منع التراويح في الميزان

جائحة كورونا وباء عم العالم، وابتلاء واختبار أظهر عجز الإنسان الذي بلغ درجات من العلم جعلته يرى نفسه المتحكم فيما حوله، فقهره مخلوق لا يراه وسبحان الخالق القهار.

وسنة الصالحين في نزول البلاء زيادة القرب من الله والتضرع إليه وويل للقاسية قلوبهم عن ذكر الله

(فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

ومن هنا كانت صلاة الاستسقاء عن الجدب وقلة المطر، وكذلك نهرع إلى الصلاة عن اضطراب المجرات الكبرى فنصلي عند خسوف الشمس أو كسوف القمر، وهو المعنى الإيماني الذي مازال غائبا عند البعض، وهو أن هذا البلاء لا يملك رفعه إلا من أنزله، من بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وفي أثناء ذلك نأخذ بأسباب العافية واحترازات السلامة وذلك كله من قدر الله.

ومع أن الأنظمة العربية تقلد الغرب في الكبائر والصغائر إلا أنها لم تفعل ذلك في أمر الصلاة والمساجد

ومما يُذكر للعلماء والهيئات العلمائية حسن تجاوبهم ومواكبتهم للحدث، ومبادرتهم بإصدار الفتاوى الدينية المؤيدة للإجراءات الاحترازية ضد الفيروس، لكن مع قدوم رمضان الثاني في ظل الجائحة بادرت بعض الدول العربية والإسلامية بتشديد الإجراءات على المساجد ومنع صلاة التراويح، وبلغ ببعضها إلى منع صلاة الفجر والعشاء، وعندما انتقد أحد الخطباء هذا التضييق قائلا: إن إدارة الشئون الدينية تتعامل مع فيروس كورونا على أساس أن قلبه معلق بالمساجد، تم إيقافه عن الخطابة!

ومع أن الأنظمة العربية تقلد الغرب في الكبائر والصغائر إلا أنها لم تفعل ذلك في أمر الصلاة والمساجد، حيث يصلي المسلمون التراويح في أمريكا وأروبا التي تفرض بعض دولها حظر التجول قبل منتصف الليل.

ولا مراء أن التراويح نافلة وصلاتها في البيت جائزة حتى في الأوقات العادية، لكن الكلام عن إحياء الشعيرة وعمارة المساجد وشبهة التضييق على روادها، مع أنهم أكثر التجمعات التزاما بشهادة المتابعين، وقد رأينا العالم كله لم يستطع أن يوقف مباريات كرة القدم واجتهد في اختراع الوسائل لاستمرارها فلماذا الاستسهال في أمر الصلاة؟!

ليس معنى ذلك التقليل من خطورة الفيروس وسرعة انتشاره، ولكن علينا بالوسطية والاعتدال

لا أستطيع أن أخفي مشاعر الريبة من تصرفات بعض المسؤولين تجاه قضية الصلاة والمساجد من حيث التعامل بمنتهى الحزم والصرامة مع رواد بيوت الله، والمرونة مع الحفلات الغنائية وحفلات التخرج التي يتجمع فيها الآلاف وتتلاصق فيها الأجساد، ومن جملة المفارقات أن دورات المياه في مراكز التسوق الكبرى مفتوحة إلا مكان الوضوء القريب من المصلى. !

تابعت مقابلة تليفزيونية مع مخترع لقاح فايزر ذكر فيه أن فيروس كورونا مستمر معنا، وأن تحوراته ربما تقتضي لقاحا سنويا وعلى البشرية أن تتأقلم على ذلك.

ليس معنى ذلك التقليل من خطورة الفيروس وسرعة انتشاره، ولكن علينا بالوسطية والاعتدال بلا تهوين أو تهويل لأن أعداد الوفيات من جراء كورونا وإن أحصيت بالملايين فإنها مازالت لم تتجاوز بعد أعداد الوفيات من أمراض أخرى لا تحظى بالإحصاء الدقيق مثل كورونا!

وسبب كتابتي هذه السطور ما أصابني من خوف وأنا أقرأ ما رواه أبو أمامة عن رسول اللهﷺ أنه قال: “لَتُنتَقَضَنَّ عُرى الإسلامِ عُروةً عُروةً، فكُلَّما انتَقَضَت عُروةٌ تَشَبَّث النَّاسُ بالتي تليها، فأَوَّلُهنَّ نَقضًا الحُكمُ، وآخِرُهنَّ الصَّلاةُ”. الجامع الصغير للسيوطي حديث صحيح. ‎

وهذا الحديث من أمارات النبوة، ومن جملة ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من أمر المستقبل، وأخشى أن نكون على بداية انفلات آخر عروة وهو عمود الإسلام، بعدما أصبحت عروة الحكم من ذكريات الماضي وسيرة السلف الصالح.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة