صمود غزة وسقوط نتنياهو

حاول بنيامين نتنياهو إطالة عمر وزارته، وجمع أكبر عدد من أصوات المتطرفين من حوله من خلال الحرب على غزة، وخلال عشرة أيام من القصف أسفرت عن قتل أطفال ومدنيين وهدم منازلهم، لم تفلح آلة الحرب الفتاكة في تحقيق أهدافها التي وضعتها لهذه الحرب، وكان لدى الصهاينة قدرٌ من الشجاعة جعلهم يعترفون بهذه الخيبة، وذكرت استطلاعات رأي عبرية أن حوالي 80% من شعب نتنياهو يعتقد أنه خرج خاسرا من هذه الحرب، وبقيت نسبة قليلة أرضى عنصريتهم مشاهد الدمار التي حلت بالعزل والمدنيين!

أما حزب الليكود العربي -أو صهاينة العرب- فقد أظهروا أنهم أكثر تصهينا من المستوطنين والمحتلين، حيث تبنت دولة الإمارات نفس خطاب إسرائيل في وجوب إبعاد حركة حماس عن ملف إعمار غزة، ثم ذهب سفيرهم في تل أبيب لطلب البركة من الزعيم الروحي لحركة (شاس) الدينية المتطرفة الحاخام شالوم كوهين في منزله بمدينة القدس المحتلة.

وهناك، صب جام غضبه على قناة الجزيرة التي كشفت حجم الإجرام الصهيوني، ولم يفته الحديث عن عدوهم التقليدي (الإخوان المسلمين)، كما حرص السفير على مشاركة الجماهير في متابعة مباراة كرة قدم، وقال مواسيا للحاخام كما نقلت كل وسائل الإعلام: “ننتظر أن تعودوا أقوى من السابق”.

الذي وعد بالقضاء على رموز المقاومة وسحق سلاحها، هو من خرج من المشهد مذمومًا مدحورًا

ومع محاولات التشكيك وبث الشبه حول انتصار غزة وصمود المقاومة، جاء سقوط نتيناهو لينسف أضغاث أحلام تشبث بها فئام من اللئام، وأن حربه على غزة لم تكن طوق نجاة، وإنما الطوق الذي رُبطت فيه سلسلة سقوطه، حيث بحث عن حتفه بظلفه، وأن حرب الأيام العشرة كانت القشة التي قصمت ظهر الحمير!

ومع تسليمنا بأن التحالف الذي سيخلف نتنياهو لا يقل عنصرية ولا دموية عنه بل ربما يتفوق عليه، لكنها لحظة فرح من زاوية أن الذي وعد بالقضاء على رموز المقاومة وسحق سلاحها، هو من خرج من المشهد مذموما مدحورا، تلاحقه قضايا فساد ربما تجعلنا نراه مكبَّل اليدين قريبا، إلا إذا استطاع سفير الإمارات أن يهيئ له ملاذا في أبو ظبي القبلة التي يقصدها أمثال بنيامين.

ومع الأداء الرائع ميدانيا وإعلاميا وسياسيا للمقاومة الباسلة ورموزها، بدأت تنهشهم ألسنة حداد أشحة على الخير، تريد التقليل من إنجازاتهم والتشويش على صمودهم وجهادهم، وما ذلك إلا لأن مفهوم المقاومة يؤرقهم ويخشون من سريان هذه الروح في باقي جسد الأمة، لا سيما وأن نجاحا آخر ونموذجا مختلفا فرض نفسه ونجاحه على الصعيد العالمي، وهو نموذج حركة طالبان الأفغانية التي تخصصت في هزيمة الدول الكبرى، وجعلت أمريكا بعد أكثر من عشرين سنة تعلن انسحابها من أفغانستان، وتطلب الجلوس والتفاوض مع حركة طالبان، التي جلست بشروطها وتفاوضت من خلال ثوابتها ومبادئها!

بما يؤكد أن صاحب الحق سيضيع حقه إن لم تكن له قوة تحميه، لذا أمر القرآن بفريضة الإعداد والاستعداد، وامتلاك ما تستطيعه من وسائل وأسباب القوة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).

أما السواد الأعظم من المطبِّعين والمنبطحين فيزعجهم صمودُ أهل الحق وصبر أصحاب الثبات، لا سيما وأن في فلسطين وأفغانستان إلى جانب المقاومين والمجاهدين، هناك مَن قَبل أن يضع يده في يد المحتلين، بل يعمل لصالحهم وتحت مظلتهم كأداة من أدواتهم تحت مسمى السلطة أو الوزارة والرئاسة، وما هم إلا ضباط صف في صفوف العدو، ويراد لهذا المشهد البئيس أن يعمَّم، ويصبح النموذج المثالي للمواطن الذي قضيته في معدته، وولاؤه لمن يدفع له!

لا شك أن درب المقاومة طويل، وعبء الجهاد ثقيل، لكن العاقبة للصابرين والنصر حليف الصامدين..

(إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة