التدخل التركي.. والتفاوض المصري

أبي أحمد في حملة انتخابية "صورة إرشيفية"
أبي أحمد في حملة انتخابية "صورة إرشيفية"

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول إننا موجودون في ليبيا، وسوريا، وأذربيجان، وشرقي المتوسط، وسنواصل وجودنا.

هكذا يتحدث بعبارة واضحة وصريحة.

وسامح شكري وزير الخارجية المصري يقول في رسالة إلى مجلس الأمن بشأن الملء الثاني للسد الإثيوبي إن الوضع يشكل تهديدًا وشيكًا للسلم والأمن الدوليين ويتطلب الأمر أن ينظر فيه المجلس على الفور.

هذان عنوانان من تركيا ومصر بشأن السياسة الخارجية لكل حكومة فيهما، ومصالح كل بلد منهما والملفات والقضايا الأهم لكليهما والعنوان يلخصان نمط التفكير السياسي، وطبيعة التحركات، وكيفية اتخاذ القرار لدى كل نظام في البلدين.

المفارقة هنا بين تركيا ومصر، أن وجود الأتراك في ليبيا، وسوريا، وأذربيجان، يمكن اعتباره، في قراءة سياسية، تدخلاً خارجياً في شؤون البلدان الثلاثة، حتى لو كان برضا عاصمتين منهم؛ طرابلس وباكو.

أما مصر، فإن القضية الأهم والأخطر خارجياً لها على الإطلاق، هى سد أثيوبيا

وتبرير هذا التدخل، من وجهة نظر الحكومة التركية، أنه لحماية مصالحها العليا، والحفاظ على أمنها القومي، ولو كان ذلك على بعد ألوف الأميال من أراضيها، وغير الأتراك قد يرون مثل هذا الوجود ليس تدخلاً فقط، إنما احتلالاً صريحاً أيضاً. (نضيف كذلك التدخل والوجود التركي في شمال العراق لمطاردة حزب العمال الكردستاني).

أما مصر، فإن القضية الأهم والأخطر خارجياً لها على الإطلاق، هى سد أثيوبيا، مصر دولة المصب، وواحدة من دول حوض نهر النيل، وهى الدولة الأكثر تضرراً من أي تغيير، ولو محدود في وضع النهر وحرية تدفق مياهه، روحها وحياتها في مياه النيل، ووجودها كشعب ودولة مرتبط بشكل رئيسي بالمياه، نهر النيل ليس القضية الثانية في سياستها، بل هو القضية الاستراتيجية الأولى، وهو قمة الأولويات الوطنية، وليس هناك بلد في العالم لديه موضوع عادل ومُحق ولا يمكن التسامح فيه مثل نهر النيل والمخاطر الكبرى للسد الأثيوبي على مصر وشعبها.

ومع هذا، فإن مصر تخشى حدوث الاحتكاك الدولي كما ورد في رسالتها إلى مجلس الأمن، ولهذا تدعو المجلس لمناقشة الموضوع والتدخل فيه سلمياً بالطبع، فهي لا تريد غير دفع إثيوبيا للتفاوض الجاد، وتوقيع اتفاق عادل لملء وتشغيل السد.

وضمن المفارقة أن القاهرة تخشى من حدوث عدم استقرار إقليمي، إذا لم تلتزم أثيوبيا بتوقيع الاتفاق، ولهذا تذهب لمجلس الأمن وتقول له بكل أدب واحترام إن الوضع بشأن السد والملء الثاني دون اتفاق يشكل تهديدًا وشيكًا للسلم والأمن الدوليين، ومن فضلك يا مجلس تدخل حيث إن شعبنا وحياتنا ونهرنا مهدد فافعل شيئاً لنا.

لماذا لم تذهب تركيا إلى مجلس الأمن، أو تطرق أبوابه، أو تمر من أمامه قبل أن تحسم أمرها وتتدخل في سوريا وليبيا وأذربيجان والعراق؟، لماذا لم تقدم ملفاً بضرورات الذهاب إلى هذه البلدان بغرض حماية أمنها القومي، أو تنفيذاً لاتفاقيات ثنائية وقعتها مع بعضها؟.

تركيا تحركت من نفسها، وفق حسابات المصلحة العليا لها، والحفاظ على ما تعتقد أنه ضمن أمنها القومي، حتى لو كان مجال هذا الأمن بعيداً جداً عن حدودها، كما في الحالة الليبية، وحتى لو لم يكن هناك تهديد حقيقي لها. ويمكن هنا لمن شاء أن يختلف مع مبررات أنقرة، ويتهمها بالعدوان على ليبيا وسوريا وأذربيجان والعراق، لكن الواقع أنها موجودة على الأرض في هذه البلدان، وتفعل ما تريد.

ويتضح اليوم من التمسك بمسار التفاوض غير المفيد أنه لم يكن في خطة القاهرة بديل آخر غير التفاوض

مصر تتمسك طوال عشر سنوات، منذ البدء في بناء السد، بالحل السلمي التفاوضي مع طرف أثيوبي عدواني يخطط للسيطرة على المياه والتحكم فيها كمورد طبيعي، كما يرغب في التأثير على مصر دوراً وقراراً، والحل التفاوضي كان مقبولاً لفترة من الوقت، ثم لما كشفت أديس إبابا عن نوايا السيطرة والهيمنة والتعنت والتحدي وعرقلة طاولة الحوار أو تضييع الوقت كان ضروريا إبراز مصر لأوراق أخرى أهمها الردع والتلويح الجاد باللجوء للقوة وتوجيه رسائل حاسمة وحازمة وقاطعة بل والإقدام على الفعل قبل أن يصير هذا الفعل مستحيلاً بعد ذلك، وهو ما يكاد يكون حصل الآن حيث إن التحرك عسكرياً تجاه السد باتت نتائجه محفوفة بالمخاطر عليها وعلى السودان.

ويتضح اليوم من التمسك بمسار التفاوض غير المفيد أنه لم يكن في خطة القاهرة بديل آخر غير التفاوض إلى هذه اللحظة، ورغم بدء الملء الثاني الخطير، والذي بعده سيصير السد، وما خلفه من بحيرة مياه هائلة، قنبلة نووية مائية، وستكون مصر والسودان مجبرتين لعدم المساس بجسم السد، لأن انهياره يعني طوفان مياه يهدد البلدين، وهذا ما قاله جنرال عسكري أثيوبي قبل أيام، رغم هذا الملء، فلا تزال القاهرة تتحرك دولياً عبر مسارات متعددة، ومنها مجلس الأمن للضغط السياسي على أثيوبيا التي اطمئنت مبكراً إلى أن الجراب المصري ليس فيه غير بند التفاوض.

لست ضد القانون الدولي، ولا ضد المجتمع الدولي، ولا ضد سياسة خارجية عاقلة متوازنة تراعي الظروف والأوضاع الإقليمية والعالمية المحيطة بمصر، لكن عندما يكون هناك قانون دولي يتم احترامه من الجميع، ومجتمع دولي عادل مع الجميع، وتكون هناك مراعاة دولية عادلة للظروف المحيطة بكل بلد، ومنها مصر، وعندما تكون قضية السد شديدة الحساسية والخطورة والتأثير على مصير مائة مليون مصري، عندما يكون كل ذلك في الحسبان، فهنا يمكن الحديث عن السياسية الخارجية القيمية والأخلاقية الملتزمة بالمبادئ السامية.

هل فعل أحد في المجتمع الدولي شيء لتركيا وهى ترسل قواتها وعتادها العسكري إلى سوريا وليبيا والعراق وأذربيجان؟، هل انتفض أحد ليمسّها بالأذى والضرر؟، هل عاقبها المجتمع الدولي المزعوم؟، هل تم شطبها من الخريطة العالمية؟، ماذا فعل مجلس الأمن؟، لا شيء من هذا حدث أو سيحدث للأتراك الذين يواصلون ممارسة سياستهم الخارجية وتواصلهم مع العالم بكل فاعلية.

وهناك أيضاً إيران التي تتواجد في أربع دول عربية، وباتت لاعباً مؤثراً في هذه الدول، وهذه قصة أخرى طويلة تضاعف آلام أزمة السد.

وفي إسرائيل أكبر مثل، فهي تتصرف مع الشعب الفلسطيني الواقع تحت احتلالها كما يحلو لها، وتتحرك في محيطها، وفي الشرق الأوسط والعالم كما تشاء دون اعتداد بقوانين ومواثيق وشرائع دولية، ودون اعتبار للأصوات المنددة بتصرفاتها وسلوكياتها، فالمهم أن تحقق مصالحها، وتحمي أمنها كما تراه هى.

نعم إسرائيل دولة احتلال وعدوان مارقة، ولا أطالب بالتشبه بها في الانتهاكات والإجرام، إنما الفكرة أنها تمد ذراعيها الطويلتين إلى كل مكان طالما تشعر أن هناك تهديداً لها، وهي على غير حق، فماذا لو كان بلد مثل مصر لديه أزمة خارجية واحدة هى السد الأثيوبي، وهي مُعتدى عليها بشكل أكيد، أليس ذلك مبرراً قوياً لها لرد الاعتداء دون قلق من أحد.

فلماذا نتمسك ونلتزم بأدب واحترام بالقانون الدولي، ونتحسب للمجتمع الدولي، ونكرر الذهاب لمجلس الأمن الدولي، ونحرص على الاستقرار الإقليمي، ونراعي عدم الاحتكاك الدولي، بينما أثيوبيا الطرف المواجه تنتهك كل هذه المبادئ والقواعد منذ سنوات وعلى مرأى ومسمع من العالم، ولا تعبأ بحاجة مائة مليون نسمة في مصر، وخمسين مليوناً في السودان، للمياه سر الحياة والبقاء والوجود للشعبين والبلدين؟!.

عجيب أمرنا.. وأمرنا لله.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة