“الجنزوري”.. الذي كان يقول للمشير يا حسين!

الجنزوري
الجنزوري

بوفاته، فقد أعاد الدكتور كمال الجنزوري، رئيس الحكومة المصرية في عهدين تذكيرنا بنفسه، وللدقة بملامح دولة مبارك، التي شغل فيها منصب رئيس الوزراء لثلاث سنوات بالتمام والكمال، حيث عيِّن في 4 يناير/كانون الثاني 1996، وعزل في 5 يناير 1999، وكنت قد تعرضت لجزء من هذه المسيرة في مقال كتبته عن صفوت الشريف بعد وفاته في يناير الماضي، والذي كان من مراكز القوى، الذين عني الجنزوري بتحطيمهم، ودخل معهم معركة تكسير العظام!

كنا قد وقفنا على أن الجنزوري ليس مجرد رئيس وزراء ضعيف كسابقه، وكان أول من أقر بأننا أمام رئيس حكومة مختلف منذ بداية عهده، هو إبراهيم نافع نقيب الصحفيين، وذلك منذ أول لقاء جمع قيادات النقابة ورموز المهنة مع مبارك، بعد قانون تكميم الصحافة 95 لسنة 1995، والذي احتشدت ضده الجماعة الصحفية في جمعية عمومية استمرت في حال انعقاد كامل لمدة سنة كاملة، حتى إلغاء هذه القانون!

وإذ كانت بداية الأزمة في عهد الدكتور عاطف صدقي، فإنها استمرت حتى تعيين كمال الجنزوري، وفي اللقاء لم يترك رئيس الوزراء الجديد الحوار بين الحاضرين والرئيس، ولكنه كان يتدخل ويدلي بدلوه، ويدافع عن القانون الأزمة، ويقاطع المتحدثين أحيانًا، غير مكترث بوجود الرئيس، ويومئذ خرج إبراهيم نافع متشائمًا وهو يقول لمن معه إن الأزمة ستكون صعبة لأننا مع رئيس الحكومة مختلف، ويريد أن يقول إنه لن يكون كسلفه، بما فُهِمَ منه أنه لا يكفي فقط إقناع مبارك بالعدول عن هذا القانون!

إن مبارك في هذه اللحظة تصرف كإنسان، لكن فؤاد محيي الدين تعامل كمسؤول، ومن هنا فقد كان تعيينه رئيسًا للوزراء بعد ذلك هو تحصيل حاصل

كانت مصر قد قطعت صلتها برئيس الوزراء القوي بالوفاة المفاجئة للدكتور فؤاد محيي الدين، الذي وافته المنية في مكتبه بعد فترة وجيزة من توليه المنصب (من 3 يناير 1982- 31 أغسطس 1982)، فقد مات السادات بينما فؤاد محيي الدين نائبًا لرئيس الوزراء، وإذ جمع مبارك في البداية بين رئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة، فإن العالمين ببواطن الأمور يقولون إن الرئيس الجديد، بدا أنه تحت الوصاية لهذا الرجل القوي، الحاكم الحقيقي، وبدا مبارك كما لو كان لم يستكمل مهمة تدريبه على الحكم، فاستمرت تلمذته على يد “المعلم” الجديد، بعد اغتيال المعلم الكبير وهو الرئيس السادات، وبدت “الوصاية” مبكرًا، وفي العرض العسكري الذي شهد اغتيال الرئيس، فقد اندفع نائبه ليركب الطائرة مع السادات المضرج في دمائه، بينما كانت هناك يد تمسك به من الخلف لتجذبه، وهي يد فؤاد محيي الدين الذي قال لنائب الرئيس: “ورانا شغل كتير”، بحسب شهود عيان!

إن مبارك في هذه اللحظة تصرف كإنسان، لكن فؤاد محيي الدين تعامل كمسؤول، ومن هنا فقد كان تعيينه رئيسًا للوزراء بعد ذلك هو تحصيل حاصل، ولم يحكم مبارك إلا بعد وفاة فؤاد محيي الدين، وقد عيَّن خلفه ثلاثة من رؤساء الحكومة هم على التوالي: كمال حسن علي، وعلي لطفي، ثم عاطف صدقي، قبل أن يختار كمال الجنزوري، وشهدت المرحلة السابقة له اختفاء شخص رئيس الحكومة، لحساب بروز شخصية الرئيس الذي عزل علي لطفي وزير المالية السابق، ورئيس الوزراء بعد فترة قصيرة من توليه المنصب الأخير (4 سبتمبر 1985 – 9 نوفمبر 1986)، لمجرد أن لوَّح بيديه، وكان المعنى الذي هو في بطن الشاعر أن الخاص بالرئيس لا يشاركه فيه أحد، وكانت رسالة لا تخطئ العين دلالتها!

وإذ كنت قد استمعت لهذه الحكاية الأزمة، من صديق مشترك، فقد انتهزت فرصة “إفطار رمضاني” جمعنا مع رئيس الوزراء الأسبق في أحد الفنادق، لكي أتأكد من صحة الرواية، فأكدها، فقد كان عائدًا من الخارج، ربما من الكويت، وكان التقليد السائد، أنه عند عودة رئيس الجمهورية، يكون في استقباله رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، أما إذا كان العائد هو رئيس الحكومة فيكون في استقباله عدد من الوزراء، وهو التقليد الذي توقَّف بعد ذلك فيما يخص رئيس الحكومة، ومن على سلم الطائرة لوح علي لطفي للمستقبلين له بيديه، ويبدو أن هناك من نقل ذلك للرئيس ولم ينسَ أن يدُس له  بأن “لطفي” يتصرف على أنه “زعيم”، وربما شريك للرئيس في الحكم، فأسرها في نفسه، وعزله ليعينه رئيسًا لمجلس الشورى، فلم يكن مبارك ممن يتخلصون من رجاله كلية في بداية حكمه، فقد اتسم عهده بالوزراء المعمِّرين!

كان عاطف صدقي رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات، وعندما استُدعي لرئاسة الجمهورية لم يُبلَّغ بوقوع الاختيار عليه ليكون رئيسا للوزراء؛ فظن أن الرئيس سيعيِّنه عضوًا في مجلس الشورى

وربما كان الاختيار بعد ذلك على وقع هذه الإشارة من علي لطفي، فكان البديل هو عاطف صدقي، الذي كان طيبًا للغاية، ولا يتصرف على أنه رئيس حكومة، أو حتى وزير، بل إن من وزراء حكومته من كان أعلى منه كعبًا، وأكثر منه حضورًا، بدءًا من وزير الداخلية زكي بدر، وليس انتهاء بوزير الزراعة يوسف والي، وهي المرحلة التي شهدت تأسيس مراكز قوى للحكم، الذين كانوا يتصرفون على أنهم أقوى من رئيس الوزراء، وإن كانوا لا يصنفون أنفسهم بأكثر من سكرتارية عند الرئيس، لكن مساحة الحركة والتصرف كانت واسعة!

كان عاطف صدقي رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات، وعندما استدعي لرئاسة الجمهورية لم يتم إبلاغه بأنه وقع عليه الاختيار لكي يكون رئيسًا للوزراء، فظن أن الرئيس سيعينه عضوًا في مجلس الشورى، وربما رئيسًا للمجلس بعد ذلك، ولأنه كان يفتقد القدرة على أن يحدث الرئيس بما يدور في نفسه، فقد كتب في ورقة قدَّمها له ما يفيد أن القانون يمنع الجمع بين عضوية مجلس الشورى ورئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، عندما قرأها مبارك، أخبره أنه عيَّنه رئيسًا للحكومة وليس عضوًا في مجلس الشورى!

وهو تصرف ينم عن طبيعة الرجل، ولم يكن الذين عاصروا هذه الفترة، يمكن أن يجادلوا في هذه الطبيعة، فقد كانت واضحة للعيان وللمراقبين، لدرجة أنه قد يتدخل رئيس الحكومة لدى رئيس مؤسسة صحفية لتعيين هذا الصحفي بالمؤسسة أو قبول واسطته في قبول صحفي تحت التمرين، فلم يُكترث بهذه التوصية في كثير من الحالات!

وجاء الجنزوري على قدر من دولاب الدولة، فقد تنقل في وظائفها ووصل لمنصب المحافظ، أو رئاسة معهد التخطيط القومي، ومنه ليعين وزيرًا للتخطيط، قبل اختياره رئيسًا للحكومة، وبدا أنه يدرك تمامًا معنى أن يكون رئيسًا لوزراء مصر، فتصرف على أنه ديكتاتور لا يقبل النقد، وبعد عشر سنوات من النقد الساخر من عاطف صدقي في رسومات رسام الكاريكاتير مصطفى حسين، وأفكار أحمد رجب، لم يكن ليقبل رئيس الحكومة الجديد هذا، فلم يقتربا منه، ربما تم تجريب هذا في البداية، وكان رده خشنًا، فكان الخيار الوحيد هو التوقف، فليس هو عاطف صدقي الذي دعا حسين ورجب إلى مكتبه، واستقبلهما بكل ود، وأكد لهما أنه يتابع “أخبار اليوم” كل أسبوع ليطالع هذه الرسومات التي تخصه!

وحتى صحف المعارضة، لم تكن تقترب من رئيس الوزراء، وعندما كتب رئيس تحرير الوفد عباس الطرابيلي، حملته على مشروع توشكى، كان من يقف في مواجهته هو كمال الجنزوري، وكاد يفتك به عبر القضاء، لولا أنه لم يكن مقبولًا في هذه الفترة، حبس رئيس تحرير بحجم جريدة “الوفد”، وذلك مع أن توشكى كانت مشروعًا يخص مبارك ولا يخص الجنزوري، وبدا أن يبحث عن مشروع كبير يعيد إنتاج نفسه به من جديد للرأي العام، وكان التفكير وليد اللحظة، لقد قرر الرئيس فجأة تبني المشروع، ليتصل الجنزوري بوزير الري محمد عبد الهادي راضي، من على سرير المريض، والذي كان قد هدَّه السرطان ويعيش أيامه الأخيرة، فظهر الرجل كخيال إنسان وهو يشرح على الشاشة أهمية المشروع في حضور الرئيس!

وكان قد نقل عنه لأحد المحررين المندوبين بوزارة الري، أنه حاول عبثًا إقناع رئيس الحكومة بأن المشروع ليس مفيدًا، وسيمثل عبئًا على الاقتصاد الوطني، لكن الجنزوري أخبره أنها رغبة الرئيس وأن الحكومة قد تبنت هذا المشروع، وليس أمامه إلا الحضور، وقد حضر مرة وربما أكثر، بعدها وافته المنية!

وقد كنت شاهدًا على واحدة من تداعيات الكتابة ضد الجنزوري، ربما كان من سوء حظه، أن من فعلها هو مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار، وعضو مجلس الشورى، وقد جرب التعامل معه بأسلوب آخر، لكنه فشل فيه، فذهب يكسب وده من دون جدوى!

كان مصطفى كامل مراد، عقلية اقتصادية فذة، وهو الذي هاجم عاطف صدقي عقب تعيينه مباشرة بمقال في “الأحرار” حمل عنوان “عاطف!! والمقاطف!!”، لكن رئيس الحكومة الجديد تعامل معه بلا مبالاة في طلب تقدم به إليه، فكان مقاله عن الجنزوري، ومن مدخل اقتصادي، يخص الأرقام غير الصحيحة التي يتلوها الجنزوري في بياناته، وكان يبهر الجهال بهذه القدرة الفائقة على ترديد الأرقام، حتى أطلق عليه “الكمبيوتر” لكن المتخصصين كانوا يدركون أنها أرقام في حقيقتها غير حقيقية!

ورد كمال الجنزوري بشكل غير مباشر، وذلك من خلال الصحفي الشيوعي المعروف عبد الستار الطويلة، الذي حمل بقسوة على “مصطفى مراد”، وهجومه غير البريء على رئيس الحكومة، وألمح إلى ما طلبه من كمال الجنزوري، من دون تصريح، والتصريح لم يكن سيمثل إساءة للكاتب لذا فقد كان اللجوء للتلميح الذي يفهم منه المعني به، أن هذا المقال الهجومي يقف خلفه رئيس الحكومة!

كان هناك من عرض على رئيس الأحرار فكرة راقت له في البداية، تتمثل في أن الحكومة لديها قطعة أرض “خرابة” غير مستغلة في منطقة المعادي، واقترح عليه أن يحصل على قرار تخصيص بها ليبني عليها “مجمع مصطفى مراد الإسلامي”، وعندما عرض الأمر على رئيس الحكومة اعترض!

وقد قدر لي أن أشاهد محاولات الجنزوري إرضاء مصطفى كامل مراد بشتى الطرق، ولم يكن قد تمكن ليفرض استبداده بشكل كامل، وربما مثل هذا العداء مع رجل بحجم مراد يرى نفسه أنه جزء من الدولة المصرية بحكم كونه من الضباط الأحرار، سيحول دون صناعة الديكتاتور، فلو تجرَّأ عليه أحد لكان هذا مدعاة لتجرؤ الآخرين!

كنت مع مصطفى كامل مراد في مكتبه، عندما دخلت عليه سكرتيرته لتفيد أن “كمال بيه الجنزوري” على الهاتف، يريد أن يتحدث معه، وكان رده بعصبية قولي له “ليس موجودًا”، ولم يراعِ أن الخط مفتوح، وقد يصله صوته، وربما كان يدرك هذا. بعد ذلك طلب مني الدكتور صلاح قبضايا رئيس تحرير الأحرار، أن أساعده في الوساطة التي طلبها منه الجنزوري بإقناع رئيس الحزب بقبول اعتذاره وقد أبدى رغبته بالموافقة على طلبه، ولم أكن على علم بهذا الطلب قبل ذلك، ولم أكن متحمسًا للمشاركة في المهمة التي قام بها الدكتور قبضايا بمفرده، فكان رد مراد أنه صرف نظر عن هذا الطلب، ونفى أن يكون هجومه على رئيس الحكومة بسببه!

وقد كان التفاؤل هو ما يميز خطاب الجنزوري، فقد مرت السنوات ولم تتحول مصر إلى “نمر” أو “أرنب”، لكن من كان يجرؤ على كشف الزيف في خطابه

وفي وقت لاحق، كان الجنزوري قد استحدث تقليدًا جديدًا، وهو أن يلتقي برؤساء تحرير الصحف، وكذلك رؤساء الأحزاب، وروى لي ضياء الدين داود رئيس الحزب الناصري، وهو يضحك، كيف أن الجنزوري قال لرؤساء الأحزاب إن مصر ستتحول قريبًا إلى نمر اقتصادي، فرد عليه مصطفى مراد: “نمر مرة واحدة؟!.. قل أرنب لكي تكون مبلوعة”!

وقد كان التفاؤل هو ما يميز خطاب الجنزوري، فقد مرت السنوات ولم تتحول مصر إلى “نمر” أو “أرنب”، لكن من كان يجرؤ على كشف الزيف في خطابه، وقد نشأ ديكتاتورًا تحيط به الأساطير من كل جانب، ودخل في عداء صريح مع مراكز القوى في الحكم، وعمل على قصقصة ريشهم، لكنه مارسها عن طريق أدواته، في حين أنهم ردوا عليه بأدواتهم، ممثلة في الصحافة، والتي لم تكن لتجرؤ أن تواجه رئيس الحكومة، فكانت المواجهة صريحة في بعضها ومتردّدة في البعض الآخر ضد ذراعه الأيمن في مجلس الوزراء المستشار طلعت حماد وزير شؤون مجلس الوزراء، وهو قاضٍ سابق، كان مقربًا من السلطة في فترة خدمته، لدرجة أنها عندما ارتج عليها بعد إجراء مفاجئ للمستشار سعيد العشماوي في قضايا المعتقلين (رواه لي)، كان القرار باختصاص دائرة المستشار طلعت حماد بقرارات التظلم من أوامر الاعتقال!

كان السائد في الدوائر المختلفة أنه يسري على أمر المعتقلين ما يسري على القضاء الجنائي بشكل عام، من حيث حتمية امتثال المتهم أمام قاضيه، وكانت مصلحة السجون، قد ابتدعت إجراءً جديدًا لتكدير المعتقلين بإبلاغ الدوائر بتعذر نقلهم لأي سبب ليكون التأجيل للجلسة القادمة والتي تكون بعد شهر كامل.

وذات مرة كانت الدائرة التي يرأسها المستشار العشماوي في انتظار وصول المعتقلين الذين يبلغ عددهم ثلاثمئة معتقل، عندما دخل قائد الحرس بالمحكمة عليهم في غرفة المداولة يفيد تعذر وصول المعتقلين لعطب أصاب سيارة الترحيلات وهي في طريقها للمحكمة. يقول وقد قلت في نفسي إن المحكمة بهذا الشكل تكون وقد حبست المتهمين لشهر بقرار منها، فقد طلبت من القضاة أعضاء الدائرة مراجعة قانون الطوارئ، للوقوف على ما إذا كان يلزم بحضور المتهمين، فلما فرغوا منه وقفوا على أنه لا يشترط ذلك، وطلب من الحاجب إعداد القاعة، فلما هتف: محكمة! ظن المحامون وأسر المعتقلين، إن الإجراء سيكون للتأجيل الإداري، الذي يقوم به في الغالب أمين السر، فلا يستدعي الأمر أن ينطق به القاضي من على المنصة!

وكانت المفاجأة هي الإعلان بأنه بالنظر لقانون الطوارئ الذي لا يلزم بحضور المعتقلين فقد قررت المحكمة الإفراج عن جميع المعتقلين الثلاثمئة.

ووقعت الحكومة في “حيص بيص” حتى اهتدى تفكيرها إلى أن تكون دائرة المستشار طلعت حماد، هي المختصة وحدها بنظر التظلمات، وقد حصل على الثمن بتعيينه وزيرًا بعد إحالته للتقاعد من القضاء، والذي كان يتطاول على الوزراء، ويعاملهم على أنهم تلاميذ في مدرسة، كما جاء مرة على لسان وزير الكهرباء ماهر أباظة مع مقربين منه!

ولم يكن كل الوزراء الذين يعاديهم من مراكز القوى، فقد كان مراكز القوى هم الثلاثي يوسف والي، وكمال الشاذلي، وصفوت الشريف، لكنه لم يكن في انسجام مع وزراء آخرين مثل وزراء التعليم، والثقافة، والداخلية!

وبدأ عدلي حسين يتحرش بكمال الشاذلي ليسقط اعتباره في  دائرته الباجور

وكانت أول محاولة للانتقام من مراكز القوى، بهز هيبة الرجل القوي كمال الشاذلي في دائرته الانتخابية ومسقط رأسه، بتعيينه المستشار أيضًا عدلي حسين محافظًا للمنوفية، والذي كان قاضيًا أيضًا، وله صلة بعملية الإفراج عن 44 ضابطًا، كان النائب العام محمد عبد العزيز الجندي قد أحالهم للمحكمة بتهمة التعذيب!

وبدأ عدلي حسين يتحرش بكمال الشاذلي ليسقط اعتباره في دائرته الباجور من أعمال محافظة المنوفية، ويعطل كل طلباته، لكن نجحت مراكز القوى في إبعاده عن المحافظة، ولم يكن الجنزوري ليتخلى عنه فعيَّنه محافظًا للقليوبية!

وكانت بداية المعركة مع صفوت الشريف، عندما حدث التنازع بينه وبين طلعت حماد على موقع المتحدث الإعلامي باسم مجلس الوزراء، وهو الموقع الشرفي الذي كان يشغله صفوت الشريف بحكم منصبه وزيرًا للإعلام، فيتلوا ما جرى في اجتماع المجلس في مؤتمر صحفي، وهو صراع طويل وممتد، بدا أن الاثنين قد يأسا من حسمه، إلا أن حدثت مشكلة مرتبطة باجتماع بالمجلس!

لقد انصرف جميع الوزراء بعد اجتماع، بينما الصحفيون وكاميرات التلفزيون المصري في انتظار من يتلو البيان، ووقف الوزير على الصعيدي، وكان رجلًا ذا طبيعة خاصة، طرد ذات مرة أحد النواب من مكتبه، بعد أن أشبعه شتمًا ولعنًا، وفي اليوم التالي حدثت أزمة بسبب ذلك في البرلمان، الذي أصر نوابه على ضرورة حضور الوزير نفسه للاعتذار، لكنه رفض، وحضر رئيس الحكومة واعتذر بالنيابة ولم يقبل النواب، ولم يكن هناك من سبيل مع رفض الوزير الكامل للحضور والاعتذار، إلا أن يتصل مبارك بالنائب المطرود، فيقف في الجلسة ويعلن أن اتصال الرئيس به، يكفي ويزيد، لتنتهي هذه الأزمة العاصفة!

كان هذا الوزير هو آخر من خرج من الاجتماع، وقد غادر الجميع، فقد أمسكوا به ليتحدث لهم، فبدا كما لو كان يحدث نفسه: هل تعتقدون أننا نفعل شيئًا في هذه الاجتماعات؟! إنهم يضحكون على الشعب.. نحن لا نفعل شيئًا إطلاقًا.. نحن نمثل أن هناك اجتماعات. واتصل الصحفيون بالوزير صفوت الشريف الذي عاد من الطريق ليستغل الموقف، ويتولى أمر المؤتمر الصحفي!

وكان الوزراء من مراكز القوى أعقل من أن يقوموا بالمواجهة المباشرة مع رئيس حكومة يبدو أنه مستعد لأن ينال من هيبتهم، مع عدم حسم الرئيس مبارك للخلاف، والذي يبدو مستمتعًا بكل ما يدور، وكانت يستهويه هذا النوع من الحروب والضرب تحت الحزام بين رجاله، وكان رئيس الحكومة يخاطب المشير محمد حسين طنطاوي، باسمه مجردًا “يا حسين”، فيقول له مبارك كيف تقبل أن يناديك هكذا؟.. قل له اسمي سيادة المشير!

بدت مهمة المواجهة وقد تركت لصفوت الشريف وزير الإعلام، وكانت أدواته فيها بعض الصحف وبعض الصحفيين، والذين كانوا أذكى من الهجوم على كمال الجنزوري، فكان هجومهم على طلعت حماد، أحيانًا تصريحًا وأحيانًا تلميحًا، ووصل الحال إلى الهجوم عليه في صفقة بيع شركة المحمول لرجل الأعمال نجيب ساويرس، وأنه استغل اسم جمال مبارك لتمرير الصفقة، وتقاضى عمولة عن ذلك!

كنت قد تلقيت خطابًا ممن وصفوا أنفسهم برجال أعمال أمريكيين، موجهًا للخارجية الأمريكية، يفيد أنهم كانوا قد تقدموا ضمن آخرين للمنافسة على شراء الشبكة، وأنهم اجتمعوا مع الوزير طلعت حماد، الذي أخبرهم أن الحكومة مضطرة للبيع لنجيب ساويرس، على أساس أنها رغبة جمال مبارك وليس بإمكانه التدخل، وكيف أنه حصل مقابل هذه الصفقة على خمسة ملايين جنيه لنفسه، وعليه فهم كأمريكيين يطلبون بوقف المعونة الأمريكية للنظام المصري، الذي يستحق المعونات بسبب فساده وليس بسبب نُدرة موارده!

وراعني أن الخطاب مكتوب باللغة العربية، ثم إنه لا يرتقي إلى أن يكون مستندًا، فأهملته لكي أفاجأ بإحدى الصحف الموالية لصفوت الشريف قد نشرته بتوسُّع، ومن دون رد من الأطراف المعنية، مع أن ما فيه من اتهامات كان يمكن الوصول بها للقضاء، لكن قد يكون للموضوع ظل من الحقيقة، وقد تكون هذه الأطراف ومن بينها الوزير حماد ورجل الأعمال ساويرس ظنوا أن المنشور فعلا يستند على وثائق وأدلة!

وكانت هذه الصحف عندما تكتب شيئًا يخص رئيس الوزراء بتحريض من صفوت الشريف أو مجاملة له، فإنها تقدم رِجلًا، وتؤخر أخرى، فكتب عادل حمودة مقالًا حمل عنوان “التكويش”، وفيه عدَّد المناصب التي يتولاها الدكتور الجنزوري واللجان التي يرأسها، وغضب الجنزوري عليه، وجعله عبرة لمن يعتبر!

كان محمود التهامي يشغل منصب رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير مجلة “روزا اليوسف”، وكان صحفيًا محدود الكفاءة المهنية، لذا فإن روزا اليوسف مرت بتجربتين في عهده، الأولى عندما تولى مدير التحرير عبد القادر شهيب كل صلاحيات رئيس التحرير، ولم تنجح النجاح المطلوب، فأوكلت المهمة لعادل حمودة نائب رئيس التحرير وقد حوَّلها لمجلة صفراء ونجح في زيادة التوزيع بشكل كبير، وكان “التهامي” لا يجد مندوحة من أن يتوارى وأن يقدم حمودة كما لو كان هو رئيس التحرير الفعلي، وإن ظل الأخير يحلم بأن تؤول له المهمة رسميًّا، لكن الجنزوري عصف بهذا الحلم، بل وبعادل حمودة نفسه!

وقبل أن يكمل جملته، كان كمال الجنزوري يضرب مائدة الاجتماع بكل قوة وهو ويهتف: تأدب أنت في حضرة رئيس وزراء مصر

لقد كان عادل حمودة يحضر اجتماعات الجنزوري مع رؤساء تحرير الصحف، ولا نعلم إن كان هذا بناء على عدم ممانعة محمود التهامي، أم القبول بذلك رضوخًا لرغبة صفوت الشريف، وكان يعلم الجنزوري أنه أحد رجاله في الصحافة، ذات اجتماع كانت قضية شبكة للفنانات مثارة، فقد تم القبض عليهن بتهمة ممارسة الأعمال المنافية للآداب!

وتحدث عادل حمودة عن القضية باعتبارها قضية مفبركة، وقال الجنزوري إنه اتصل بالنائب العام الذي أفرج عنهن، كان الرد هادئًا، لكن عادل حمودة استطرد: “إن الحكومة لا تريد أن تتعلم”، وقبل أن يكمل جملته كان كمال الجنزوري يضرب مائدة الاجتماع بكل قوة وهو ويهتف: تأدَّب! أنت في حضرة رئيس وزراء مصر، وارتج على عادل حمودة وتدخل صفوت الشريف ليهدِّئ من سخونة النار المشتعلة.

فلما كان مقال “التكويش” كانت الضربة الكبرى، لقد عزل كمال الجنزوري، عادل حمودة من “روزا اليوسف” وأرسله كاتبًا بـ”الأهرام”، ولعلها المرة الأولى التي يستشعر فيها محمود التهامي إنه رئيس تحرير المجلة، فكتب إنها سياسة المجلة، وأن عادل حمودة يعبر عنها، فعزله كمال الجنزوري من منصبه للبيت، فلم يكن كاتبًا ليعين في “الأهرام”!

وظل عادل حمودة يعتصر أملًا، والتقيته في هذه الفترة فكان يموت كل لحظة، حتى قال له زميل بطريقته الفكاهية بعد أن استمع إليه يكرر آهاته ويجتر آلامه “انسى يا عادل لكي يمكنك أن تعيش”، وقد روى كيف أنهم في عهد السادات أبلغوه بتعيينه رئيسًا لمجلس إدارة إحدى المجلات المصرية، وفي الصباح تم إعلان اسم آخر، فأخذ الأمر بروح رياضية ونسى الموضوع!

بيد أن عادل حمودة لم ينسَ، وفي اليوم التالي لترك الجنزوري للوزارة، كان يدفع للمطبعة بكتابه “أنا والجنزوري”، وفيه تكلم عن أنه الصحفي الوحيد الذي هاجم الديكتاتور كمال الجنزوري، ونشر الجزء الأول من مقاله “التكويش” الذي قال إنه يمثل هجومه الضاري على رئيس وزراء مصر السابق، وكان هنا لا يقول الحقيقة!

فقد كتب مقال “التكويش” بنصف لسان وبقلم مضطرب، فبعد أن عدَّد المناصب التي يرأسها الجنزوري بما يفيد أنه ديكتاتور، برَّر هذا بأن الرجل لهذا يتعب ويكلِّف نفسه من أمرها رهقًا.

لكنها الفرصة للانتقام، وادعاء الشجاعة، وتدخل كاتب بجريدة “الجمهورية” لينفي عن عادل حمودة شرف أنه أول صحفي هاجم الجنزوري، وقال إنه أول من هاجمه، ولم يكن هذا صحيحًا، فقد سبقتهما إلى هذا بهجوم واضح ومكثف، ونقل لي زميلي مندوب مجلس الوزراء، أنه استدعاه لمكتبه ليسأله إن كنت أهاجمه لصالح كمال الشاذلي، فأفاده أنني أهاجم أيضًا كمال الشاذلي، ومن الواضح أن الإجابة أراحته فلم يجد نفسه مشغولًا بشيء والحال كذلك!

ورغم لقاءاته المتكررة برؤساء التحرير، فقد كان في تعاليه يبدو لا يألف ولا يؤلف فلم يحارب خصومه بنفس سلاحهم وباستخدام الصحافة، ولم تكن هذه مسألة سهلة، فالهجوم على مراكز القوى ليس مأمون العواقب، ثم إن صفوت الشريف هو الأقدر منه على استخدام هذا السلاح، ومن ناحية أخرى فقد بدأت وزارة الداخلية مخطط إدخال الصحافة بيت الطاعة، لأن الرجل القوي في الوزارة رؤوف المناوي مساعد الوزير حسن الألفي لشؤون الإعلام كان لديه طموح في أن يعين وزيرًا للإعلام فبدأ في استمالة رؤساء التحرير، وكبار الأدباء، ووجهاء الحياة الثقافية، فأنشأ مركز الإعلام الأمني، وكُتب عنه شعرًا، وعدَّه أكاديميون فتحًا جديدًا في مجال البحث العلمي، وكان يعقد أمسيات وجلسات سمر ليلية في الوزارة، يحضرها شعراء وكتَّاب، وقال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي إنه لم يعد يأتيه “الإلهام” إلا في مكتب الإعلام الأمني، ومن خلال مجلة الوزارة استكتب كتاب كبار، بعضهم كان محسوبًا على المعارضة، وبمكافآت مجزية، فكتب فيها صلاح عيسى وجمال الغيطاني!

ولم يكن المناوي يشغل بال الجنزوري، لا سيما وأنه هنا يبدو منافسًا لصفوت الشريف، لكن الأخير وإن لم يكن مرتاحًا لحركات المناوي المريبة، فقد كان يدرك أنه بعلاقاته بمبارك من الصعب أن يكون منافسًا له، وكان ما يخص الجنزوري في الموضوع إنه من يحسن صورة حسن الألفي وموضوع الجنزوري هو وزير الداخلية، وقد تبنى مدير مباحث أمن الدولة اللواء أحمد العدلي ليكون الوزير القادم، لكن الألفي وبفكرة عبقرية من المناوي أمكنه الإطاحة بالعدلي، رويناها من قبل!

وانتهز الجنزوري فرصة حادث الأقصر الإرهابي وعزل مبارك للوزير على الهواء ليرشح الجنزوري اللواء حبيب العادلي مدير جهاز أمن الدولة الجديد لتولي منصب وزير الداخلية.

ولم تكن كل هذه الصحف أدوات في يد صفوت الشريف، لكن الجنزوري تدخل كديكتاتور، ليبسط نفوذه

لقد بنى الجنزوري استراتيجيته في مواجهة أدوات مراكز القوى، على تحجيم الصحافة، فتراخيص الصحف الخاصة لا تمنح إلا بإرادة صفوت الشريف، الذي كان يستغل ضعف رئيس مجلس الشورى ورئيس المجلس الأعلى للصحافة الدكتور مصطفى كمال حلمي ليملي عليهم إرادته باعتبارها خيار النظام، فكان قرار الجنزوري ينص على أنه لا بد من موافقة رئيس الوزراء كشرط للترخيص، وهو النص الذي ألغي قضائيًا لعدم دستوريته!

ولأن الصحف التي تصدر بتراخيص من الخارج تخضع لولاية “جهاز الرقابة على المطبوعات الأجنبية” وهو التابع لوزارة الإعلام، فقد رسم اتجاهين، الأول عدم السماح بطباعة هذه الصحف سوى في المنطقة الحرة، أو في الخارج، وكان أصحاب هذه الصحف يتحايلون على هذا الإجراء، بأن يشتروا فاتورة الطباعة في المطابع الحرة، والطباعة في الداخل، وأحيانًا كان من يتولى أمر الحصول على هذه الفواتير هم أصحاب المطابع أنفسهم!

ثم شكَّل لجنة لم ينص عليها في قانون المطبوعات، تتبع المجلس الأعلى للصحافة برئاسة مصطفى كمال حلمي، هي التي تبت في طلبات الصحف الصادرة بتراخيص أجنبية التي يملكها مصريون بالطباعة والتداول في مصر، وكان هذا بعد أزمة جريدة الدستور، التي كانت تصدر بترخيص من الخارج، وبدا واضحًا أنها في حماية صفوت الشريف!

ولم تكن كل هذه الصحف أدوات في يد صفوت الشريف، لكن الجنزوري تدخل كديكتاتور، ليبسط نفوذه، أو يدفع بها خارج مظلة صفوت الشريف، ولأنه غير ملم بالإجراءات، فبدت القرارات قفزة في الهواء، لعدم قانونيتها فقد كان يتصرف على أنه كديكتاتور أكبر من القانون!

وبدا مبارك لا يرى في كل هذا مشكلة، والذي لم تكن لديه رغبة في عزله أو الإطاحة به، ولهذا فقد كان المعلن أنه رئيس الوزراء الجديد، قبل أن يفاجئ الرأي العام ويفاجئ الجنزوري نفسه بتكليف عاطف عبيد، وزير قطاع الأعمال بتشكيل الوزارة، فقد أُعلن أن الرئيس كلف الجنزوري بتشكيل الوزارة الثانية منذ ديسمبر من عام 1998، وبدأ هو في الاتصال بالوزراء الذي كان بينه وبينهم ود مفقود ليبلغهم بأنهم لن يكونوا معه، وكان الإجراء الحصيف هو أن يفاجئهم بذلك حتى لا يحتاطوا لذلك بشبكة علاقاتهم، ربما لأن هذا لم يكن في حسبانه، وربما لأن الشعور بالتشفي كان مسيطرًا عليه!

وروى لي فاروق حسني وزير الثقافة أنه أبلغه بذلك فعلًا، وبينما يلملِّم أوراقه استعدادًا للانصراف، نصحته مديرة مكتبه بالاتصال بالسيدة سوزان مبارك، التي طالبته بالبقاء ووعدته بأنه مستمر!

وروى لي الدكتور حسين كامل بهاء الدين، المكالمة التي دارت بينهما، وكيف أن الجنزوري أبلغه أنه من سيشكل الحكومة الجديدة، وأنه رد عليه: طبعًا لن نعمل معًا.. وأمَّن الجنزوري على كلامه ليغادر الوزارة ولم تكن مغادرته سرًا، فقد غادر بشكل معلن لتودعه الموظفات بوابلٍ من الزغاريد، ليعود مع الوزارة الجديدة لينتقم، فحتى من قرَّبهم منه، ودعوه مع المودعين محاطًا بالشماتة!

فهل تدخلت “الهانم” لإقناع الرئيس بعزله؟

ليس هناك معلومات تؤكد هذا أو تنفيه، فالمهم أن الجنزوري غادر الحكومة ليتولى عاطف عبيد رئاسة الحكومة الجديدة، وأحاطت به الأساطير من كل جانب، وكانت شعبيته في الشارع حينئذ في السماء، وقد عبرت الجماهير عن ذلك في أول جمعة له عندما فوجئت به يصلي الجمعة معها، فقد حملته على الأعناق، إلى منزله، وانكمش الديكتاتور، وهو يشعر خطورة هذه الرسالة، وكان حريصًا على حضور احتفالات نصر أكتوبر التي كانت قد تأجلت في هذا العام، وهو طلبه من وزير الدفاع المشير طنطاوي، ووافق مبارك، ربما ليثبت الجنزوري إنه لا يزال في معيِّة الرئيس!

وبينما توارى عن الأنظار، فقد جعلت منه الأساطير بطلا، والتي كانت تتردد على أنها حقائق في دور الصحف وفي المنتديات العامة بل وفي الشارع، وكيف أن جمال مبارك سافر معه للخارج، ولم يكن قد تمدَّد في المشهد السياسي بعد، وأنه سبق ليكون أمامه، وكيف أنه طلب من طلعت حماد أن يجذبه ليرجع للخلف، وكيف أن سوزان مبارك غضبت لهذا!

وعندما قامت الثورة، وجدت أن الفرصة باتت مواتية لتثبيت هذه الأساطير أو نفيها، وتكلم الجنزوري ولم تكن جميعها صحيحة، لكنه الشعب إذا أحب، والإشاعات في بلاد تحجب المعلومات وتخرس الألسنة، ولم يكن الجنزوري ليناطح مبارك أو نجله، ولكنه أداءه كان في حدود رئيس الحكومة المعتز بنفسه، وفي حدود الديكتاتور الصغير، الذي يعلم أن العين لا تعلو على الحاجب، وأنها القوة المستمدة من الكرسي وليس من الذات، فالذات تلاشت باختفاء الكرسي!

ولم يهنأ الجنزوري بيوم واحد في منصبه فالمظاهرات كانت يوميًا ضد اختياره، وقد حالت لمدة طويلة دون دخوله مجلس الوزراء وإدارة الحكومة من معهد التخطيط القومي

وبعد مرحلة الغضب الشعبي من فشل عصام شرف في حكومة بعد الثورة، لضعفه وعدم انحيازه للثورة، فتَّش المشير طنطاوي في دفاتره القديمة، وعيَّن الجنزوري رئيسًا للحكومة، ربما اعتمادًا على سمعته وأسطورته التي نسجها الرأي العام حوله، لكنه لم يدرك “التوقيت”، فقد دخل جيل جديد على خط السياسية، ليس عالمًا بهذه التفاصيل، فلم يرَ في الجنزوري إلا واحدًا من دولة مبارك العميقة، ثم إن مزاج الناس قد تغيَّر بالثورة، وربما لو عيَّن مبارك قبلها عمر سليمان نائبًا له، وأحمد شفيق رئيسًا للحكومة قبل الثورة لصفَّقوا للقرار، والذين كانوا يشيدون بعمرو موسى بعد عزله من منصب وزير الخارجية، لم يروا فيه هذا الشخص الذي يستحق الثناء بعد الثورة، أو التأييد لموقع رئيس الجمهورية، وهو موقف لم ينل من المزاج من رجال مبارك، وإنما أيضًا من الدكتور محمد البرادعي، الذي تجاوزه كثيرون بالثورة ولم يعد معقِد الآمال كما كان في حكم مبارك وقبضته البوليسية، والعجز عن التغيير!

ولم يهنأ الجنزوري بيوم واحد في منصبه فالمظاهرات كانت يوميًا ضد اختياره، وقد حالت لمدة طويلة دون دخوله مجلس الوزراء وإدارة الحكومة من معهد التخطيط القومي، ولعله تذكر الأيام الخوالي عندما ضرب بيده على المنضدة وهو يقول “أنت في حضرة رئيس وزراء مصر”، ولعله أسِف أن هذه المواجهة بعد أن بلغ أرذل العمر فلم تعد لديه من صحة للمواجهة أو أمل يبلغه بالانتصار، واعتبر نفسه في مهمة، فلما فاز الدكتور محمد مرسي بالرئاسة، وعرض عليه منصب رئيس الوزراء رفض العرض، فلم ينسَ أنه كان في مواجهة مع البرلمان الذي كانت أغلبيته من الاخوان، وبرئاسة الدكتور سعد الكتاتني، وقد وصلتهم إشارات من المجلس العسكري، بأنه يمكنهم استجوابه بل وعزله، فلما أقدموا على هذا تحداهم الجنزوري، ورفض المثول أمام المجلس، لكن في اللحظة الحاسمة، بدا المجلس العسكري الحاكم كما لو كان يريد أن يجعلهم يظهرون بهذا الضعف أمام الرأي العام، ونقل عن الجنزوري تهديده للدكتور الكتاتني بأن حكم المحكمة الدستورية بحل المجلس في درج مكتبه، وهرع رئيس البرلمان وهيئة المكتب إلى المجلس العسكري للبحث عن مخرج للأزمة.

إن تجربة الجنزوري جزء من تاريخ الحكم المعاصر في مصر، جديرة بالدراسة والتأمل، لعلها تفيد في فهم الأشخاص، وفي فهم هذه المرحلة من عمر الوطن!

لعل الذكرى تنفع المؤمنين.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة