في الرد على مجدي أحمد حسين!

مجدي أحمد حسين
مجدي أحمد حسين

أعترف أنني ترددت كثيراً قبل كتابة هذه السطور..

وأعترف أنني أدبرت، ثم أقبلت، وأنني نمت ليلتي مدبراً غير مقبل، لولا ردة الفعل الواسعة على ما قاله على شاشة الجزيرة مباشر في الليلة الماضية، والتي تراوحت بين التفريط في الترحيب بما قاله، والنقد اللاذع له. وقد برر به البعض لسلامة موقفهم المتخاذل، أو الذين هم في طريقهم للتخاذل وكانوا كغريق يبحث عن” قشاية” للنجاة، ويريدون أن يعطوا لمواقفهم منطقاً، فكان هذا المنطق هو ما قاله مجدي أحمد حسين، ومن يملك المزايدة على الرجل، الذي كان من أشد المعارضين لنظام مبارك، وكان ثورة قبل الثورة، ثم دخل السجن الطويل في عهد الانقلاب العسكري، والذي كان بكل تأكيد أكثر قسوة من سجون مبارك، على الأقل بالنسبة للصحفيين، وأيضاً بالنسبة للإخوان المسلمين.

وفي المقابل، فقد كان هناك من ثاروا على رأيه الذي أبداه بعد تجربة سجنه، ولعل الصحفي الشاب محمد إسماعيل كان اكثر تصويباً في اتجاه الهدف، وهو غير محمد إسماعيل، العضو السابق بحركة السادس من أبريل، وغير محمد إسماعيل الناقد الفني بالأهرام، فهو زميل في “اليوم السابع”، وقد كتب عن هذا الدرس الذي كان يحتاج إلى كل هذه “البهدلة” للتوصل إليه، وكل هذه التجربة القاسية لاكتشافه، وكان يمكن أن يجنب الناس كثيرا من المظالم التي جرت، والاعتقالات التي تمت، وهو عنده شبيه بمن قالوا بعد الانقلاب بضرورة عودة الدكتور محمد مرسي للحكم ولو لخمس دقائق لكي يدعو إلى انتخابات رئاسية مبكرة، ويتساءل: لقد كان مرسي في الحكم وأمامه متسع، لمثل هذه الدعوة فلماذا لم يفعل؟.. وأنا هنا أنقل كلامه بتصرف مشمولا بالتفسير له!

لا أنكر إنني عندما وجدت مجدي أحمد حسين على الشاشة، تمنيت ألا يكون قد قبل الدعوة، لأنني خشيت من أن يتشدد في قول، أو يتعسف في لفظ، فيقع عليه ضرر كبير، وأنا مؤمن مبكراً بضرورة ألا تضع الشخصيات الوطنية نفسها في أتون هذه المحرقة المنصوبة في مصر، لتكون وقوداً مجانياً لها، ولا أخفي أنني نصحت بعض هذه الشخصيات بالبعد عن المعارضة الخشنة، ودار بيني وبين أحدهم حوار حول هذا المعنى، ومما قلته له، إنني أرى أنه من الأفضل لكم السكوت، لتكونوا في لياقتكم الكاملة، لاحتمالات المستقبل، فإذا استبعدنا الثورة، فإن السيسي بشر يجري عليه ما يجري على البشر، فماذا لو خرج السر الإلهي، ونحن في الخارج وأنتم في السجون، إنه غياب يغري باستمرار تجربة حكم العسكر، ولم يوافق على ما قلت، وبعد أيام قليلة كان معتقلاً، لكن عزائي إنه فعل ما فعل وهو يدرك الثمن الذي يمكن أن يدفعه، بسبب هذه المعارضة، لحاكم في عداء مع كل مكونات ثورة يناير، وكل من شاركوا فيها!

دعا مجدي أحمد حسين للمصالحة مع النظام، وإيقاف الحرب الكلامية بين المصريين

وعندما استمعت لمجدي أحمد حسين، ولم يكن حاداً كما عهدناه، فقد تمنيت أيضاً ألا يكون قد قبل الظهور والإفتاء في شؤون الثورة والمعارضة، وغيره من خرجوا من السجن وقد التزموا الصمت، فكان هذا خيراً لهم، لأن المرء بعد تجربة السجن القاسية يكون واقعاً تحت تأثير “المعاملة العاطفية”، التي تودعه لخارجه، ثم إنه وإن بدا صاحب خبرة، فإنها خبرة الزنزانة، وفي حدود جدرانها، لا تصلح لتمثل قواعد عامة، وقد قال مجدي أحمد حسين إن ما توصل اليه كان بسبب الكتب، وبعد القراءة المتأنية والهادئة فيها، فهل كانت تنقصه الخبرة، لكي يحتاج إلى سبع سنوات يقضيها في السجن، في ظروف لم تكن مريحة؟!

لقد دعا مجدي أحمد حسين للمصالحة مع النظام، وإيقاف الحرب الكلامية بين المصريين، وأعلن من واقع الخبرة التي اكتسبها في السجن أن الثورة ماتت، وأن الدعوات لإسقاط النظام غير واقعية، ولا توجد ثورة تستمر كل هذه السنوات، وفي اعتقاده أن الثورة انتهت في سنة 2014!

وهي أحكام صدرت ممن ليس في حالة نفسية تؤهله للفصل في الدعوى وكتابة الحيثيات، وهو أمر يذكرني بحالة النائب السابق محمد العمدة، بعد الإفراج الأول عنه، فقد تبنى الدعوة للمصالحة بين النظام ومعارضيه، وكان هذا الباب الذي دخلت منه ضده “اللجان الإلكترونية”، لتتهمه بأنه دسيسة، وأنه خرج من سجنه بصفقة، والاتجاه الحاكم لهؤلاء هو عدم قبول أي زعامة تتصدر المشهد من غير الإخوان، فكل إفراج عن عنصر إخواني يستحق بسببه هذا العنصر التهنئة، أما أي افراجات عن آخرين فهي وليدة صفقة، وجاءت في إطار مؤامرة على حالة المد الثوري التي يتبناها الإخوان!

وكان رأيي أن الرجل الذي لا أشكك في صدق نواياه، إنما يخطئ في الأحكام لأنه بناها في حدود تجربة السجن، فلما استوعب الموقف بعد هذه التجربة، كان صوتاً معارضاً غاضباً، انتهى به إلى إعادة الاعتقال، ثم خرج من السجن الثاني، وقد التزم الصمت، وليته فعل منذ المحنة الأولى!

من أسباب ترددي في الرد على ما قاله مجدي أحمد حسين، هو أن تصل الرسالة للبعض فيعتقدوا أنني من الذين يزايدون عليه وعلى مواقفه، ممن لا يعرفون تقديري الخاص للرجل ولتضحياته والتي لم تبدأ بعد الانقلاب العسكري، ولكنها بدأت في عهد مبارك.

لقد كتبت عن مجدي أحمد حسين، في تجربة سجنه الأخيرة مقالين الأول حمل عنوان: “مجدي حسين الثائر في زمن الانبطاح”، والثاني كان عنوانه: “وذكرهم بمجدي أحمد حسين”، هذا غير عشرات المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، بل إنني دفعت عنه الذباب الإلكتروني، الذي هاجمه بسفاهة عندما أعلن مغادرة حزبه لتحالف دعم الشرعية، ممن لا يعرفون أوزان الناس وأقدار المناضلين، وكانت حملة تستهدف حماية التحالف من التشكيك في أهدافه، ولم يكن يعرفها الحلفاء، فلما أدرك مجدي حسين الحقيقة، قال إنه لن يدخل السجن من أجل سياسات الإخوان، ومن الغريب أنه دخله بعد ذلك بأيام، وكأنه كشف كلمة سر الليل، أو عرى ما تسعى الأجهزة الأمنية، إلى ستره بطرف الثياب!

وفي تجربة سجنه ورفاقه من الزملاء بجريدة “الشعب” في عهد مبارك، كنت أكتب زاوية يومية في جريدة “الأحرار”، كثيراً ما سودتها بالتذكير بقضيتهم، وعندما أصاب السلطة الجنون فأغلقت الجريدة وحلت الحزب، ومع أني كنت مختلفاً مع توجهات الحزب، ورافضاً للخطاب الزاعق للشعب، فقد أعلنت الحرب على النظام، بالشكل الذي دونه هو في مذكراته داخل سجنه!

وهو أمر أذكره الآن، ليس من باب “المنّ” الذي يتبعه أذى، ولكن للتذكير بأنه لا يمكن لي أن أزايد عليه، وإذ رأيت “الفتنة” التي أحدثها كلامه على الجزيرة مباشر، فقد أردت أن أدير معه حواراً هادئاً، مسكوناً بالود والتقدير.

وإذ هزمت الثورة المصرية، فلا يعني هذا أنها انتهت، لكن من انتهوا حقيقة هم الثوار

هل ماتت الثورة؟!

قال مجدي أحمد حسين إن الثورة انتهت في سنة 2014، فلا توجد ثورة تستمر كل هذه السنوات.

ولست من الذين يحلقون في الخيال، فقبل عامين قلت في مقابلة تلفزيونية لابد من الاعتراف أن الثورة هزمت، لكن هناك فرق بين أن تكون قد هزمت، وبين كونها قد ماتت؟!

ولن نذكر بالثورة الفرنسية، التي ظلت مستمرة سنين عدداً، انتصرت خلالها وهزمت، وهزمت لتنتصر من جديد، فثورة 1919، ظلت مستمرة إلى أن وقع الانقلاب العسكري عليها في يوليو 1952، لكنها وقد اختفى أثرها في الشوارع، فقد كانت تحقق إنجازات شحيحة، لكنها مستمرة ومهمة، وكان من تجلياتها دستور 1923، واتفاقية 1936، والتي وإن مثلت استقلالا منقوصاً فقد كانت بحسابات هذا الزمن خطوة للأمام، ليجري إلغاؤها بعد ذلك بقرار ممن وقعها وهو النحاس باشا، عندما وجد الظرف مناسباً، وكان الإلغاء كذلك هو واحدا من إنجازات هذه الثورة العظيمة التي لم تنتصر دفعة واحدة ولكن بالنقاط!

وكانت هزيمة ثورة 1919، بسبب رغبة النخبة، والقوى السياسية المختلفة، في التخلص من أغلبية حزب الوفد، ومن بين الزعماء السياسيين من ظنوا أن عبد الناصر هو “ابنهم البكري”، ومن التنظيمات من أغراها أنها شريكة في الانقلاب العسكري، وأن عبد الناصر بايعهم على المصحف والمسدس. ومما يؤسف له إن النخبة العسكرية هي التي وقفت في وجه هذا الانقلاب، وطالبت بعودة الجيش لثكناته، وعودة الحياة النيابية، مما مكن قادة الانقلاب من سحقها، في ظل انحياز أهل السياسة لهم، وعندما استوعبت النخبة المدنية الدرس، ورأت أن تنتصر للديمقراطية في أزمة مارس 1954، منحازة أيضاً لجنرال ينافس جنرالاً، هزمت على يد جنرالات الاستبداد وكانت تجربة تكفي درساً بليغاً بكل تداعياتها!

وإذ هزمت الثورة المصرية، فلا يعني هذا أنها انتهت، لكن من انتهوا حقيقة هم الثوار، وليست الثورة، وإذا كانت قد انتهت، فهل يقر النظام الحاكم بذلك؟!

لقد هزمت الثورة العرابية هزيمة نكراء، وضرب اليأس الجميع، لكن هذا لم يمنع من قيام ثورة 1919 بعد ذلك، والمعنى أنه إن انتهت ثورة يناير، فليس معنى هذا أن الحالة الثورية قد انتهت، فهي كامنة بفعل القهر والاستبداد، ولم يقتنع الحكم بانتهائها، كضرورة للانتقال للمرحلة التالية من نهاية الثورات، فلا يزال الحاكم العسكري يتصرف وفي ذهنه هاجس يناير، يطارده في صحوه ومنامه، مما يمنعه من الانتقال للمرحلة التي يدعو إليها مجدي أحمد حسين!

البأس الشديد، في تصور جيلي وجيل مجدي حسين، أننا من نرسم خريطة طريق للأجيال الجديدة

لقد ذكرنا الصحفي المناضل بزمن مبارك، وكيف أننا لم نكن نوافق على الطريقة التي جاء بها للحكم، وكانت المعارضة تهاجمه، وتلتقيه، وتعيش في كنفه، وهو يريد العودة لهذه الحالة، مع تجاوز الطريقة التي جاء بها السيسي للحكم!

وهنا لابد من التذكير بأنها مقارنة خاطئة، فالحقيقة أن المعارضة وإن كانت تعترض على طريقة الاستفتاء التي جاء بها مبارك، فإن اعتراضها لم يكن يمنع من الاعتراف بشرعيته، لأنه جاء وفق المعايير المتوارثة منذ انقلاب سنة 1952،  ولهذا لم ترفض القوى السياسية هذه الطريقة عندما جاء بها الرئيس السادات، وغاية ما جرى بعد ذلك هو الدعوة إلى انتخابات تعددية، ثم الدعوة لانتخابات تعددية نزيهة، ثم خرج الشعب على هذه المنظومة في ثورة يناير، والسيسي لم يأت إلى الحكم وفق القواعد المعمول بها، لكنه جاء بانقلاب عسكري، فهل يريد مجدي أحمد حسين تجاوز الطريقة لتبدأ المصالحة مع السيسي؟.. لا بأس!

البأس الشديد،  في تصور جيلي وجيل مجدي حسين، أننا من نرسم خريطة طريق للأجيال الجديدة، ففي ظل ثورة الاتصالات، لا يمكن أن تقبل الأجيال الجديدة ما قبل به جيلنا من التعايش مع الديكتاتوريات، وكل نضالنا ينحصر في توسيع هامش الحركة لنا، ولأننا مررنا بتجربة قاسية بعد الهزيمة فإننا نعتقد في أنفسنا أهلا للوصاية باعتبارنا أهل الخبرة!

وهي الخبرة التي لا تقف الأجيال عندها، فمن هزموا في المعارك مكانهم بعيداً عن قاعات الدرس، وعندما خرجت الثورة الجزائرية، كان أكثر الناس رعباً هم من عايشوا العشرية السوداء، وظنوا أنهم مهزومون لا محالة لكن الذي حدث غير هذا، ونجحت الثورة في منع بوتفليقة من الترشح، وسجن قيادات بالجيش، وطوت الجزائر صفحة رد ة الفعل التي جرت على يد الجنرالات بعد ذلك من قتل وتدمير، وما منع الثورة من أن تبلغ تحقيق مطالبها إلا جائحة كورونا، ثم إنها تعود الآن للشوارع عفية لا يضرها من ضل!

ولعل هذ هو الذي دفع عباس محمود العقاد في كتابه عن سعد زغلول، وهو يتحدث عن الثورة العرابية وثورة 19 إلى القول إن جيلا واحداً لا يقوم بثورتين!

وقد تبدو هذه الأفكار تحلق في الخيال، وتشطح في اليسار، لمن يشاهد قوة الحكم الحالي، وقدرته على فرض نفسه، وقد مررنا بهذا الحالة في عهد مبارك، حتى وصل الحال بواحد مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم لتزكية ترشيح جمال مبارك، بل إن أصواتاً تعالت داخل الجمعية الوطنية للتغيير “كفاية”، تطالب بنجل الرئيس، وكل هذا بدافع الإحساس باليأس، وعدم القدرة على الفعل!

فلو ذهبنا إلى القصر الجمهوري مقصرين ومحلقين، فلن يأنس السيسي لنا

وتكمن أزمة مجدي أحمد حسين في تصوره إننا إذا قبلنا بشرعية السيسي، فسوف تعود المياه إلى مجاريها كما كانت في عهد مبارك، فهل هذا هو “مربط الفرس” فعلاً؟!

إنها رؤية تتجاهل تماماً التطور الذي جرى للحكم العسكري بفعل تجربة يناير، فلو ذهبنا إلى القصر الجمهوري مقصرين ومحلقين، فلن يأنس السيسي لنا ، وإذا فعلنا فسوف نكون قد انتهينا، وما شعر بالأمان لنهايتنا السعيدة، لأنه يدرك مع توقف الخطر القادم من ناحيتنا، فإن الخطر لم يتوقف من جيل لم يجرب الهزيمة، وبالتالي فان القبضة الأمنية لن تتوقف، والسماح بمعارضة داخل الهامش لن تحدث، وتجربة الإخوان أنفسهم قبل الثورة، لا تجعل الحاكم العسكري يأمن جانبهم!

لقد كان الإخوان يلعبون في الهامش المسموح للعب فيه في أيام مبارك، فيخوضون الانتخابات، ويقبلون بقواعدها في ظل نظام مستبد، يتسع الهامش في برلمان 2000 فيكون لهم سبعة عشر نائباً، ويتسع أكثر في انتخابات 2005 فيكون لهم ثمانية وثمانون مقعداً، ويغلق في 2010، فلا يذهبون حتى للتصويت خوفا من تعريض أنصارهم للخطر.. ثم ماذا؟!

قامت الثورة، فخرج الإخوان على قواعد اللعبة، وانخرطوا فيها ولم يقبلوا سوى بإسقاط مبارك، وإذ قدموا تطمينات وقتية، بأنهم لن ينافسوا على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية، ولن يكون لهم مرشح في الانتخابات الرئاسية، فعندما وجدوا الفرصة سانحة، تجاوزا هذه الوعود!

والمشكلة بين النظام ومعارضيه، ليست في حدود تصورات مجدي أحمد حسين، وهي الاعتراف بشرعيته ليقبل بنا معارضين مستأنسين، لاستكمل شكل النظام، ولو بالعودة إلى حدود سنة 2000، عندما كان يحرم على المعارضة الاقتراب من الرئيس وأهل بيته، وينصب الأداء على معارضة السياسات، أو هذا الوزير أو ذاك!

فأزمة النظام ليست الاعتراف بشرعيته، فالقوى المدنية التي خرجت في 30 يونيو، تعترف بشرعية السيسي، وهي جزء من مكون 30 يونيو الذي أوصله للحكم، ومع هذا ذاقت بأسه، فهل سحب الدكتور حسن نافعه اعترافه بشرعية السيسي لكي يسجنه؟، وهل كان الدكتور حازم حسني لا يرى السيسي رئيساً شرعياً للبلاد؟، وهل إسراء عبد الفتاح، وعلاء عبد الفتاح، ومعصوم مرزوق، وماهينور المصري، وممدوح حمزة، لا يعترفون بشرعية السيسي وإنه الرئيس الشرعي، ليجري عليهم ما يجري على الرافضين لشرعيته من سجن وتغييب!

إن التصور بأنه بالاعتراف بشرعية السيسي سيضمن لنا العودة إلى حدود ما قبل ثورة يناير 2011، هو تصور وليد محنة السجن، الذي ليس مكاناً –بحكم طبيعته- للتفكير الحر ولو كان فندق خمس نجوم، وإنه يتجاهل نهاية حمدين صباحي، الذي كان محللاً لعبد الفتاح السيسي، ليعتلي الكرسي، ثم انتهى به الحال إلى سجن أوسع بعض الشيء من الزنزانة التي كان فيها مجدي أحمد حسين، فليس مسموحا له ليس فقط بالمعارضة في حدود ما قبل خطوط يناير 2011، ولكن بمجرد حرية الحركة والتنقل!

إنه تصور مرده إلى بعض الإفراجات الشحيحة، وبالقطارة، فينظر إليها على أنها بسبب رحابة صدر النظام، ولا ينتبه إلى أنها صدى خافت لصوت التحولات الخارجية، أكثر منها إرادة نظام يرى أنه استوى على الجودي، ويريد أن يتجاوز المرحلة السابقة عندما كان يؤسس لشرعيته. فهو نظام استفاد جيداً من محنة يناير، ويرى أن الثورة على مبارك بسبب توسيع هامش الحرية في سنوات حكمه الأخيرة، وأي تصور على أنه قد يسمح لأحد بدور، ولو في الحد الأدنى، هو اعتقاد خاطئ، يرجع إلى وهم التجربة، المقيدة بحدود الزنزانة!

وربما يكون من الأحلام أن نصل إلى اقتراح عبد الناصر القديم، وهو “الهدنة”، عندما زاره نفر من الإخوان المسلمين وقد استشعروا أن الصدام معه نتيجته وخيمة، فعرضوا عليه المصالحة مع الجماعة، فكان رده إن المصالحة فات أوانها، إنما أوافق على “هدنة”، فأمامنا اتفاقية الجلاء، ولا أريد للإخوان أن يرفضوها، وعموما فقد رفضت قيادات الإخوان الهدنة، وكانوا سيرفضون المصالحة لو وافق عليها، وكأنه لابد من التجربة التي تمنحها المحنة الشخصية!

ولم يكن مجدي أحمد حسين بحاجة إلى أن يلبث سبع سنين في سجنه، عاشها بين الكتب ليصل إلى هذه النتيجة، فقد كانت المحنة أقرب إليه من حبل الوريد، بل إنه ولد في أجوائها!

لقد خرج الإخوان في عهد السادات، يدركون بعد التجربة خطأ ما جرى، ولهذا كانوا جزءا من حسابات نظام السادات، دعك من تحميل المواجهة بين السادات وعمر التلمساني أكثر مما تحتمل، فقد كانت عتاباً من محب، وقد وصلته تقارير أمنية تفيد تحالف التلمساني مع الشيوعيين، ورد التلمساني منطلقاً من المعترف بالجميل، فلا يمكن أن يتحالف مع أعدائه.. هذا عتاب المحبين، وليس مناكفة معارض للزعيم!

ولم تكن تجربة الإخوان في سجون عبد الناصر درساً لعدم الصدام بالسلطة للأجيال الجديدة، فقد مثلت إلهاما في ضرورة مواجهة السلطة، وبعد ربع قرن من المحنة كانت النهاية واحدة، وبعد أن بددت الجماعة الإسلامية الكثير من الفرص للتسوية مع نظام مبارك، قبلت بمجرد خروج المعتقلين ليداووا جراحهم، وكأنهم اخترعوا الذرة وهم يعرضون فكرهم الجديد، مع أنه فقه كان حاضراً منذ اللحظة الأولى أمامهم، فلم يكن اكتشافاً، فقط هم رفعوا أيديهم لسحبه من أرفف المكتبة!

ولم تمنع تجارب الفشل لنضال التيارات المختلفة من خروج ثورة يناير، والتي شارك فيها من كانوا مستضعفين من قبل، وهي تجربة مضافة لخبرة السنين للحكم العسكري، فلا أمان لمستضعف إذا سنحت أمامه الفرصة!

ولم يكن مجدي أحمد حسين بحاجة إلى أن يلبث سبع سنين في سجنه، عاشها بين الكتب ليصل إلى هذه النتيجة، فقد كانت المحنة أقرب إليه من حبل الوريد، بل إنه ولد في أجوائها!

إن مجدي هو ابن المناضل الكبير أحمد حسين، المعارض الأعلى صوتاً، والأكثر نفيراً، والزعيم لحزب مصر الفتاة، وكان عبد الناصر وعدد من الضباط الأحرار هم تلاميذه، ويرون فيه القائد والأب الروحي، ومن هذا التصور انطلق ينتقدهم ويوجههم، وكان لابد من التجربة، حيث سجن، ولم يكن السجن غريباً عليه فقد دخله في عهد الملك مرات كثيرة، لكن سجن العسكر كان مختلفاً، وخرج الرجل من المحنة وقد اعتزل العمل السياسي كلية، ولم يكن منتظراً صدور قرار العزل في حق أحزاب العهد البائد، وعندما اعتمد السادات تجربة التعددية السياسية، وقد أعطى المهندس إبراهيم شكري، أخلص تلاميذ أحمد حسين، رخصة حزب “العمل”، وكان قد عينه وزيراً للزراعة من قبل، لم تبدو لدى أحمد حسين الرغبة في إلغاء قرار العزل والعودة للعمل السياسي من جديد، على العكس من الوفديين، الذين من الواضح أن إشارات وصلتهم بأن هذا الانقلاب مطلوب دولياً، ولعلها نفس الإشارات التي وصلت للملك فاستسلم كما استسلموا، ولم يمنع هذا من التنكيل بهم وسجنهم، لكنهم عندما وجدوا الفرصة مواتية عادوا بحزب الوفد الجديد برئاسة فؤاد باشا سراج الدين!

إنني مع أي ثمن يدفع لتصفية ملف المعتقلين، لكن الثمن لن يكون هو الاعتراف بالنظام القائم، لكي نضمن لأنفسنا هامشا للحركة، يمكننا من إعطاء الدروس، فالمهزوم لا يقود، وتجاربه الشخصية لا تصلح للتصدير، وإلا كان مجدي أحمد حسين قد استفاد من تجربة والده. لنكون بين تجربتين واحدة تحتاج للعمر الطويل، عندما تتغير الظروف وهي تجربة فؤاد سراج الدين، والثانية قبول الاعتزال النهائي وهي تجربة أحمد حسين!

وعندما يتجاوز مجدي أحمد حسين اللحظة، سيقف على أن الاعتراف بشرعية السيسي لن ينتج أثراً، وقد كان خيراً له أن يصمت حتى يعيد تأمل الموقف بعيدا عن حدود الزنزانة وكلمات الوداع في مقر الأمن الوطني، وقطعاً كان من الأفضل له وللأجيال الجديدة، أن يختار، وأن نختار معه، تجربة الوالد؛ الاعتزال الجماعي، من أجل ثواب الجماعة! فنحن جيل مهزوم، والمهزوم لا يصلح لإعطاء الدروس.

ويقضى على المرء أيام محنته.. حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن!

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة