تونس.. هل نجح الانقلاب؟!

مؤيد للنهضة يرفع العلم التونسي على بوابة البرلمان
مؤيد للنهضة يرفع العلم التونسي على بوابة البرلمان

لم يكن وقوع الانقلاب في تونس مفاجأة، لكن المفاجأة في تعامل قيادة حركة النهضة، التي فاجأها الأمر فقدمت خطاباً تنظيرياً عظيما تنافس به أساتذة العلوم السياسية، انشغل بتوصيف الأزمة وفق المنهج الوصفي، على حساب الانشغال بمواجهتها!

قبل شهرين، وفي الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي، نشر موقع “ميدل آيست آي” وثيقة مسربة من القصر الرئاسي التونسي، عن مخطط لانقلاب دستوري، يبدأ باعتقال كل من رئيسي البرلمان والحكومة، ثم إعلان الرئيس قيس سعيد بياناً عبر التلفزيون، بحل البرلمان وأن زمام الحكم صار قبضته، وعندما تذاع الوثيقة على نطاق واسع، ثم تنفذ بحذافيرها بعد ذلك، فإن العجز عن التعاطي مع الأزمة، يؤكد افتقاد قيادة الحركة، لأي أهلية قيادية أو سياسية، وهم يساقون إلى حتفهم، فتكون صدمتنا في افتقادهم للخطة إذا وقع الانقلاب!

الأكثر ذكاء

إن الرئيس قيس سعيد لم يخطط بليل لما جرى، ففضلاً عن تسرب وثيقة انقلابه وإذاعتها، فإنه منذ البداية يلوح باستدعاء الجيش، وقد عقد اجتماعات عدة مع قياداته، الأمر الذي كان ينبغي على حركة النهضة أن تكون لديها خطتها للمواجهة، وهذا الأداء يؤكد أنها لم تضع احتمالاً لأي شيء على نحو يذكرنا بأشقائهم في مصر، الذين ظلوا يعتقدون أن الجيش نزل للشارع لحماية الشرعية، ولم يفوقوا من الوهم، إلا بعد بيان الانقلاب، وفي رابعة وعندما سئلوا ماذا سيفعلون إذا حدث الفض؟ كانوا في غاية الاطمئنان بأن فضاً عنيفاً لن يكون وبالتالي لم يجدوا أنفسهم مطالبين بوضع خطة إذا جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن!

بيد أن الشيخ راشد الغنوشي يقدم نفسه دائماً، على أنه الأكثر ذكاء من قيادة الجماعة الأم، وقد ذهب البعض يفسر هذا بأنه نظراً لانفتاحه على الغرب، وهو انفتاح لا قيمة له، لأن الأساتذة الغربيين لا يواجهون التحديات التي تواجهنا، وإزاء تعامل الغنوشي بتعال باعتبار أن أستاذية العالم انتقلت لشخصه، بعد أن كانت ملكاً للجماعة، ذكرته أكثر من مرة، بأن فشل الانقلاب في تونس، ونجاحه في مصر، ليس بسبب جدارته السياسية، ولكن لأن الجيش هناك بعيداً عن السياسة منذ النشأة والتكوين، وكان ينبغي أن يضرب على يد قيس سعيد وهو يستدعي الجيش ويلوح باستدعائه، لعلهم إن فعلوا نجا ونجوا جميعاً.

تصريحات الليلة الأولى

لقد ظهر قادة الحركة وكأنهم لم يضعوا في اعتبارهم أبداً احتمال وقوع الانقلاب، وهذا كان له أثره البالغ في تصريحاتهم في ليلته الأولى، فكل من تكلم من قيادة الحركة، لم يخرج عن دائرة التنظير السياسي، فما وقع انقلاب دستوري، وأن الرئيس قيس سعيد تجاوز اختصاصه الوظيفي، والحديث عن أن البرلمان في حال اجتماع مستمر، وانتظروا فالصباح رباح. وتركوا فراغاً تمدد فيه قائد الانقلاب ومن يخططون له، إذا ينبغي أن تكون الدعوة منذ وقوع الانقلاب للنفير العام، وأن يدعو رئيس البرلمان لاعتصام طارئ الآن، ويتوجه للمجلس، فاذا وجده مغلقاً أعطى أوامره للشعب بهدم أسواره، ثم يطيح بقيس سعيد بموجب المادة (88) من دستور البلاد التي تعطي أغلبية البرلمان الحق في عزل الرئيس وفق إجراءات معينة إن وقعت منه مخالفة جسيمة للدستور، وهو ما ارتكبه قيس سعيد فعلا!

إن الذي حال دون تنفيذ خطة الانقلاب المنشورة، باعتقال راشد الغنوشي أنه أصيب بكورونا، لكن تبين في هذه الليلة أنه بدأ في استرداد عافيته ومن ثم كانت تصريحاته، ثم ذهب إلى البرلمان في وقت متأخر ليقدم صورة من هناك على نجاح الانقلاب، فلم يستطع هو ومن معه من النواب دخول البرلمان الذي كان مغلقاً بالضبة والمفتاح وقد خطب في جندي هناك عن الثورة وما إلى ذلك، فذكرنا بخطابات أخرى بائسة في الوقت الضائع!

نجاح الانقلاب

هل فعلا صرنا في الوقت الضائع، وقد تمكن الانقلاب من النجاح والسيطرة؟!

لأن الصبر عند الصدمة الأولى، فإن أداء الليلة الأولى، يكرس من فكرة نجاح الانقلاب على ضعفه، وإن انحازت له دوائر إقليمية، ومن العيوب القاتلة للتنظيمات أنها تقيد حركة الجماهير وتؤممها، وكان ينبغي أن تكون الدعوة منذ اللحظة الأولى من قيادة النهضة لجماهيرها ومن ثم للشعب كله للنفير العام، والخروج للشوارع للدفاع عن الديمقراطية!

وهو أمر كان يمكن أن يقوم به الشعب من تلقاء نفسه، لكن في وجود التنظيم، فإنه دائماً عند اتباعه لديه الخطط فلا يتصرفون من تلقاء أنفسهم حتى لا تفسد خططه، والشعب المنحاز للديمقراطية فإنه ينتظر نزول أصحاب المصلحة الأولى، وهو واقع أليم يذكرنا بالحالة المصرية، عندما كانت تتعلق أعين الجميع بأفواه القادة، الذين تبين أنهم يتحركون بلا خطة، أو مشروع، فتخرج الملايين للشوارع ثم تعود للبيوت بإشارة باعتبار أن القيادة هي من تحدد ساعة الصفر لانتصار الشرعية.. تلك الساعة التي لم تأت أبدا.

وربما خاف راشد الغنوشي وقد رفعت عنه الحصانة البرلمانية بالمخالفة لأحكام الدستور، من أن يدعو الشعب للدفاع عن ثورته فيعتقل في الحال، وكل ما قدمه الرجل من تنازلات جمة، كانت للنجاة من السجن، واعتبر أن عدم دخول السجن في حد ذاته هو إنجاز عظيم، ليكون في حكم من خاف من الموت فمات من الخوف، لكن هل هو وحركته يقفون بعيداً عنه ولو قبلوا بالانقلاب؟!

الواقع أنه بنجاح الانقلاب، فان الخطوة القادمة هي فتح السجون للنهضة قيادة وصفاً، لأن الرعاة الإقليميين له لن يقبلوا إلا بقطع دابر القوم، حتى لا يمثلوا عقبة في طريق الانقلاب في أي لحظة!

وإلى الآن فان الفرصة مواتية لإفشال الانقلاب، بوجود مليونية كتلك التي دعت اليها الحركة قبل عدة شهور، تملأ الشوارع، وتقرر عدم العودة للبيوت حتى إسقاط الانقلاب، ليكون حصار البرلمان يقابله حصار قصر قرطاج، وحل البرلمان يقابله سحب الثقة من الرئيس وهو اختصاص أصيل للبرلمان

لكننا نضع في الحسبان أن القوم تأخروا حتى أحكم الانقلاب سيطرته على مبنى البرلمان، ومع هذا  إذا حضرت الجماهير، فلن تحدث مواجهة عنيفة، لا من الجيش ولا من الشرطة، فليس هناك مصلحة لأحد في ذلك!

أدرك إنني سأهتف في قادم الأيام: لله يا زمري!

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة