القتل في ساحة المحكمة!

ما يجري في ساحة المحاكم المصرية الآن جرائم قتل ممنهجة مع سبق التخطيط والمساعدة في التنفيذ، فقد شاهد العالم أجمع وفاة أول رئيس مدني منتخب في ساحة المحكمة، وبعد مرور عامين على الواقعة لا توجد أيُّ معلومات عنها إلا رواية الخصم، ولم يُسمح بأيِّ تحقيق محايد، وكل ما فعله النظام المصري من بعد الوفاة حتى الدفن يتطابق تمامًا مع ما يفعله كل القتلة من التعتيم على الجناية، ومحاولة طمس أي دليل أو خيط يدل على الجريمة، وساعد على ذلك التواطؤ الدولي، وعجز من بقيت فيهم أثارة من إنسانية عن الوقوف أمام التيار الموحد للقضاء على التيار الإسلامي، بالإضافة إلى الدعم الإقليمي المباشر واتحاد قوى الثورة المضادة.

ومن هذا المنطلق تجاوز النظام المصري مرحلة حقوق الإنسان إلى قتل الإنسان، وجنَّد كتيبة من القضاة يصدرون له ما يشاء من أحكام القتل والإعدام، تلك العقوبة التي يحاربها العالم “المتحضر” ويشفق من تنفيذها على عتاة القتلة والمجرمين!

كانت محاضر المباحث في السابق تجتهد في تلفيق التهم وانتحال الأدلة، لمساعدة قاضي الجوْر في إصدار الأحكام المطلوبة، وإن تعذر ذلك أحيلت القضية إلى القضاء العسكري الذي لا يُسأل عما يفعل؛ أما الآن فقد انتقل الأمر من العسكرة إلى المسخرة، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات ومعانٍ، ولو أخذنا القضية الأخيرة التي أُيِّد الحكم فيها على اثني عشر شخصا بالإعدام وأحكام متفاوتة على آخرين، سنرى عجبًا لا يصدقه عاقل لكنه الواقع، وعلى سبيل المثال:

من جملة المشمولين بحكم الإعدام مصطفى عبد الحي (40 عاما)، ومحمد عبد الحي (30 عاما) وهما ابنا الدكتور عبد الحي الفرماوي -رحمه الله- رئيس قسم التفسير في جامعة الأزهر وأحد أعلام الدعوة والتربية في مصر، حيث اعتقلا في منتصف شهر يوليو/تموز 2013 بعد واقعة شهيرة تناولتها وسائل الإعلام في حينها، حيث تدخل الشقيقان لفض اشتباك بين بعض المعتصمين في رابعة، وشابٍ ارتابوا في أنه يعمل لصالح الشرطة، وأفلحا في تخليصه من بين أيديهم، فتم القبض عليهما بعد هذه الواقعة، أي قبل فض رابعة بأسابيع، ووجِّهت لهما تهمة تعذيب هذا الشاب وضربه، وهو ما نفاه الشاب نفسه أمام القاضي، وقال “بل هم من أنقذوني”، ومع ذلك أُدرجت أسماؤهم في قضية رابعة وحكم عليها بالإعدام!

والأمر نفسه حدث مع متهم آخر يدعى أحمد فاروق اعتقل في 15 يوليو أي قبل فض رابعة بشهر، وأحضر محاميه ما يدل على أنه كان في سجن العقرب، ومع ذلك لم يلتفت القاضي إلى دليل البراءة الرسمي الصادر من مصلحة السجون وحكم عليه بالإعدام أيضا!

وبدلا من أن يقول القاضي: لا فض فوك يا عصام، حكم عليه بالسجن المؤبد!

وثالثة الأثافي واقعة بلغت حد التواتر، وكانت حديث كل وسائل الإعلام، وهي خبر اعتقال الصحفي والبرلماني عصام سلطان نائب رئيس حزب الوسط، الذي اعتقل في 29 يوليو 2013 أي قبل مذبحة فض رابعة بأسبوعين، وواجه القاضي بذلك في مقطع مرئي متداول بكثرة، ولم يستطع القاضي أن يرد عليه عندما قال له: أنا كنت في السجن كما هو مثبت، فهل أنا فضيت -أي الاعتصام- أم اتفضيت؟!

وبدلا من أن يقول القاضي: لا فض فوك يا عصام، حكم عليه بالسجن المؤبد!

هذه ثلاث وقائع في حكم واحد ظهرت للسطح مع تأييد الحكم، لكن ما يعلمه القاصي والداني، وما يعرفه العدو قبل الصديق، أن الفتاة أسماء البلتاجي أيقونة شهداء رابعة يُحاكم والدها الدكتور محمد البلتاجي بتهمة فض رابعة وقتل من فيها!

ولا تخطئ عين الناظر في أسماء المحكوم عليهم بالإعدام خيط الانتقاء والانتقام من رموز ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، لا سيَّما الذين آزروا الثورة من بدايتها واستمر نضالهم في مقاومة الانقلاب، أمثال الدكتور البلتاجي والدكتور صفوت حجازي.

لكن الأيام دول والدول أيام، وقاضي الأرض سيقف يومًا أمام قاضي السماء، وعند الله تجتمع الخصوم.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة