انتهاك القانون الدولي الإنساني!

عمل فني نحتي يصور بينوشيه ورؤساء مقطوعي الرأس في متحف الفن المعاصر في سانتياغو
عمل فني نحتي يصور بينوشيه ورؤساء مقطوعي الرأس في متحف الفن المعاصر في سانتياغو

أعترف بأن هذا الموضوع شديد التعقيد والحساسية في نفس الوقت، فالتعقيد ينجم من كثافة آراء فقهاء القانون حول هذا الموضوع وتباين الحجج التي تؤيد كل رأي ووجهاتها في نفس الوقت، أما الحساسية فهي وليدة مفهوم ” السيادة ” الذي أصبح في العديد من الحالات حقاً يراد به باطل.

وتجدر الإشارة إلي أن أهمية طرح هذا الموضوع تتمثل في تقدير مدى خطورة الاستهانة بتطورات النظام الدولي وما يمكن أن يترتب علي ذلك من آثار سلبية علي الأوضاع الداخلية، والتي وصلت في حالات كثيرة إلي التدخل العسكري الدولي مباشرة، ومن المدهش أن نقرأ ونسمع لبعض قادة الرأي سخريتهم من تعليقات بعض المنظمات الدولية أو الدول الأجنبية حول مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان، وتلك خطيئة مزدوجة، لأنها تعني – أولاً-  عدم اهتمام هؤلاء بالبحث الجدي والتحقيق في هذه الانتهاكات، كما أنها تعني -ثانياً -عدم فهم تطورات القانون الدولي الإنساني والأدوات القانونية لإنفاذه، ومنها علي سبيل المثال وليس الحصر المحكمة الجنائية الدولية .

وإذا كان الفرد قد تنازل عن بعض حريته للمجتمع، فهو لم يفعل ذلك طواعية إلا للحصول على حرية أكبر

النظر لهذا الموضوع ليس قانونياً فحسب كما درج المفكرون على تناوله، فأبعاده السياسية والاجتماعية أشد خطورة من قواعد فقهية متسلسلة المنطق، فإذا تأملنا مثلاً في فكرة الديمقراطية التي تعني في أبسط تعريف لها حكم الشعب بالشعب ولمصلحته، فإن ذلك يفضي منطقياً إلى أن الدولة بكل أجهزتها ليست سوي تعبير تنظيمي لحكم الشعب، وهذا الشعب ليس كتلة مطلقة صماء، وإنما يتكون من أفراد، وبالتالي فإن لكل فرد نصيب من هذا الحكم، يمنحه حقوقاً ويحمله بواجبات.

وإذا كان الفرد قد تنازل عن بعض حريته للمجتمع، فهو لم يفعل ذلك طواعية إلا للحصول على حرية أكبر بضمانات محددة، وتلك هي صيغة العقد الاجتماعي، وروح هذا العقد لا تنفي خصوصية الفرد كفرد، أو تلاشيه في كتلة المجموع، كما أن القدر الذي تنازل عنه من حريته ليس إلا ذلك القدر المحدود الذي يتيح تنظيم الحريات العامة للمجتمع ككل.

فالدولة في النهاية هي جماع مصالح المجتمع ككل ولكل فرد من أفراده، فما هو الحال إذا اعتدت الدولة أو أحد أجهزتها علي مصلحة قانونية للفرد؟
وإذا افترضنا عجز القوانين المحلية عن استعادة حقوقه أو تعويضه، فهل يمكن أن يجد الفرد حمايته في القانون الدولي؟، أو بمعني آخر هل يمكن للفرد أن يكتسب الشخصية الدولية INTERNATIONAL   PERSONALITY التي تتيح له اللجوء إلي واحدة من آليات حل النزاعات الدولية؟

يرفض جانب كبير من الفقه الدولي ذلك بشكل قاطع، على أساس أنه طالما أن المجتمع الدولي لا يزال يتكون من دول، فإنها وحدها التي تتمتع بالشخصية الدولية، وإن القول بغير ذلك يعني سيادة نوع من الفوضى على المستوي العالمي.

إلا أن الواقع الدولي يكشف أن القانون الدولي يضع علي عاتق الفرد مثل الدولة تماماً العديد من الواجبات والمسئوليات، ويمكن أن نشير هنا مثلاً إلي محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، ففيها نشأت المسؤولية الدولية لأفراد عن جرائم الحرب باعتبارها خرقاً للقانون الدولي، ولقد حاول المحامون تبرئة المتهمين بحجة أن الدولة الألمانية هي وحدها – كونها شخص من أشخاص القانون الدولي- تتحمل تلك المسئولية، إلا أن المحكمة قررت: ” أن الجرائم المرتكبة بالمخالفة للقانون الدولي قد ارتكبت بواسطة أفراد، وليس بواسطة كيانات مجردة ABSTRACT  ENTITIES، وأنه لوضع قواعد القانون الدولي موضع التنفيذ فلابد من معاقبة هؤلاء الأفراد علي جرائمهم”.

دأب الفقهاء على اعتبار الدول هم أشخاص القانون الدولي، أم الأفراد فهم موضوعه

ومن الواضح في المثال السابق، أن الفرد -شأنه شأن الدولة- يتحمل المسؤولية الدولية، في واجب احترام قواعد القانون الدولي، وهو ما رأيناه أيضاً في محاكمات مجرمي الحرب في البوسنة، وأيضاً في المسؤولية الجنائية للأفراد عن خرقهم لقواعد القانون الدولي الخاصة بالقرصنة أو تجارة الرقيق أو جرائم الحرب.

فإذا كان ذلك قد أصبح بمثابة مبدأ من مبادئ القانون الدولي، ألا يعني ذلك بالقياس إمكانية تمتع الفرد بالحقوق -كشخص دولي- مثل تحمله بالواجبات؟

واقع الأمر أن لدينا أمثلة تجيب على ذلك السؤال بالإيجاب، أبرزها إعلان حقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة، وعهد الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السياسية والمدنية والثقافية والاقتصادية، وكذلك الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، فهذه الوثائق الدولية توفر للفرد مجموعة من الحقوق التي تكسبه باعتراف العالم ثمة شخصية قانونية دولية للمطالبة بهذه الحقوق طبقاً للقانون الدولي.

إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة اكتساب الفرد للشخصية القانونية الدولية، لأن القانون الدولي قد تأسس على الاعتراف فقط للدول بتلك الشخصية، لذلك فقد دأب الفقهاء على اعتبار الدول هم أشخاص القانون الدولي، أم الأفراد فهم موضوعه، فضلاً عن أن مطالبة الفرد بحقوقه يمكنها أن تؤمن من خلال الجهاز القضائي داخل الدولة وطبقاً لقوانينها.

ومع ذلك فإن الانتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان في بعض الدول، تستلزم فقهاً دولياً جديداً لوضع تكييف جديد للشخصية الدولية، خاصة وقد تحول العالم بالفعل إلى قرية صغيرة انحسر فيها مفهوم السيادة إلي حد كبير، ولم يعد لدولة أن تتدعي عزلتها أو تكابر في حقوقها فيما يتعلق بسياستها الداخلية، لأن أولى واجبات الدولة هي حماية حقوق الفرد، ولا ينبغي عليها أن تعترض علي قواعد قانونية اتفاقية تضمن للفرد المزيد من الحماية.

ويكفي أن نعيد للذاكرة مصير بعض القادة الذين توهموا إمكانية الإفلات من العقاب، فلاحقتهم اللعنة حيثما حلوا، ومن ذلك مثلاً ديكتاتور شيلي بينوتشيه الذي حاصرته المطالبات القضائية في إنجلترا وإسبانيا، وكل أركان نظامه الذين تمت محاكمتهم رغم أنهم حرصوا على تحصين مواقعهم وأفعالهم بنصوص قانونية، وهو نفس المصير الذي لاقاه قادة الأرجنتين والبرازيل.

إن صرخة مظلوم واحد في قرية صغيرة معزولة صار يتردد صداها الآن في أرجاء العالم كله، ولن يجد الظالم ملاذاً يحميه من الملاحقة الدولية الجنائية مهما طال الزمن.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة