعد ارتفاع السد ومعدل التدفق الطبيعي للمياه من العوامل التي تحدد إنتاج الطاقة المحتمل. يبلغ ناتج الطاقة المتاح لسد النهضة، استنادًا إلى متوسط ​​معدل ​​تدفق النهر على مدار العام وارتفاع السد (145 مترًا) حوالي 2000 ميجاوات. ليس هناك شك في أن النظام قد تم تصميمه لمعدل التدفق القريب من الذروة، ولكن هذا التدفق المرتفع يحدث فقط خلال 2-3 أشهر من موسم الأمطار. تركيب التوربينات الـ 16 المخطط لها ستكون زائدة عما يمكن إنتاجه فعلا من الكهرباء وفق ارتفاع السد ومعدل تدفق النهر (خفضت إثيوبيا العدد إلى 12 ولكن ما زالت كثيرة عما ينبغي أن تكون). كما أن تخطيط السد بحيث يعمل عند أقصى معدل تدفق للنهر أو قريب منه يعني غياب الحس الإقتصادي في السد.

يستخدم المهندسون عملية حسابية تسمى “معامل حمل المحطة” لوصف نسبة الإنتاج الفعلي لمحطة توليد الكهرباء خلال فترة زمنية، إلى ناتجها المحتمل إذا كان من الممكن أن تعمل بكامل طاقتها إلى أجل غير مسمى. في حالة سد النهضة، فإن معامل الحمل للسد المصمم لإنتاج 6000 ميغاوات سيكون حوالي 30%. ولكن لو تم تحديد “الحجم الصحيح” وهو 2000 ميغاوات، فإن عامل الحمل سيكون في هذه الحالة حوالي 90%.

السؤال الثاني، ما هي الافتراضات المشكوك فيها برأيك التي وضعها مهندسو سد النهضة؟

قال أصفاو: أعتقد أن حجم السد تم تصميمه ليتناسب مع ذروة معدل تدفق النهر، وهو التدفق الذي يستمر لبضعة أشهر فقط. يبلغ معدل ذروة تدفق النيل الأزرق أقل من 6000 متر مكعب في الثانية، وقد يتجاوز 6500 متر مكعب من حين لآخر. مع ارتفاع السد 145 مترًا، يمكن أن ينتج أقصى تدفق هذا حوالي 7000 ميغاوات. لكن التقارير تقول أن متوسط ​​معدل تدفق النيل الأزرق أقل من ذلك بكثير. لذلك، فحسب ارتفاع السد ومعدل التدفق فإنه لا توجد طريقة يمكن أن ينتج السد من خلالها 6000 ميغاوات لأكثر من 3 أشهر من السنة حتى لو كان السد يخزن الفرق بين معدلات تدفق الذروة وتدفق التصميم. السيناريو الوحيد الذي بموجبه سيكون إنتاج الطاقة متسقًا سنويًا هو ما إذا كان السد الكهرومائي مصممًا لتدفق متوسط، وهو حوالي 1456 متر مكعب في الثانية. وهذا سيولد أقل من 2100 ميغاوات.

السؤال الثالث: ما الآثار الاقتصادية على السد الذي ينتج طاقة أقل بكثير مما يفترض، إذا كانت توقعاتك صحيحة حول تصميم السد لتدفق نهر مفرط التفاؤل؟

يجيب أصفاو: الأمر بسيط فإن 10 توربينات إضافية أو نحو ذلك ستتوقف لمدة 9 أشهر في السنة. يستدعي الحجم حوالي 7 توربينات بقدرة 350 ميغاواط لكل منها. حتى لو أضفنا توربينًا إضافيًا واحدًا لتعطل الصيانة، يجب ألا يتجاوز هدف التصميم المناسب 2800 ميغاوات. وهذا يضمن توفير الكهرباء على مدار العام بمستوى ثابت تقريبًا، ويتطلب أيضًا فترة أقصر للملء الأول للخزان. السعر الإجمالي عند 800 دولار/ كيلووات (نحصل عليه بقسمة 4.7 مليار دولار على 6000 ميغاوات، وهو نهج شائع في صناعة الطاقة) سيكون حوالي 2.3 مليار دولار- يعني أقل بكثير من 4.7 مليار دولار لـ 6000 ميغاوات.

السؤال الرابع: هل لديك توصية لإثيوبيا في هذه الحالة؟

أصفاو: من الواضح أن القضية مسيسة إلى حد كبير، ويبدو أن السياسة تقمع الإعتبارات الهندسية المشروعة والتداعيات البيئية للسد. اقتراحي للجهات المعنية هو جعل الأمر شفافًا، وإعادة التفكير في عدد التوربينات التي سيتم تركيبها، وتغيير حجم إنتاج الطاقة الكهرومائية عن طريق تقليل عدد التوربينات. قبل بضعة أسابيع قمت بزيارة محطة للطاقة الكهرومائية بالقرب من لاسيرينا، في تشيلي، والتي تم إيقاف تشغيلها بسبب انخفاض منسوب المياه. أعرب المهندسون هناك عن أسفهم لأنهم لم يحددوا حجم التوربينات لإرتفاع أصغر بكثير. ويختم الخبير الإثيوبي بقوله إن سد النهضة سيواجه نفس المصير ما لم يتم تصحيح حجم السد.

تصميم الحكومة الإثيوبية على زيادة حجم السد إلى 74 مليار متر مكعب ليس مصادفة. فهذا الحجم يساوي مجموع حصتي مصر والسودان من مياه النيل، وهي 55.5 مليار لمصر و18.5 مليار للسوادن. وهو يساوي إيراد النيل الأزرق في سنة ونصف عند خصم المياه المفقودة بالبخر وفي طبقات الأرض. وبالتالي فإن زيادة الحجم على هذا النحو يغير وظيفة السد من توليد الكهرباء إلى تخزين المياه، ويحول النيل الأزرق إلى بحيرة إثيوبية داخلية وفق تعبير وزير الخارجية الإثيوبي، ما يعني التحكم الكامل في أمن مصر المائي كأخطر مكونات أمنها القومي، ويقضي تماما على مبدأ الحصص التاريخية القائم على مبدأ الإستهلاكات الحالية لمصر والسودان والذي تقره مبادئ القانون الدولي الخاصة بالمياه وأهمها اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة في سنة 1997.

في هذا الشهر رفعت مصر وجامعة الدول العربية ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن للمرة الثانية، فردت الحكومة الإثيوبية بأن بناء سد النهضة وصل إلى مرحلة لا يمكن التراجع فيها وقد وصل إلى 80%، وأن تخزين نحو 18.4 مليار متر مكعب خلفه سيتم في موعده المقرر له خلال شهري يوليو وأغسطس، وذلك على لسان رئيس اللجنة الفنية الإثيوبية لمفاوضات سد النهضة ومستشار وزير المياه والري الإثيوبي المهندس جيديون أسفاو. ورغم التعنت الإثيوبي، فقد حصرت مصر مطالبها في مجلس الأمن في مطلب وحيد وهو الضغط على إثيوبيا لتوقيع اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد دون التطرق إلى حجم السد البالغ 74 مليار متر مكعب وهي قضية غاية في الخطورة.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة