فصول من رحلتي إلى اليمن السعيد (4): حكايتي مع الصحف والقبيلة!

عبد العزيز المقالح
عبد العزيز المقالح

من دروس الغربة أن الانتماء متعدّد ومفتوح، تسير إلى غربتك وفيك عصبية لقطرك، فتضمّك الغربة في حضن الأوطان المفتوحة.

تسير إلى غربتك وأنت متعطّر بعطر انتمائك السياسي، فتغسلك الغربة بماء ورد الانتماء الواسع.

تسير إلى غربتك وأنت متسربل في ثقافتك الضيّقة، فتستقبلك الغربة بمآدب الثقافة المتعدّدة.

تسير إلى غربتك بأوجاع وآلام ذاتك، فتُدخلك الغربة إلى جِراح الإنسانية الدامية.

تسير إلى غربتك بطعم القهر والظلم، فتدثّرك الغربة بدِثار الحرية والكرامة.

آه كم فيك من دروس يا غربتي!

بعدها تواصلت مع صحيفة الوحدوي لسان التنظيم الناصري، وسلّمتهم مقالا، ولم يسألوني عن أصلي ولا فصلي، وتعاملوا مع المقال وليس مع صاحبه

دخلت إلى صنعاء بعقلية مفتوحة، وقلب ينبض حبّا للقيم والإنسان وللعروبة والإسلام. علًمتني بيروت أن الدّين قيم وأخلاق تعاش بين الناس، وأن الحقيقة تتوزّع بيننا، وكل له نصيب منها، والتعصّب هو الذي يحجب رؤية أجزاء الحقيقة عند الآخر، فنعجز عن إدراك كنه الحقيقة، ولا نستطيع تركيب صورتها، لأننا غفلنا عن قطعة منها عند الآخر، وكابرنا في ذلك.

لذلك خضت في صنعاء غمار الانفتاح على الآخر كما هو، وليس كما أراه أنا. وأثناء التجربة تعتدل نفسي، وتُصقل من جديد.

قبل مغادرتي بيروت، تواصلت مع صحيفة الأمان، وأبلغتهم بأنني مسافر إلى اليمن، وطرحت عليهم إمكانية التعاون معهم بتغطية بعض أخباره، وحصلت على بطاقة مراسل منهم.

تكوّنت لدي خريطة أوّلية حول الصّحف الرسمية والحزبية والأهلية، ودقّقت في توجهاتها، وأعلامها، وخطوط تحريرها. وشرعت بالكتابة في الشؤون العربية العامة، وسلّمت بعض المقالات إلى بعض الصحف الأسبوعية الحزبية وغيرها. وحاولت طرق باب الصحف الحزبية أولا ظنا مني أنه بإمكاني التعريف بحالة القمع في تونس، وذاك كان همّي مع همّ الرزق، وتطوير المهارات، وربط العلاقات. وبدأت بصحيفة (الصحوة) لسان حال حزب التجمّع اليمني للإصلاح، إلا أن عقلية تزكية الكاتب تهيمن على المضمون، ولم أسع سعيا كبيرا في الحصول على مثل هذه التزكيات، ولكنّني حاولت معهم وسلمتهم تقريبا مقالين لم يتم نشرهما ولم أحظ برد من إدارة التحرير، فعلمت بعدها بأن أبوابهم مغلّقة عليهم.

بعدها تواصلت مع صحيفة الوحدوي لسان التنظيم الناصري، وسلّمتهم مقالا، ولم يسألوني عن أصلي ولا فصلي، وتعاملوا مع المقال وليس مع صاحبه، وفوجئت بنشره في عدد الأسبوع، وتوطّدت العلاقة معهم وكان لي مقالا أسبوعيا ثابتا عندهم، أحيانًا بدون اسم وأحيانا أخرى تحت اسم مستعار. وكانت قضية قمع النظام التونسي حاضرة في الصحيفة مما سبّب لهم بعض الاحراجات مع السلطات اليمنية، ولم يخبرونِي بذلك أبدا عدا مرة في حديث عارض سمعته من الأستاذ عبد الملك المخلافي بعد اجتماع لوزراء الداخلية العرب في تونس، ذكر فيه احتجاج السلطات التونسية على صحيفة الوحدوي. ولم أكن مفرطا لا في النقد ولا في عدد المقالات حول تونس، وكنت أدرك الإحراجات التي تتعرّض لها الصحف عموما.

تواصلت أيضا مع صحيفة البلاغ، التي أسّسها الشيخ ابراهيم الوزير. وعائلة الوزير من العائلات العلمية التي لها مكانة علمية في اليمن. وكان لصحيفة البلاغ علاقة مفتوحة مع السلطات الليبية. عرضت على رئيس التحرير أن أنضم إلى موظفي الصحيفة فقَبِل بعد قراءة مقالاتي، وبدأت أداوم يوميا من بعد صلاة العصر في صحيفة البلاغ. وكان الأستاذ عبد الله الوزير رئيس التحرير ذكيا وعمليا، وخلوقا ومتعاونا.

وأصبحت نائبه في الصحيفة، وكنت أقوم بتحرير واختيار ما يقارب من نصف مواد الصحيفة أحيانًا. وكان لي ركن ثابت أسميته وجهة نظر، وهو مخصص للقضايا العربية والإسلامية ومحوره الأساسي. كان الموظف في الأرشيف من أصول صومالية أو إريترية فقد نسيت الآن، وذكر لي مرة بأن رئيس التحرير كان يرسل ما أحبّره أسبوعيا في زاوية وجهة نظر إلى ليبيا أو إلى السفارة الليبية، وذلك القول هو الذي جعلني أشير إلى العلاقة المفتوحة بين الصحيفة والسلطات الليبية وقتها.

صدرت صحيفة البلاغ الأهلية اليمنية في أواخر عام 1990 بصنعاء. وصاحب الامتياز هو الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الوزير عضو الهيئة الاستشارية لرابطة علماء اليمن. أنشأها لتكون ناطقة باسم حزب العمل الإسلامي الذي شكّله، ثم تحوّلت إلى صحيفة مستقلة بعد تجميد الحزب. وأسّس الشيخ إبراهيم الوزير المركز الإسلامي للدراسات والبحوث، والمركز اليمني للإرشاد والتوعية، وكان إماما وخطيبا لمسجد شمسان.

كانت صحيفة البلاغ حريصة على أن لا تشطط في نقدها للسلطات، ولكن لا تخلو كل أعدادها من النقد، ويدقّقون في كل ما يُنشر، وإذا كان رئيس التحرير في سفر خارج البلاد، كان شقيقه المحامي يلازم الصحيفة ولا يتم إرسال الصحيفة إلى المطبعة إلا بعد تدقيقه لها.

قرأت ذات مرة في إحدى الصحف المحلية خبر اعتداء بالفاحشة على قصًر، فأخذتني حميّة رجل التعليم، الذي لا يقبل أن يرى ظلما على الناشئة ويكتفي بالصمت، فنقلت الخبر في صحيفة البلاغ باعتباره جريمة في حق الناشئة يرفضها الدّين والقانون. ولم أتوقع ردات الفعل، خاصة أننا لم نذكر الأسماء أو الجهة، وكان الخبر في الصفحة الأولى، وصادف أن نُشر الخبر في غياب رئيس التحرير، ولم ينتبه له شقيقه المحامي.

في يوم صدور العدد تواصل معي الشيخ إبراهيم الوزير ودعاني إلى بيته، وعلى ما أذكر بيته في قلب مدينة صنعاء ومحاذيا لبعض الدوائر الحكومية. ذهبت إليه ورأيت رفاهية في بناء البيت، دخلت وسألني عن الخبر؟ عن مصادرنا؟ وهل قدّرنا عواقب نشره؟ لم أكن أتصوّر أن ذلك الخبر سيثير اهتمام الشيخ وتكون له خشية ما، أعلمته بقصة الخبر وقلت له إذا تواصل بنا البعض نمنحهم حق الرد الكامل، في الصفحة الأولى وبالحجم نفسه.

لم يطل الزمن ومن غد رنّ الهاتف وسألوا عن رئيس التحرير فقلت لهم في سفر، وسألوني عن الخبر، فقلت لهم الأفضل أن يزورونا في الصحيفة ونمنحهم الحق الكامل في الرد. أتوا إلى الصحيفة ولم أخبرهم بأنني هو من صاغه، ولكن قدّمت نفسي باعتباري نائب رئيس التحرير، وجاريتهم قليلا وقلت لهم هو تقصير منا، وتفضلوا اكتبوا ما تريدون كتابته وفي أول عدد يصدر تجدون فيه ما يرضيكم، فنزل عليهم كلامي بردا وسلاما. وأدركت وقتها ما معنى المجتمع القبلي والحميّة القبلية.

وفي موضوع الحميّة القبلية، يتندّر أصحابنا وقيل إنها حادثة حقيقة، كان مدرس مصري يشتغل في أحد المدارس، وذات يوم نشب خلاف بين قبليين فكانت طلقة طائشة ألقت المدرّس المصري المسكين قتيلا، فطالبت القبيلة التي يشتغل فيها بثأره، والثأر الذي طلبوه هو قتل مدرّس مصري يشتغل في القبيلة الثانية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن الذين ربطتني بهم علاقة أيضا الصحفي محمد المقالح، وهو من الأقلام الصحفية البارزة وقتها

كانت اليمن ولا تزال تزخر بطاقات شبابية بدأت تشق طريقها نحو الفعل والتأثير في المجال السياسي والعام، تواصلنا معهم في تلك الفترة، وربطتنا بالبعض علاقات طيبة:

1. من الوجوه الفكرية والسياسية الصاعدة في تلك الفترة في المجال الإعلامي والبحوث والدراسات والذين سُعدت بالحضور في بعض مجالسهم الدكتور فارس السقاف، وهو رجل مثقّف، وله تنظيرات في المجال السياسي الإسلامي معتبرة، ولكن لم تسعه الأحزاب، فأنشأ مركز دراسات المستقبل وبدأ بإنشاء دورية.

2. ومن الشخصيات الأخرى التي فرضت نفسها على الساحة الإعلامية القيادي السابق في التجمع اليمني للإصلاح الأستاذ نصر طه مصطفى، رئيس المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية. وكان رئيس التحرير أو ما يشابه ذلك في صحيفة الصحوة، وسمعنا أنه انضم إلى المؤتمر الشعبي العام لاحقا. وقد تولي رئاسة وكالة الأنباء اليمنية سبأ، وكان مستشارا لرئيس الجمهورية اليمنية للشئون الإعلامية والثقافية ووزيرا للإعلام لاحقا.

3. ومن الذين ربطتني بهم علاقة أيضا الصحفي محمد المقالح، وهو من الأقلام الصحفية البارزة وقتها، وعبره تعرّفت على عبد الكريم الخيواني رئيس تحرير صحيفة الأمة الناطقة باسم حزب الحق، الذي تأسس عام 1990 وكان القاضي أحمد محمد الشامي أمينا عاما للحزب، ومن مؤسسي الحزب أيضا بدر الدين الحوثي والد عبد الملك الحوتي. أذكر أنني زرت الأستاذ محمد المقالح في بيته، إبان عضويته للجنة المستقلة للانتخابات، وتحدّثنا عن تجربته فيها. وقد حدّثني أنه تابع مقالاتي في صحيفة الوحدوي، وكان ينشر فيها هو أيضا بعض المقالات أحيانًا، وذكر لي بأنه استنتج أن من يكتبها من أبناء التيار الإسلامي وليس صاحب توجهات قومية أو يسارية، وهذا الانكشاف الثاني!

4. ومن الشخصيات الإعلامية والحقوقية التي زرتها الأستاذ أحمد الصوفي وهو كاتب و مفكر وسياسي و مؤسس المعهد اليمني لتنمية الديمقراطية أنداك، ثم سمعت أن تولي مهمة سكرتير رئيس الجمهورية ورئيس المؤتمر الشعبي العام السابق عضو الأمانة العامة. كان شخصية جدلية، وذلك لطبيعة جهده الحقوقي وما يتطلّبه من تواصل مع الجهات الخارجية، وخاصة السفارات. ومما قيل وقتها إن له علاقة جيدة مع السفارة الأمريكية. وكل من يدخل في المجال الحقوقي، إلا وتطاله مثل هذه التهم. ومما لامسته أنه شخصية ذكية، منظمة ويعرف ماذا يريد.

تعرّفت على دورية النور الأسبوعية التي تصدر عن مؤسسة الخوئي في لندن في بيروت، وكانت من الدوريات غير المغالية في جانبها الطائفي، وهي جامعة، ولم تكن عندهم حواجز معرفية في التعامل معهم. تواصلت معهم وبدأت أنشر عندهم بعض المقالات في المجال الثقافي والفكري العام، ثم اعتمدت كمراسل لهم في صنعاء. ونشرت عندهم بعض المقالات حول الرواية التونسية، وحول الزيدية وغيرها. ونظّمت الدورية مسابقة لا أتذكّر مناسبتها الآن ولكن كان بعض الفائزين فيها من اليمن وكنت وسيطا بينهم في تسليم الجوائز التي كانت مادية.

أيضا سعيت بالتنسيق مع الأخ عبد الحفيظ إلى إدخال دورية إسلامية المعرفة عن طريق علاقته بالدكتور محمد الطاهر الميساوي في ماليزيا. وقد ربطت علاقة جيدة مع موزّع الصحف الدولية، وعن طريقه تسلّمنا تقريبا عدد أو عددين، فكنت أقوم مبكرا لأصادف توقيت وصول الصحف والدوريات إلى مقره من المطار، وقبل ما يتم توزيعها كنت آخذ منه ما احتاجه، فقد كان متعاونا، وحاولت تذكّر اسمه إلا أن الذاكرة لم تسعف بذكره بعد. وسعيت إلى إدخال أسبوعية الأمان اللبنانية وغيرها من الصحف والدوريات إلى اليمن ولكن النجاح على هذه الجبهة لم يكن مرضيا.

ومن الشخصيات الوازنة في اليمن التي كانت لي معها حوارات صحفية أو تواصل لأسباب مختلفة:

1. الأستاذ محمد اليدومي الأمين العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح: أجريت معه حوارا صحفيا. يحمل الأستاذ محمد خلفية أمنية فقد تم  تعيينه عام 1973 ضابطًا في الأمن العام، ثم ضابطًا في الأمن السياسي، وتولّي مناصب رفيعة فيه، وترقى عسكريًا إلى رتبة عقيد في الشرطة. وتروي سيرته الذاتية أنه جمّد عمله في الأمن السياسي، وأسّس عام 1985 الصحوة الأسبوعية لسان حال حزب التجمع اليمني للإصلاح، وتولي رئاسة تحريرها إلى عام 1994 حيث انتخب أمينًا عامًا مساعدًا لحزب التجمع ثم انتخب أمينًا عامًا لأكثر من دورة. زرته في مقر الأمانة العام باعتباري مراسلا لصحيفة الأمان لسان حال الجماعة الإسلامية في لبنان الذي كان يقودها المستشار القاضي فيصل المولوي رحمه الله تعالى. كنت أسأل نفسي كيف سيكون استقبالي، هل بعقلية الأمني أو بعقلية الإسلامي أو السياسي. وللتاريخ والحقيقة فقد كان مرحبا بي، وصاحب لباقة، ومنظَّما بشكل جيد، وتدرك ذلك من خلال ترتيب مكتبه، وطريقة حديثه، وبنية أقواله وجوابه، فأدركت أنه صاحب قدرة إدارية متميّزة، ومنحته العقلية والخبرة الأمنية حنكة ومعرفة بشؤون الدولة وحاجياتها في أدق تفاصيلها. وكانت قيادة محمد اليدومي من قوة حزب التجمع في تقديري الشخصي.

2. حرصت على مقابلة الأستاذ عبد الوهاب الآنسي عندما كان نائبا لرئيس مجلس الوزراء في الحكومة الائتلافية. وكان ذلك عبر ابنه إبراهيم الذي تعرّفت عليه من خلال إشرافه على محل مكتبة تحت ملكيتهم، وهي غير بعيدة على ما أذكر من البيت. وكانت غاية مقابلتي هي المساعدة على تسجيل زوجتي في كلية الصيدلة لإتمام دراساتها، وذلك للتعاون الكبير بين كلية الصيدلة والمجر، وقد كان عددا كبيرا من زميلاتها وزملائها في المجر يدرسون سنتين ثم ينتقلون إلى صنعاء، وباعتبار جنسيتها الفلسطينية فلا إشكالات قانونية ولكننا جُبهنا بالبيروقراطية المبالغ فيها. وقدمت أكثر من مرة إلى بيته، إلا أن مشاغله منعت من ملاقاته في الأوقات التي حللت فيها بديوان منزله.

3. وأتذكّر الجهد الكبير الذي بذله معنا المرحوم الدكتور طارق سنان أبو لحوم عضو مجلس إدارة الصندوق الاجتماعي للتنمية ورائداً من رواد الخير والعطاء في اليمن. والدكتور طارق رحمه من الشخصيات الإسلامية الكبيرة، وله تاريخ حافل في العطاء والنضال، وقد سجن لعام في القاهرة مع قيادات الثورة أيام عبد الناصر. درس الطب في فرنسا، وساهم بإنشاء كلية الطب في صنعاء، وبتأسيس العديد من المرافق الخيرية وخاصة في المجال الصحي والتعليمي وأبرزها جامعة العلوم والتكنولوجيا، وأشرف على حملات خيرية على المستويين الإسلامي والعالمي. وكان أكثر الشخصيات اليمنية التي تقابلت معها، وتحسّ معه بهمّة عالية، وخلق جميل، وتواضع كريم. رحمه الله فمناقبه لا تحصى ولا تعد.

4. الشاعر عبد الله البردوني: رتّب لي صديق من صحيفة الوحدوي لقاء معه، أخبرني بالتاريخ والساعة والعنوان. اتجهت إلى بيته في شقة متواضعة في أحد أحياء صنعاء، طرقت الباب ففتح مرافقه، دخلت فوجدت الشاعر عبد الله البردوني في انتظاري وهو جالس على أريكة متواضعة، تشير إلى وضعيته الاجتماعية، وكل ما في البيت يدل على أن الفارق بيني وبينه على هذه الجبهة لا تتعدى بعض الخطوات. وكل ملامح البردوني تتحدث عن معاناته ومعاناة اليمن. لا يعير اهتماما لشعره المميز الذي بدأ اللون الرمادي يكتسح كلّه، وخصلات شعره تشير إلى تعرّجات حياته، ورغم ذلك لا تفارقه الطرفة، ففي كل حواراته حتى تلك المباشرة على شاشات التلفزيون، ينكش محاوره من خلالها، وله ضحكة مميزة، تحكي رغبته في الحياة رغم معاناته. فوجئت بذاكرته الحديدية، وثقافته الواسعة، وتجذّره في الثقافة اليمنية التي يحمل رسالتها. وله قدرة مميزة على الجمع بين الثقافة والسياسة، وقد قدّر لي الحصول كل دواوينه وصاحبتني إلى قبيل سفري إلى النرويج، حيث سلّمتها إلى ابن عمي عبد الله ثابت المقيم في ألمانيا، وأظنها ما تزال تزيّن مكتبته!.

مرت الأشهر الأولى من إقامتنا في اليمن بعسر ملحوظ، فتأخّر المرتّبات، وصعوبة وجود دخل إضافي في البداية

حصلنا على توقيع رئيس الجامعة الدكتور عبد العزيز المقالح، وكتب عليها (لا مانع حسب التراتيب المعمولة) وظننا أن عقدة التسجيل حلّت، ولم ننتبه إلى أن تلك العبارة هي العقدة! رابطتْ هي في كلية الصيدلة، وسعت من خلال بعض زميلاتها، إلا أن الحظ لم يسعفنا، وقربنا من الشعور باليأس، إذ بخبر صاعق حلّ بكلية الصيدلة، يقول الخبر إنه تمّ اكتشاف أن المشرف على مشرحة الكلية وهو سوداني، قام على مدى سنوات عديدة بجرائم اختطاف شابات وتم تقطيعهن في المشرحة، فصعقت كل الكلية وكل من سمع بالخبر، ووجدت فيه ما أواسيها به، فقلت لها: انظري إلى رحمة الله بك وبي، بأن تعثّر ملفك حتى اكتشف مستور هذا المجرم، فاحمدي الله ورضيت بقدرها.

مرت الأشهر الأولى من إقامتنا في اليمن بعسر ملحوظ، فتأخّر المرتّبات، وصعوبة وجود دخل إضافي في البداية، دفعنا إلى أن نتكيّف بصعوبة معها. وقد اضطررنا إلى تأجير ثلاثة بيوت حتى يستقرّ بنا المقام. ونتذكّر أن في البيت الأول لم تكن قاعة الغرفة مكتملة (غير مبلّطة)، فكنا نفرش على التراب. أما البيت الثاني فكنا نعاني معاناة كبيرة يصعب وصفها من المصارف الصحية! وكان يفصلنا عن جيراننا أصحاب البيت شباك حديدي وضعنا من ناحيتنا ساتر من القماش. وذكّرتني الزوجة بأننا اشترينا مرة ربع كيلو لحم، فدخلت قطة الجيران من الشباك وأخذت كيس اللحم إلى ناحية جارنا وبدأت تأكل قطعة اللحم وزوجتي تنظر إليها ولم تستطع فعل أي شيء عدا قولها: كلي اللحم واتركي لنا الكيس على الأقل!

زارني في فترة الغداء أحد الأصدقاء ولم يكن بالبيت إلا علبة فول وبيضة واحدة ادخرناها لغدائنا، فاضطرت المسكينة إلى تجهيزهم ليكون مأدبة ضيافة الزائر. رغم ذلك كنا نحمد الله، وكانت ثقتنا برحمته ولطفه بنا لا تفارقنا وذلك من فضل الله علينا، ونشهد الله عندما يحكم الضيق والعنت الخناق علينا، يأتي الفرج من حيث لا نحتسب والحمدلله رب العالمين.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة