لماذا يستهدفون وزير الداخلية التركي؟!

وزير الداخلية التركي
وزير الداخلية التركي

لايزال الجدل محتدما داخل تركيا على كافة المستويات سياسيا وإعلاميا وشعبيا جراء التسجيلات المصورة التي يبثها سادات بكر أكبر زعماء المافيا التركية من مقر إقامته بالإمارات، موجها من خلالها اتهامات بالفساد لعدد من السياسيين السابقين والمسؤولين المنتمين إلى الحكومة، وفي مقدمتهم وزير الداخلية سليمان صويلو، الذي خصه بالكثير من عمليات الفساد، في محاولة لتأكيد فرضية وجود تشابكات بين المسؤولين السياسيين وبين قيادات عالم الجريمة الموازي في أنقرة.

تلك الفرضية التي انتشرت في التسعينيات من القرن الماضي مع تزايد جرائم اختفاء واغتيال عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية المؤثرة في المجتمع التركي مثل حادثة اغتيال الصحفي المعارض أوغور مومجو عام 1993، والصحفي كوتلو أدالي الذي اغتيل عام 1996، وهي العلاقة التي عُرفت إعلاميا منذ ذلك الوقت بمصطلح” الدولة العميقة” التي شاع إنها من يحكم الدولة فعليا، حتى ذهب البعض إلى الحديث عن أن تلك الدولة العميقة هي التي تحرك السياسيين الأتراك وتوجه قراراتهم الداخلية والخارجية.

من هو سادات بكر؟!

وسادات بكر لمن لا يعرف هو أحد أهم وأبرز وجوه المافيا في تركيا، رجل قارب عمره على الخمسين عاما، قضى 10 أعوام منها في السجن باتهامات متعددة، بدءا من عام 1990، منها تهمة تأسيس منظمة إجرامية مخالفة للقانون، ومرورا بجرائم توجيه تهديدات بالقتل لشخصيات عامة، وانتهاء بقضية أركنجون الشهيرة، المتهم فيها عدد من قيادات الجيش والشرطة المتقاعدين، الذين وجه لهم الادعاء المسؤولية عن العديد من عمليات الاغتيال والإخفاء للشخصيات التي لا تنصاع لأوامرهم، وحبس بسببها بكر من عام 2010 حتى عام 2014.

ورغم عدم تقديمه لأي أدلة تعضد الاتهامات التي وجهها للمسؤولين السابقين أو الحاليين، الذي نفوا اتهاماته، واصفين إياها بـ ” الأكاذيب المثيرة للاشمئزاز، وبأنها مؤامرة تحاك ضد البلاد”، إلا أن أحزاب المعارضة سرعان ما قامت بتوظيف تسجيلات رجل المافيا دون تدقيق أو تمحيص، في المطالبة بإقالة وزير الداخلية من منصبه، أو الضغط عليه لتقديم استقالته، لإفساح المجال  أمام القضاء للتحقيق في ادعاءات بكر، وتفنيد اتهاماته بحجة قطع الشك باليقين، بل وذهب بعضهم إلى المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة على وقع تفاصيل الجرائم التي ساقها الرجل، واعتبارها دليل على عدم مصداقية الحكومة أو أمانتها في حكم البلاد والعباد.

ومع توالي التسجيلات التي ينشرها بكر ارتفع سقف مطالب المعارضة التي طرحت فكرة تغيير النظام الرئاسي الذي أثبت فشله –وفق وجهة نظرهم– خلال السنوات الأربع الماضية، والمطالبة بالعودة إلى النظام البرلماني الذي حكم تركيا منذ إعلان الجمهورية عام 1923.

مواقف غريبة لحلفاء الأمس

وإذا كان من الممكن بل ومن المقبول تفهم دوافع زعماء أحزاب مثل الشعب الجمهوري، والجيد، والشعوب الديمقراطي، إلا أن موقف كل من أحمد داود أوغلو زعيم حزب المستقبل، وعلي باباجان زعيم حزب الديمقراطية والتقدم، الخارجان من رحم حزب العدالة والتنمية يبدو غريبا بل ومثيرا للدهشة، إذ غرد داود أوغلو عبر تطبيق تويتر قائلا:” عصابات التسعينيات لا يمكن أن تحكم تركيا”، بينما كتب باباجان:” العلاقات بين الدولة والسياسة والمافيا كانت متشابكة جدا في التسعينيات، وتكرار هذه الأحداث بعد أربع عقود أمر يبعث على الحزن والأسى”، إذ تجاهل الرجلان أنهما كانا أحد أركان السلطة في تركيا فترة التسعينيات المشار إليها، حيث كان الأول مسؤولا عن ملف العلاقات الخارجية، فيما كان الثاني مسؤولا عن ملف الاقتصاد.

وبغض النظر عن مواقف أحزاب المعارضة، إلا أن هناك العديد من الأسئلة التي كان يجب عليهم طرحها قبل قبول هذه الاتهامات والمشاركة في نشرها وتوظيفها لإثارة الجماهير ضد حزب أثبت نجاحه في إدارة شؤون الدولة، ومواجهة الأزمات التي مرت بها البلاد على مدى ما يقارب العشرين عاما.

فلم يتناول أحد الأسباب والدوافع التي دعت سادات بكر للقيام ببث هذه الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد مرور عام كامل على هروبه من تركيا، وتركيزه في جميع تسجيلاته تقريبا لاستهداف وزير الداخلية سليمان صويلو، واختياره لهذا التوقيت على وجه التحديد لنشر تسجيلاته، الذي يتزامن مع بدء التحضرات الحزبية للانتخابات المقررة منتصف 2023، إلى جانب اختياره للإمارات المعروفة بعدائها للنظام السياسي في تركيا لبث سمومه من على أراضيها. وهي التساؤلات التي يمكن أن تقود أجوبتها إلى كشف الحقيقة دون زيف أو مواربة.

لماذا هذا التوقيت؟

فسادات بكر الذي ظل هاربا لمدة عام كامل خارج الأراضي التركية، ولم يسمع أحد له صوتا، يقرر فجأة بث تسجيلات مصورة ويشن حملة تشويه كاملة مستغلا عدد من الحوادث التي وقعت في الماضي، ويضيف إليها من جانبه بعضا من التفاصيل الوهمية، ويزج فيها بأسماء مسؤولين ينتمون في جملتهم لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بهدف تشويه صورة النظام الحاكم، والإضرار بسمعة الرئيس أردوغان والسياسيين الذين يعملون معه، متباهيا بأنه يقوم بذلك من داخل دولة الإمارات. وهذه دون شك سقطة تثبت أن نوايا الرجل غير سليمة.

فالحديث عن مصلحة الوطن؛ وكشف المستور برفع الغطاء عن عمليات فساد لمسؤولين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم من داخل دولة معروفة بعدائها لذلك الوطن؛ وتكن لنظامه الكراهية؛ بل وتتربص به.

أما أحزاب المعارضة التي استغلت تلك الادعاءات لإثارة غضب القاعدة الشعبية الموالية لحزب العدالة والتنمية، وذرع بذور الشك في مصداقية قياداته، بعد أن نجحت من قبل في إحداث انقسام داخلي سياسي هز الحزب، وتمخض عنه خروج بعض رموزه الذين شكلوا أحزابا جديدة أصبحت تنافس العدالة والتنمية على الساحة مما يعني تفتيت كتلته الانتخابية بين الأحزاب الثلاثة، وهو ما يضمن لهم عدم انفراده بالسلطة مجددا حسب اعتقادهم.

لماذا وزير الداخلية؟

أما التركيز على استهداف شخص وزير الداخلية سليمان صويلو فيعود إلى عدة أسباب، منها: أن الرجل هو الوحيد بين رموز العدالة والتنمية الذي يتمتع بمصداقية مطلقة، وشعبية كبيرة بين أطياف الشعب التركي على اختلاف انتماءاتهم الأيدولوجية وتوجهاتهم السياسية، تلك الشعبية التي تقارب أو تكاد أن تقارب، شعبية الرئيس أردوغان شخصيا.

كما أنه من أقوى المسؤولين الذين واجهوا التنظيمات الانفصالية؛ مثل: حزب العمال الكردستاني وداعش وجماعة فتح الله غولان، ووجه لها ضربات أمنية وعسكرية موجعة أدت إلى اضعافها وفقدان قدرتها على مواصلة العمل المسلح ضد الدولة التركية، وهو الأمر الذي أزعج الأطراف الداعمة لتلك التنظيمات سواء داخليا أو خارجيا، ليصبح الحل الأمثل استدعاء شخص مثل سادات بكر وحثه على تشويه سمعة وزير الداخلية، ولا مانع من تشويه عدد آخر من السياسيين، ووضع الجميع في سلة الفساد، فذلك من شأنه تشويش المواطنين، وزيادة حنقهم وغضبهم على الحكومة نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعصف بالبلاد منذ بدء جائحة كورونا، وزيادة أعددا العاطلين عن العمل، وعجز الحكومة النسبي عن تقديم الدعم اللازم لمن فقدوا وظائفهم أو توقفت أعمالهم جراء ذلك.

سمعة صويلو النظيفة، وقوته داخل حزب العدالة والتنمية التي لا ينافسه فيها أحد، ووقوفه إلى جوار كل من يحتاج مساعدته على المستوى الشعبي جعلته الشخص الأقدر داخل حزب العدالة والتنمية على خلافة الرئيس أردوغان، وحمل لواء مشروعه السياسي، مما يعني أن استمرار نموذج الإسلام السياسي الحاكم في تركيا سيظل قائما طالما بقي الرجل وبقيت سمعته، وهو ما لن يقبل به من وظفوا سادات بكر، الذين سيسعون حتما إلى اختلاق أزمة جديدة لتعويض خسارتهم هذه المرة أيضا ولتحقيق هدفهم الذين فشلوا حتى الآن في الوصول إليه.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة