حلف أمريكي إسلامي جديد.. هل هي خديعة جديدة؟

بايدن
بايدن

مع وصول إدارة بايدن للبيت الأبيض سنة 2021 انتشرت أحاديث كثيرة عن تحالف قادم بين الإدارة الأمريكية الديمقراطية وبين حركات الإسلام السياسي السني من أجل التصدي للمارد الصيني الزاحف من الشرق على حوض البحر المتوسط ودوله خاصة وعلى أفريقيا الواعدة بالاستثمارات البكر. وقد روجت لهذا مواقع كثيرة قريبة من الإسلاميين وأسندت قولها غالبا إلى منشورات مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية لكن دون ترجمات ثقة.

صورة حقيقية أم مشتهاة

الصورة التي تبنى وتروج هي صورة حلف سياسي واقتصادي وربما عسكري يتألف من قوة تركية مسلمة سنية يعاضدها تيار الإخوان المسلمين في كل مواقعه وبكل تفريعاته القطرية.  وتعمل هذه القوة على التصدي الموضعي لتدخلات خط سياسي عربي آخر يتألف من النظام الاماراتي والمصري والسعودي ويعاضده حفتر في ليبيا. وهذا الخط يحظى بدعم فرنسي صيني وروسي عسكري ومالي ودعائي قوي. ولتكتمل الصورة فإن هذا الخط المدعوم فرنسيا يدخل تحت التحالف الفرنسي مع الصين ليجد نفسه في خط معاد للهوى الأمريكي في المنطقة. وهذا ما يفسر تدخل الإدارة الأمريكية في ليبيا لصالح حل سياسي يقصى حفتر وحلفائه ويثبت أقدام جماعة طرابلس القريبة من الحلف التركي الإخواني ويتخذ التدخل في ليبيا كبشارة على وجود هذا التحالف الكبير القادم على كل المنطقة العربية التي تسمى في بعض الكتابات بالهلال الإسلامي أو القوة الخضراء والذي توسعه بعض الكتابات إلى كل بلدان الإسلام الآسيوي بما فيها الكتلة الشيعية ذات الوزن في إيران وجوارها.

يروج بعض المبشرين بهذا التحالف أسانيد بعضها مثير للاستغراب كقولهم إن هذا التحالف في جوهره تحالف مؤمنين (مسلمين ومسيحيين كتابيين) ضد كفار وقيام درع إسلامي مواجه للصين(الكافرة) يحمي بيضة الإسلام ويحمي أيضا أهل الكتاب إلى الغرب منه. ولو بقي التبرير والتبشير في مستوى الحديث الاقتصادي لكان معقولا فالتحالفات تبنى وتتغير حسب المصالح إذ لا وجود لعداوات دائمة ولا صداقات دائمة لكن استدعاء بعض التبرير الديني ذكرني بتبريرات مشابهة سبق استحضارها لتدبير لحم مدافع في مواجهة السوفييت في أفغانستان.

قد يلدغ المرء من حجر مرتين

إذا فقد إيمانه فإنه يحشر يده في جحر الأفعى مرتين. ونعتبر أن من لا يستحضر الخديعة الكبرى في ما سمي بالجهاد الأفغاني التي تم بمقتضاها ترحيل الآلاف المؤلفة من الشباب الإسلامي باسم مجاهدة الكفار الروس في بلاد الإسلام (أفغانستان) ثم الانقلاب عليهم وتصفيتهم ووصمهم بالإرهاب الإسلامي بعد قضاء الوطر منهم سينال لدغة أخرى قاتلة من نفس الجحر الأمريكي الذي يضع مصالح شركاته قبل مصالح حلفائه مهما كانت عقيدتهم. (ولم نعرف للأمريكان تحالفات بنيت على أساس عقدي بما في ذلك مشروع ترميم أوربا بعد الحرب الثانية).

هناك اختلاف نبرزه في السياق هو أن دعاة التحالف الجديد مختلفون عمن بشر بالجهاد الأفغاني وبرره وحرض عليه وموله وأعني الاختلاف بين النظام السعودي الذي قاد ذلك التحالف وبين خط الإسلام السياسي الإخواني الحالي (لا الثمانيني) الذي تسنده في الوقت الراهن تركيا بشكل ذكي لا يخلو من قوة ومن براغماتية سياسة مع قوة اقتصادية ناهضة قادرة على التفاوض من موقع متقدم جدا.

إلى مدى يمكن أن يبني هذا الخط السياسي تحالفا (إسلاميا أمريكيا) لا يكون فيه الشباب الإسلامي لحم مدافع في حرب أمريكية أخرى ضد الصين؟ وإن كنا لا نرى هذه الحرب قادمة في المدى المنظور. لهذا الخط أيضا علماؤه ومفتوه وليس أسهل عليهم من إصدار الفتوى غير أننا نظن إن الخديعة باسم الجهاد في أفغانستان قد تركت درسا بليغا في النفوس يصعب تبرير مثله بفتاوى جديدة. ولذلك فإن شروط قيام تحالف جديد لن تكون بفتوى بل بحركات سياسية يمكن البناء عليها ونرى هذه الخطوات واجبة على الأمريكي القادم بوجه جديد الى المنطقة.

فلسطين مسبار واختبار

ما سميناه بالتحالف الإسلامي السني (الذي لم يتحول إلى جبهة سياسية فعلية على الأرض) ليس قويا بقدر وضع الشروط الحاسمة على طاولة تفاوض حول المستقبل مع قوة أمريكية لكن الرغبة الأمريكية في إقامة حاجز دفاعي ضد الصين يمكن إن تتحول إلى وسيلة تفاوض. لا يمكن إقامة هذا التحالف في وضع تشتغل فيه دولة الكيان الصهيوني كخنجر مغروس في ظهر المفاوض المسلم. لأن خط الإسلام (أو الهلال الأخضر) مطعون في قوته بوجود هذا الكيان. ومن رغب في تحالف دائم وقوي يمكنه أن يزيد من قوة حليفه.

نعم توجد حاجة أمريكية لمواجهة الصين في المنطقة العربية والاسلامية وأفريقيا. لكنها ليست بالضرورة حاجة المسلمين. وأكبر خديعة قد يمارسها المسلمون (الإسلاميون)على أنفسهم هي التعامل مع القوة الصينية على أساس كفر وإيمان.

هل يضع المفاوض الإسلامي هذا الطلب على مائدة الشريك القادم بمشروع للمستقبل؟ نحن هنا أقرب إلى تخيل ما ينبغي أن يكون لا قراءة ما هو كائن. وكأننا قبلنا فعلا بأن هناك تحالفا أمريكياإسلاميا موجها ضد الصين وحلفائها. وكأن الأحاديث الرائجة قد تحولت إلى حقيقة ملموسة.

إن ربط أي تحالف مستقبلي لا بد أن يمر من فلسطين. لا يمكن -وهذه حقيقة- بناء قوة سياسية واقتصادية في المنطقة ولا يمكن بناء تحالفات قوية وشراكات ندية في وجود كيان غاصب للأرض ويستنزف طاقتها في حرب لا تنتهي. ما نراه الآن من دعم سخي للكيان وإسناد سياسي لفعله الاستيطاني لا يدل على جدية المفاوض الأمريكي بل هو استمرار لسياسات قديمة مبنية على ثوابت أهمها احتقار العربي المسلم وامتهان موقفه وارادته والاكتفاء باستعماله لحم مدافع في معارك تستنزفه.

ليس هناك أي مؤشر حقيقي على تغيير فلسفة الإدارة الامريكية سوى أنها تريد صرف بعض جهدها لإيقاف الزحف الصيني على مناطق نفوذها التقليدية في المتوسط وحبذا لو وجدت لذلك مقاتلين بالمجان. لذلك فإن المبشرين بتحالف معها يفرطون في التفاؤل ويروجون لحلم وردي كأنما يتلقون أجرا على ذلك.

لن ننصح أحدا بالحذر ولكن نحن الذين عشنا خديعة الجهاد الأفغاني سنتسلح بالحذر من حديث التبشير بالحلف الأمريكي الجديد. وعندما يرفع الأمريكي يده عن الكيان الصهيوني سنغير قراءتنا وموقفنا.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة