رحلة المومياوات الملكية.. السادات كان يحرم عرضها للفُرجة!

ما أشبه الليلة بالبارحة، راح هذا الشطر من بيت شعر طرفة بن العبد يدق في رأسي بعنف وأنا أشاهد موكب المومياوات الملكية وهي تغادر المتحف المصري في قلب ميدان التحرير إلى المقر الجديد في متحف الحضارة في مدينة الفسطاط.
أصبح هذا الشطر من الشعر قولا ماثورا عند العامة، لا سيما عندما تتشابه الحوادث،  وتتكرر المواقف، وقد حدث هذا بالضبط معي في حدثين يختصان بالمومياوات الملكية المصرية،  فقد عشت أحداثها مرتين اليوم والأمس، اليوم وقد شاهدها العالم وهي تغادر المتحف المصري في عرض بديع مميز، وبالأمس في سنة 1987 عندما تقرر عرضها لزوار المتحف المصري في شهر أكتوبر في قاعة كبيرة خاصة بها.
في ذلك العام من الثمانينات،  كانت تشرف على الصفحة الثقافية في جريدة صوت العرب المصرية التي توقفت في نهاية الثمانينيات الأستاذة سناء فتح الله الصحفية القديرة بالأخبار وقتها، عندما طلبت مني إعداد تحقيق عن الاستعدادات لعرض المومياوات الملكية في المتحف المصري.

ظهرت اختلافات كثيرة بين أبناء الوطن حول عرض المومياوات من عدمه،  لكن الدكتور أحمد قدري رئيس هيئة الآثار في ذلك الوقت قال إن الرئيس السادات ربما كان على حق

في 13 سبتمبر من سنة 1987 دخلت القاعة الملكية في المتحف المصري،  وشاهدت الاستعدادات ، والتأهب لعرض ال 27 مومياء ملكية في قاعة خاصة في بداية أكتوبر من سنة 1987 بعد أن كان عرضها ممنوعا بناء على قرار شخصي من الرئيس أنور السادات في السبعينيات من القرن الماضي، فكان يرى وفق رأيه أنه من العيب عرض جثث ملوك مصر الأموات للفرجة المتحفية.
كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق في سباق مع الوقت لعرضها في التاريخ المحدد ،  وكان هناك لفيف من خبراء من معهد بول جيتي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية يقومون بإعداد مشروع خاص بالتعاون مع هيئة الآثار المصرية، من أجل إعداد  فترينات خاصة تحتوي على غاز النيتروجين بدرجة نقاء تصل إلى 97% توضع فيه المومياوات،  وهي نسبة كافية لمنع اي نمو بكتيري أو فطري مما يضمن حفظ المومياوات بشكل آمن.
أتذكر من الوجوه المصرية في ذلك الوقت نصري إسكندر خبير الترميم المصري،  ولطفي خالد أحد أشهر مرمى الآثار في مصر الآن،  ومحمود الحلوجي مدير المتحف المصري لاحقا،  إضافة إلى خبراء معهد بول جيتي. من المؤسف أن أشاهد خبراء آثار من العاملين الآن في المتحف المصري،  وهم يتحدثون أمام شاشات التليفزيون في مناسبة نقل المومياوات الملكية،  وهم ينسبون إلى أنفسهم أنهم هم أصحاب نظرية حفظ المومياوات في غاز النيتروجين رغم أنها كانت  قد تقررت في سنة 1987 ربما قبل دراستهم علوم الآثار بسنوات.
في ذلك الوقت ظهرت اختلافات كثيرة بين أبناء الوطن حول عرض المومياوات من عدمه،  لكن الدكتور أحمد قدري رئيس هيئة الآثار في ذلك الوقت قال إن الرئيس السادات ربما كان على حق في قرار الإيقاف،  بالنظر لحرمة الموت عند المصريين ، وربما كذلك للظروف التي ألمت بها من جراء العرض كعمليات التحلل والفطريات وغيرها،  مما كان يستدعي توقف عرضها لفترة،  وعجل في حجب المومياوات إصابة الملك رمسيس بعمليات تحلل مما استدعي سفره إلى باريس للعلاج في سنة 1970.
لم يتفق خبراء الآثار على رأي واحد في حجب المومياوات،  رغم أنهم يعرفون أن البيئة الأمثل هي مقابرهم الأصلية التي لم تصب فيه المومياوات بأي أعراض تحلل طيلة آلاف السنين ، حتى أن مومياء الملك الشهيرتوت عنخ أمون،  مازالت محفوظة في مقبرته الأصلية في وادي الملوك خوفا من تعرضها للتلف البيئي ، وفيما يرى آخرون أن من حق السياح وعشاق الحضارة المصرية الحق في رؤية هذا الجزء من تاريخ الحياة القديمة في مصر،  الذي يصور هذا الفن الرائع لعمليات التحنيط التي يعتبرها البعض إعجازا علميا خارقا،  يتفق الدكتور زاهي حواس خبير الآثار المصرية في أن المكان المناسب للمومياوات هو مقابرهم الأصلية،  أما ولأنهم خرجوا منها الآن،  فلا حرج من عرضهم للرؤية.  خاصة وأن قرار الرئيس السادات في الحجب لم يكن رسميا ، ولم يصدر به قرار جمهوري.
مشاكل مصر الداخلية لا تساعد ربما الدولة في إبراز تاريخها بشكل فعال مقارنة بقطعة أثرية واحدة وهي تمثال رأس نفرتيتي المعروضة في متحف برلين، هذه القطعة هي الأندر في كل متاحف ألمانيا التاريخية بل والعالم،  وهي روح متحف برلين العريق،  ولم تفلح أي محاولة مصرية في استردادها،  وهناك قصة طريفة تجسد تلك الأهمية عندما شددت مصر مطالبتها بالرأس في سنة 1938 ، أمر هتلر ائنذاك مدير متحف برلين بإعادة الرأس إلى مصر،  لكن مدير المتحف كتب إلى هتلر رسالة قصيرة يستمهله ويدعوه إلى إلقاء نظرة على التمثال قبل أن يذهب عائدا إلى مصر، وهو الطلب الذي استجاب له هتلرفعلا، إذ ألقى على التمثال نظرة إعجاب كبيرة،  وظل واقفا مشدوها أمام جمال الملكة نفرتيتي،  وخرج ليعلن بعدها أن مكان التمثال هو ألمانيا ولن يغادرها مطلقا.

تبقى الحضارات دائما مبعث الهام لأبناء الوطن

عثر على المومياوات الملكية في خبيئة الدير البحري سنة 1881 م وسط جبانة طيبة القديمة في البر الغربي لمدينة الأقصر الغنية بمئات المقابر،  وعشرات المعابد ، التي شيدها قدماء المصريين ، والخبيئة معروفة عند الأثريين باسم الخبيئة الملكية. وهي التي جاء منها معظم مومياوات ملوك مصر القديمة الذين استقروا الآن في متحف الحضارة، ومنهم أحمس الأول، وأمنحتب الأول، وتحتمس الأول، وتحتمس الثاني، وتحتمس الثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثالث، ورمسيس الثاني، ورمسيس التاسع، و نفرتاري.
في النهاية تبقى الحضارات دائما مبعث الهام لأبناء الوطن، يستمدون منها فخرهم وعزتهم، وما أن يتوافر لهم المناخ المناسب للإبداع، تجدهم أهلاً للحظة والموقف،  وهذا ما بان وظهر في عرض المومياوات أثناء رحلتها الأخيرة من المتحف المصري إلى متحف الحضارة.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة