هل تشهد إسرائيل ربيعاً عبريا؟

مظاهرات لاسرائيليين
مظاهرات لاسرائيليين

قدم الربيع العربي مثالا واضحا لفهم ما يدور في الشرق الأوسط من مفارقة استعصاء التغيير مع استحالة استمرار ما هو قائم.

في لحظة فارقة بدا الماضي ثقيلا مثخنا بالأوجاع الاقتصادية والاستبداد السياسي وفقدان الحرية والعدالة الاجتماعية على الشعوب العربية في محاولتها الخروج من تلك الهموم الكبري بعد أن أرهقتها وهي تسعي للبحث عن ذواتها في اقتصادات متحولة وهجينة.

كان الربيع العربي حلقة الوصل بين سقوط الحلم الوطني وضياع الحلم الشخصي فلم يعد مستطاعا التوفيق بين المهانة الوطنية والمهانة الشخصية خصوصا في ظل الخوف على ومن المستقبل.

وحدث ذلك لمتغيرين، الأول: خروج العالم من نظام وترتيبات الحرب العالمية الثانية والثاني وقوع أول أزمة اقتصادية عالمية عامة بدءا من 2007 فيما سمي بالكساد الكبير أو الركود الكبير ويعتبر أشد أزمة اقتصادية منذ ركود 1929.

وما زال الوطن العربي يتخبط بالنموذج الاقتصادي الفاشل وبعدم القدرة على إنتاج اقتصاديات لديها القدرة على التعاطي مع عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وبالأحرى عالم ما بعد زوال تلك الحرب.

طرح استبدال الحلم العربي بالربيع العربي إشكالية أكبر من الحاجة إلى ذلك الربيع فـ”أن تعرف مالا تريد لا يعني بالضرورة التقدم نحو المستقبل”.

لوهلة خاطفة بدت الدولة العبرية قوية في ظل الفشل العربي المهين. وهي التي استطاعت التخلي عن القيم الاشتراكية التي تأسست عليها واندمجت بسرعة مع الاقتصاد العالمي الجديد مقدمة نموذجا مدهشا يجمع بين كثافة المعلومات وحداثة التكنولوجيا.

ورغم ما فعلته فإنها بقيت الدولة العالة ذات الاقتصاديات العالة التي تقوم على اقتصاد المساعدات والتعويضات وسرقة موارد الآخرين من أرض وغاز ومياه، بل والمعلومات والحدود الجغرافية.

ثم ظهر في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية رئيس أسود لأكبر دولة في العالم من أصل مسلم وأفريقي. وبعد أربع سنوات جاءت لندن بعمدة مسلم محافظا لها أو رئيس بلدية ثم ظهرت نائبتين في الكونغرس الأمريكي مسلمتين من أصول عربية وفي نفس الوقت ودع العالم كثيرا من القيم التي ظلت فيه ردحا من الزمن وتحولت السياسة إلى ساحة نجد فيها المتحولين وكل الظواهر التي أفرزتها حرية الحياة الشخصية. حتى المملكة العربية السعودية أعادت حقوقا للمرأة سلبت منها عقودا من الزمن. معظم العالم تغير نحو مزيد من حرية الأفراد وقبول الآخر، إلا في إسرائيل التي بقيت غارقة في أيديولوجية دينية تتقدم بها للخلف عشرات السنوات.

لم يعد العالم قادرا على العيش مع نموذج إسرائيل ولم يعد الشرق الأوسط بعد قادرا على انتظار انتصار الماضي في منطقة غنية بالطاقات والموارد الطبيعية.

فهل تحتاج الدولة العبرية إلى ” ربيع عبري ” لحل التناقض بين الماضي والمستقبل؟

بدا العالم مع انتفاضة حي الشيخ جراح بل في أراضي 1948 جاهزا ليقول لإسرائيل كفي!

فتح الإعلام أمام الصوت الفلسطيني، بل إنه حتى الإعلام الاسرائيلي نفسه “ولأول مرة” ينشر فيه وعلى صفحاته الأولي صور 67 طفلا قتلتهم إسرائيل في غزة. وباتت منصات التواصل الاجتماعي مسرحا للرأي العام تستطلع رأيه حول الفصل العنصري ” الأبارتيد” الذي تمارسه اسرائيل. وأصبح العالم الحر يقول لها لأول مرة ” نأسف لن نساهم هذه المرة في تقديم خدمات نزع الخوف عن الشعب الإسرائيلي” الذي زرعتيه بيديك وأفعالك.

ذلك الدرس الرئيس فيما جري على أرض فلسطين كلها من حيفا إلى رفح وهي قد باتت عاجزة تماما عن وقف صواريخ القسام والمقاومة فتصدرت فلسطين واجهة اهتمام الدنيا كلها في مشهد من أقسي ما يمكن أن يمر علي الدولة العبرية.

لقد افتتح عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بمشاهد سقوط الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ها هو العالم يدور دورة كاملة في حصد نتائج تلك الحرب ويحط اليوم في آخر محطة لإنهاء الفصل العنصري في الدولة العبرية فالعالم يقترب من أزمة أعقد وأكثر اتساعا من أزمة 2007 بعدما أنفقت الحكومات على جائحة كورونا مليارات من الدولارات لحظة تعطل اقتصادياتها فأصبحت أشد احتياجا لخيرات وموارد الوطن العربي علي امتداده لخلق متنفس كبير لرأس المال العالمي دفعا للأزمة الخانقة.

هذا بدوره يحتاج إلى تسوية تاريخية يسعي إليها المال اليوم بشكل كبير فكل شيء متوقف في المحطة الإسرائيلية.

فهل تحتاج الدولة العبرية إلى ” ربيع عبري ” لحل التناقض بين الماضي والمستقبل؟ وهل تتحمل إسرائيل نتائج ربيع عبري يقطع بين رفض التغيير التوراتي والحاجة الماسة إليه؟

سنرى!

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة